ارشيف من :ترجمات ودراسات

"إسرائيل" والربيع العربي: التقديرات والمواقف

"إسرائيل" والربيع العربي: التقديرات والمواقف


بقلم: عبد الرحمن فرحانة(*)

صورة المتغيرات الاستراتيجية:
لا شك أن الحراك العربي الجاري شكل نقطة تحول استراتيجية فارقة؛ إذ وصفها وزير الدفاع الأميركي السابق بأنها أكبر التحولات في المنطقة منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية. فقد أثرت على البيئة الاستراتيجية للمنطقة بشكل كبير (هزة جيوستراتيجية ضخمة)، وهي ستطال في مفاعيلها البنية الإقليمية؛ لدرجة ربما ستغير في المكانة الجيوسياسية للاعبين الإقليميين الأساسيين وطبيعة العلاقة بينهم، وبالتالي سترسم الإقليم بصورة مغايرة.
وفي ما يلي صورة المتغيرات الاستراتيجية التي رافقت هذا التحول الكبير:
ـ ضعف النفوذ الأميركي لدرجة فقدان السيطرة، متمثلا بعجز واشنطن عن حماية حلفائها في المنطقة بسبب هزائمها العسكرية وأزمتها المالية، بالإضافة الى زيادة ضعف التابع الأوروبي الغارق في أزمته المالية.
ـ أدى الحراك العربي إلى انهيار قواعد اللعبة الاستراتيجية القديمة التي كان يلعب فيها مبارك دور ضابط الإيقاع في المنطقة ـ مستغلا مكانة مصر الجيوستراتيجية ـ للحفاظ على المصالح الغربية والصهيونية. وتقدّر أوساط صهيونية أن الحالة مع مصر حالياً انخفضت من سلام بارد إلى وقف لإطلاق النار.

ـ ينبىء الحراك العربي عن دور جديد للشعوب في تحديد المسار وتوجيه السياسات في المنطقة، وفي المستقبل لن يكون بمقدور الأنظمة أن تتفرد بالسياسات وتقهر شعوبها وتفرض الهيمنة الغربية عليهم.
ـ تَعَقُّدُ البيئة الاستراتيجية حول دولة الاحتلال، إذ خسرت تل أبيب لاعبين إقليميين أساسيين كتركيا ومصر، وهي تعود الآن إلى المربع الأول حين نشأتها؛ إذ تحاول في الوقت الراهن الحفاظ على وجودها، بدلاً من البحث عن بناء دور إقليمي كما في الفترة التي أعقبت أوسلو.
ـ تعاني دولة الاحتلال مما تسميه بنزع الشرعية عنها في الفضاء الغربي، وفي هذا المجال فقدت مفردات أساسية كانت تستند عليها في خطابها مع الغرب، فهي فقدت صورة الضحية، كما أنها لم تعد واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
وفي المحصلة فهذه المعطيات الكبيرة الأثر ستعقّد البيئة الاستراتيجية من حول دولة الاحتلال، ما يفرض عليها إعادة النظر في كافة قواعد اللعب السابقة على كافة الصعد الأمنية والعسكرية والسياسية.
وفي رسم الصورة الإستراتيجية فقد ذهب المعلق الصهيوني "أري شبيط" بعيداً حينما وصف أثر الثورات العربية على دولة الاحتلال ومصالح الغرب قائلاً "عندما تدفن الولايات المتحدة وأوروبا مبارك فإنها أيضاً تدفن الدول العظمى نفسها في ميدان التحرير في القاهرة، وعليه فعصر الهيمنة الغربية يذوب".

التقدير الصهيوني للبيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة العبرية:

تتحدث المحافل الصهيونية الأمنية ومراكز البحث والدراسات عن حزمة من المخاطر التي تتعرض لها دولة الكيان وتضع في مقدمتها حالياً:
ـ ما تسميه الأدبيات الصهيونية بـ"الشتاء الإسلامي"، حيث فتح الربيع العربي آفاقا واسعة للقوى الإسلامية في المنطقة، وقد فاز بعضها بشكل لافت في الانتخابات التشريعية التي أعقبت الثورات العربية. والتقدير أن هذه القوى المعادية هي من سيحكم المنطقة في المرحلة المقبلة.
ـ وتنظر المحافل الأمنية والسياسية كذلك للخطر الذري الإيراني كتهديد استراتيجي يمس الكيان الصهيوني كوجود ودور في المنطقة.
ـ ويرى البعض في الوسط الصهيوني أن تعثر المسيرة السلمية يشكل عاملا محفزا لنزع الشرعية عن "إسرائيل" في الفضاء الغربي، ويعزز من عزلتها في أوساطه السياسية، كما إنه يزيد من احتقان المنطقة المشتعلة أصلاً بالثورات العربية. لكن اليمين الصهيوني المتسيد للمشهد يرى عكس ذلك، ويؤكد أن التحولات العربية الجارية لا تشجع على الانخراط في التسوية بسبب عدم الاستقرار.
ـ وتنظر هذه المحافل للبؤر العسكرية ـ المقاومة ـ التي تتهدد الكيان في كل من غزة وجنوب لبنان (حزب الله وحماس) كتهديد إستراتيجي متنامٍ، وليس للمؤسسة العسكرية الصهيونية رد فاعل على هذا التهديد حتى الآن.
ـ كما أن الأزمة المالية التي ضربت الاتحاد الأوروبي تشكل بنظر البعض تحدياً أمنياً ينبغي على دولة الكيان مواجهته والتعامل معه، حيث تعتمد الدولة العبرية بشكل كبير على صادراتها لدول أوروبا.

أما التأثيرات المباشرة للربيع العربي وخاصة التحول في مصر اللاعب الإقليمي الأكبر؛ فترى هذه المحافل أن عملية التغيير الجارية قد تؤدي إذا ما استمرت في سياقها الطبيعي إلى:
ـ استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية بسبب اضطرار الكيان للعودة لمواجهة جبهات جديدة، وخاصة الجبهة الجنوبية مع مصر.
ـ المخاوف من تبلور محور إقليمي قوي معادٍ يغير ميزان القوى الاستراتيجي القائم، ويخلق بيئة إقليمية جديدة تتضاد مع مصالح دولة الكيان.
ـ نفاد الفرصة المتاحة الراهنة للحفاظ على قوة الدولة العبرية الوازنة، ما يفتح الأفق على مستقبل غير آمن بشأن دورها وحتى على وجودها.
ردود الأفعال الصهيونية تجاه الحراك العربي وتأثيراته:
على الصعيد الاستراتيجي:
تنظر الدولة العبرية للمناورات التركية ـ المصرية البحرية المشتركة المسماة "بحر الصداقة 2011" بعين الريبة والقلق، وتعتبرها مؤشراً أولياً على تحولات المنطقة المستقبلية.
وفي ذات السياق يوصّف المستشرق الصهيوني "يوسي فيرتر" الحراك الجاري بالمنطقة على أنه "تسونامي" عربي يضع الدولة في بيئة غير مستقرة، ويدعو لمراقبة الوضع بأعين واعية، ولتجهيز القوات والترتيبات الأمنية تحسباً لخرق المعاهدات، أو لحدوث تغيير في السلطة في الجانب العربي.
ويؤكد الباحث الدبلوماسي الصهيوني "إيتمار لافين" أن التحولات الجارية تتطلب من الدولة العبرية قدراً كبيراً من " التأهب التكتيكي والاستراتيجي" على صعد مختلفة. بينما يرى البروفيسوران الصهيونيان "افرايم ياعر وتمار هيرمان" أنّه مع صعود القوى الإسلامية للحكم في مصر، سيبقى اتفاق السلام قائماً، ولن يلغى رسمياً، لكن العلاقات ستتضعضع، وينشأ وضع "اللاسلم واللاحرب".

وفي المحصلة هنالك شبه إجماع صهيوني على أن الربيع العربي هو نقطة تحول استراتيجية تتطلب تغييراً في العقيدة الأمنية للدولة الصهيونية. ويتحدث طيف واسع من الأمنيين والاستراتيجيين الصهاينة عن أن ما يسمونه بالاضطرابات الإقليمية سيكون لها انعكاس بالغ على عمليات بناء القوة في الجيش الصهيوني، وبالتالي يتطلب من الجيش أن يكون أكثر مرونة، وجاهزية لمواجهة كافة الاحتمالات، ابتداءً من الحرب الكلاسيكية مروراً بالمواجهات مع المقاومة وحرب العصابات، وانتهاءً بمواجهة ما يطلقون عليه بزعزعة شرعية وجود الدولة العبرية عبر التظاهرات على الحدود.
وعلى صعيد المواجهة الاستراتيجية يرى "حاييم آسا" المستشار لرئيس وزراء الدولة العبرية الأسبق "اسحق رابين" أن الاستراتيجية العليا الجديدة لمواجهة الوضع الراهن يتعين أن تكون قائمة على خلق الاستقرار لبناء علاقات الدولة العبرية مع كل دول الطوق الأول من حولها (مصر، سورية، الأردن، لبنان، السلطة الفلسطينية) على أساس اتفاقات وتسويات سلمية. بحيث يتضمن مفهوم الاتفاقات والتسويات طيفاً واسعاً يشمل "تفاهمات" حتى مع الأعداء مثل سوريا. أي يتعين تحقيق استقرار الطوق الأول حول الدولة العبرية بكل وسيلة ممكنة، فإذا كانت الحاجة تقتضي إبرام سلام ينبغي إبرامه، وإذا كانت الحاجة للتهديد العسكري فعلى القيادة أن تفعله. وبنظره استقرار الطوق الأول يشكل عنصراً مركزياً في فهم تعطيل التهديد الكامن في دول الدائرة الثانية والثالثة كالعراق وإيران.

من جانب آخر؛ هنالك تحرك صهيوني فاعل في دول الدائرة الثالثة، وخاصة في دول حوض النيل كأوغندا وجنوب السودان وكينيا بهدف نقل المواجهة إلى جبهة الدائرة الثالثة لتطويق النظم السياسية المقبلة التي سيفرزها الحراك العربي. بمعنى تركيز الضغط على الدائرة الثالثة لمحاصرة دول الطوق.
أكثر من ذلك؛ فإن القلق الاستراتيجي للدولة العبرية لا يتوقف عند حدود المنطقة، بل يتعداه إلى مراقبة التحرك الأميركي المستقبلي الذي من المتوقع أن يأخذ بعين الاعتبار العالم العربي الجديد الذي سيكون أكثر استقلالاً ورفضاً للهيمنة والتبعية.
على الصعيد العسكري:
في السياق العسكري وعلى صعيد ميداني؛ سرّعت الحكومة الصهيونية في أعمال بناء الجدار على الحدود المصرية، ويتحدث نتنياهو عن بناء جدار مشابه في القسم الجنوبي من الحدود المصرية. وقد رفع الجيش الصهيوني من انتشاره على الحدود المصرية، وتضاعف حجم القوات هناك، وينتشر في المنطقة الجنوبية حالياً لواء مشاة نظامي، كما رفعت قيادة الجيش من قدرات الفرقة اللوائية ـ 80 بشكل كبير. والنقاش جارٍ داخل أروقة الجيش الصهيوني حول إمكانية إقامة فيلق جنوبي بهدف استخدامه في سيناء عند الطوارئ.
ولمواجهة الأخطار الجديدة؛ شكلت قيادة الجيش كذلك جسماً عسكرياً جديداً أسمي "قيادة العمق"، مهمتها قيادة عمليات متشعبة في العمق الاستراتيجي حول الدولة العبرية، وأقيمت هذه القيادة بحسب المعلق العسكري الصهيوني "رون بن يشاي" على خلفية ما سماه الاهتزازات التي يمر بها العالم العربي.
وهنالك أصوات عسكرية تدعو لبناء قوة خاصة للتدخل في سيناء مشكّلة من سلاح الطيران وقوات برية.
وفي الأفق تجهيزات لإجراء أكبر مناورات عسكرية مشتركة من قوات من الدولة العبرية والولايات المتحدة، وهدفها إنشاء فرق مهام أميركية ـ صهيونية مشتركة تحسباً لاندلاع نزاع في المنطقة مستقبلا. وهو مؤشر حقيقي على أن "إسرائيل" أضحت بحاجة إلى حماية مباشرة، ولم تعد قادرة عن الدفاع عن نفسها بمفردها.
وجملة ذلك، أن الكلف المالية والبشرية ستتضاعف على كاهل الدولة العبرية، وفي مواجهة قوى مركّبة كلاسيكية وحرب عصابات، ما يشكل إرباكا لعقيدة الجيش، وأسلوب بناء القوة فيه، علماً أن اللجنة الأمنية التي تتابع تنفيذ توصيات تقرير فينوغراد قررت مؤخراً أن الجيش لم يستكمل بعد الثغرات التي ذكرها التقرير المذكور عقب حرب تموز 2006.

على الصعيد السياسي:
يبدو السلوك السياسي الصهيوني مرتبكاً تجاه ما يجري في المنطقة العربية، نظراً لحجم الحراك الجاري، ولأن صانع القرار الصهيوني تفاجأ بهذه الهزة السياسية، إذ عجزت دوائره الأمنية عن استشراف حجم التحول القائم وزمن حدوثه. ومع ذلك يمكن رصد جملة من التحركات السياسية للدولة العبرية لمواجهة تأثيرات الثورات العربية.
على رأس التحركات حماية المعاهدات وخاصة معاهدة "كامب ديفيد"مع مصر، فقد ضغطت الدولة العبرية على الإدارة الأميركية كي تضغط بدورها على المجلس العسكري المصري ليعلن عن حفاظه على المعاهدة، وعدم التعرض لها.
من جانب آخر؛ تحاول تل أبيب إحباط التحول الديمقراطي وبالذات في مصر، وقد بحث نتنياهو مع أوباما في لقائهما الأخير في الأمم المتحدة آليات للتأثير على المشهد السياسي المصري المستقبلي بشكل يخدم المصالح الصهيونية والأميركية، وجاءت التوصية بهذه الآليات نتاج مباحثات مطولة أشرف عليها كل من رئيس مجلس الأمن القومي الصهيوني "عامي درور" ومستشار الأمن القومي الأميركي "توم دنيلون".
وفي اتجاه آخر؛ واستشعاراً لدور الشعوب العربية الجديد تقوم وزارة الخارجية ومكتب رئيس الحكومة الصهيونية بمحاولات مكثفة لتوجيه رسائل للشعوب العربية عبر الإنترنت، ويعمل مستشار الحكومة الصهيونية للاتصالات العربية "أوفير جندلمان" بالتواصل مع مستخدمين عرب على صفحة الفيسبوك التابعة لمكتب نتنياهو نيابة عن الأخير، لخلق نوع من التأثير على الشعوب العربية، ولكنها محاولة محدودة الأثر.
ومن ضمن التحرك الصهيوني تجاه الحراك العربي؛ تشكيل مدير عام وزارة الخارجية "رفائيل باراك" عدداً من طواقم العمل لدراسة الخيارات والفرص التي تواجه الدولة العبرية، من بينها مجموعة تعمل على دراسة دول شمال أفريقيا: تونس وليبيا والمغرب، وطاقم عمل آخر يركز على مصر والاردن وسوريا، وطاقم عمل ثالث لدراسة الأقليات في هذه الدول، وإمكانية تعزيز الحوار معهم، مثل الاقباط والأكراد والأقليات الأخرى. ولعل البند الأخير من أخطر الأمور، لأن تل أبيب لها باع طويل في تحريك البعض من هؤلاء لإثارة القلاقل والتشويش على الحالة العربية.
وتشير القراءات للوسط الصهيوني إلى تباين في وجهات النظر بشأن الإسلاميين الذين تصدروا المشهد حاليا، فجهات تدعو لحوار معهم والانفتاح عليهم، باعتبارهم القوى المستقبلية. مقابل آراء أخرى تطالب بتحسين العلاقات مع القوى الأخرى لمواجهة الإسلاميين. وقد دعا نتنياهو لتأمين صندوق على غرار مشروع مارشال لدعم القوى الليبرالية في مواجهة الإسلاميين، لصناعة صورة ناعمة للدولة العبرية، باعتبارها ليست عدوة للتحول العربي نحو الديمقراطية، ولكن هدفه الأساس هو تعزيز الاستقطاب لزيادة التناقض بين القوى الوطنية منعاً لنشوء سياق وطني عربي موحد في رحم التغيير الناشئ.
ولكن الخط السياسي الصهيوني القوي تجاه الإسلاميين يعمل على التفزيع من الإسلاميين بعد اكتساحهم للانتخابات في أكثر من ساحة لتحقيق جملة أهداف من بينها، محاولة ثني القوى الغربية عن تشجيع الثورات العربية، وتوفير مسوّغات لتبرير رفض عملية التسوية، ومحاولة لمنع تبييض الصورة النمطية للإسلاميين وإبقائهم في صورتهم المشيطنة. والهدف الضغط على الإسلاميين لخفض سقفهم السياسي، وإجبارهم لتلبس مواقف سياسية معتدلة.
أما بشأن التسوية؛ فهنالك أصوات تقول إنه نظراً لضعف النفوذ الأميركي وعجز واشنطن عن حماية حلفائها، فمن المنطقي أن يقوم حلفاء أميركا بأخذ زمام الأمور إقليمياً بمفردهم، ومن جملة هؤلاء الحلفاء الدولة العبرية التي يتعين عليها أن تخفف من الاعتماد على الحليف الأميركي، وتتعاون مع الدول العربية المعتدلة كدول الخليج. ولكن الثمن المتوجب دفعه هو تعزيز مسيرة التسوية، وستكون هذه الخطوة كذلك جواباً على تنامي القوى الإسلامية في المنطقة.
ولكن اليمين المهيمن على المشهد الصهيوني تتعاظم قوته في الوقت الراهن، ويزداد تطرفه بفعل الربيع العربي. بل ان بعض رموزه المعتدلة نسبياً، باتت ترى حتى الدولة الفلسطينية وضمن الاشتراطات الصهيونية خطراً على كيانهم. وذهب وزير التعليم الليكودي "جدعون ساعر"، وهو من أقرب المقربين لفكر نتنياهو السياسي، إلى حد المطالبة علناً بالبحث عن خيارات أخرى، ما يعني أن خيار الدولتين صار يتآكل لدى القيادة الإسرائيلية. والحجة هو ما يجري في المنطقة من تعاظم للإسلاميين.



(*) خاص ـ مركز الزيتونة للدراسات

2012-01-05