ارشيف من :ترجمات ودراسات

"إسرائيل" الى أين؟

"إسرائيل" الى أين؟

كتب محرر الشؤون العبرية
اختصر رئيس أركان جيش العدو، "بني غانتس"، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الرؤية الإسرائيلية لمفاعيل التطورات التي يشهدها العالم العربي، على الأمن القومي الإسرائيلي بقول الأول إن "الواقع الإقليمي الجديد أعاد "إسرائيل" إلى ما كانت عليه عام 1967"، فيما اعتبر الثاني أن "الحدثين الجديدين اللذين من المقرر أن يؤثرا علينا هما: نتائج الانتخابات في مصر والواقع الجديد الناشئ في العراق". مشيرا إلى أن ذلك "من شأنه أن يجعل إسرائيل تواجه تحديات مردها الشرق (إشارة إلى الجبهة الشرقية) بصورة لم نعهدها ولم نتعامل معها منذ 10 سنوات تقريباً. وهذا بالطبع يُعزِّز أهمية السلام بين إسرائيل والأردن الذي يعتبر أيضاً رصيداً إستراتيجياً بالنسبة للدولتيْن".

انطلاقا مما اورده غانتس ونتنياهو، يمكن إجمال بعض معالم الأخطار المحدقة بالدولة العبرية وفق التالي:
من الواضح أن المعطى الرئيسي الذي دفع غانتس إلى مقارنة الواقع الإقليمي الحالي، بما كان عليه في العام 1967، إنما انطلق تحديدا من المتغيرات التي شهدتها الساحتان المصرية والعراقية، كما أشار نتنياهو، وخاصة أن نظام مبارك والاحتلال الأميركي للعراق، شكَّلا الركيزتين الأساسيتين في خط الدفاع الاستراتيجي عن وجود الدولة وأمنها، لكن خروج الأميركي ورحيل مبارك أطلقا مسار إعادة تشكل الطوق العربي المعادي لإسرائيل، ودقَّ ناقوس الخطر لدى قادة تل أبيب إزاء ما ينتظرها على مستوى المستقبل.

بموازاة ذلك، بالرغم من أوجه التشابه الأولية بين المرحلتين، إلا أن مجالات التمايز قد تكون أعمق وأشد على " إسرائيل". إذ في العام 1967، كان التيار القومي العربي هو الغالب والمسيطر في الدول العربية الثلاث، مصر والعراق وسوريا. أما الآن فقد أفرزت الانتخابات المصرية أغلبية للتيار الإسلامي، فيما يسيطر على الساحة السياسية في العراق التيارات الإسلامية الشيعية، في حين أن سوريا ما زال يحكمها نظام قومي عربي معادٍ لإسرائيل.

أيضاً، في مقابل إستراتيجية تطويق الطوق العربي، الذي اعتمدته "إسرائيل" قبل حرب العام 1967 (وبعدها)، عبر التحالف مع الدول المحيطة به، وتحديدا مع شاه إيران، وتركيا واثيوبيا في ذلك الحين، بهدف احتواء الدول العربية المعادية لها وتشتيت قدراتها، باتت إيران تشكل الآن العمق الاستراتيجي للمقاومة ضد "إسرائيل"، فيما العلاقات مع تركيا ملتبسة ومتداخلة..

إلى ذلك، كان الصراع العربي ـ الإسرائيلي في العام 1967، محكوما بالثنائية الدولية آنذاك، ويخضع لقواعد الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي. أضف إلى أن "إسرائيل" كانت في تلك الفترة، تستند في ردعها الاستراتيجي إلى قدرات نووية غامضة... أما الآن، باتت قوى المقاومة ضد "إسرائيل" تستند إلى عمق استراتيجي ايراني يبلور مظلة نووية يمكن الرهان عليها في كبح الخيارات النووية الإسرائيلية على مستوى المستقبل.

أما لجهة تداعيات وخطورة هذه المظلة، فقد عبَّر عنها نتنياهو في كتابه "مكان بين الامم" بالقول إنها "ستؤدي إلى تغيير المعادلة السياسية في الشرق الأوسط بين عشية وضحاها، وستجد معظم الدول العربية أنفسها تعاني من ضغط شديد للسير مع الدول العظمى الجديدة، أضف إلى ذلك، انه سيزيد احتمال أن تبدي الجيوش العربية استعدادا اكبر لشن حرب تقليدية ضد "إسرائيل" طالما توافرت لها المظلة النووية الإسلامية، كضمان ضد استخدام السلاح النووي الإسرائيلي..".

ايضا، يمكن التقدير أن قراءة القيادة العليا في تل أبيب، للخطر المتبلور من الشرق، والذي عبَّر عنه نتنياهو بالقول إن "إسرائيل" عادت، بفعل الوضع الناشئ في العراق، لتواجه من جديد تحدي تشكل الجبهة الشرقية، كما كانت عليه قبل عشر سنوات، تتمثل بالتالي: أن الدولة العبرية لا تواجه الآن خطرا وشيكا يهدد أمنها القومي، ولكنها أمام واقع جديد يشكل بداية مسار تبلور تهديد استراتيجي للدولة العبرية. وهو أمر حذّر من تداعياته نتنياهو في كلمة له في جامعة بار ايلان عام 2007، بالقول "حقيقة عدم وجود تهديد من جهة الشرق، حاليا، (على إسرائيل) لا يعني أنه لن يكون هناك تهديد كهذا في المستقبل، وعلى سبيل المثال، في حال لم تتطور الأوضاع في العراق في الاتجاهات التي نرغبها".

ايضا، يبدو أن نتنياهو أراد من خلال اشارته إلى الربط الوثيق بين التحدي العراقي الحالي، وبين "أهمية السلام القائم مع الأردن"، التأكيد على الموقع الاستراتيجي الذي يحتله الاردن في النظرية الامنية الإسرائيلية، سواء لكونه يشاركها بأطول حدود مع دولة عربية، أو لما يمثله من منطقة عازلة عن العراق.. وهو أمر تناوله نتنياهو ايضا في كتابه، "مكان بين الأمم" بالقول "إذا ما تقوّض نظام الحكم في الأردن نتيجة لتهديد خارجي أو مؤامرة داخلية.. سيتغير وضع إسرائيل الاستراتيجي بين عشية وضحاها".. كما اعتبر في مكان آخر أن "هذا الوضع (القائم في الاردن) قد يتغير في طرفة عين" مستشهدا بتجارب تاريخية "لقد كانت الأراضي الأردنية في الماضي جزءاً من الجبهة الشرقية، وقد اجتاز الجيش العراقي الأراضي الأردنية عام 1948، وعام 1967". ونتيجة هذا الموقع الحساس للأردن لفت نتنياهو إلى أن "إسرائيل" "أعلنت أكثر من مرة، أنها تعتبر الأراضي الأردنية منطقة عازلة، ولن تسمح بأي حال من الأحوال بدخول قوات أجنبية إليها".
وعليه، يمكن القول انه:

بعد توازن الردع الذي فرضه حزب الله في أعقاب حرب العام 2006، وبعد رحيل مبارك وسيطرة الإسلاميين على الساحة السياسية المصرية، بعد الانتخابات الأخيرة.. التي دفعت الجيش إلى وضع الخطوات الأولى على طريق بناء القوة التي تنطلق من فرضية تحوّل مصر إلى تهديد لـ"إسرائيل" في المستقبل.

وبعد قيام نظام سياسي في العراق حليف لإيران، بعد انسحاب القوات الأميركية منه، مع ما يعنيه ذلك من تحول العراق من دولة عازلة للتهديد الإيراني، إلى حليف له بل وممر جغرافي سياسي إلى دولة المواجهة مع " إسرائيل".. وتراجع الهيبة وقوة الردع الأميركية كما أشار إلى ذلك وزير الحرب ايهود باراك نفسه..

بعد كل ذلك، بات بالإمكان الجزم أن ما جرى يشكل اهتزازا للمكانة الإستراتيجية للدولة العبرية، بل تعبيراً عن مسار انحداري تتسارع فيه خطواتها نحو الهاوية.


2012-01-08