ارشيف من :أخبار لبنانية
بروتوكول المحكمة: أيهما أولاً .. التعديل أم التمديد؟
نبيل هيثم -السفير
في اول آذار 2012، يتم بروتوكول إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان سنواته الثلاث، وهي الفترة التي يحددها البروتوكول نفسه في مادته الحادية والعشرين كسقف زمني لسريان مفعوله بدءًا من لحظة مباشرة المحكمة عملها في اول آذار 2009. على ان الفقرة الثانية من المادة ذاتها، تفيد بأنه «بعد مضي ثلاث سنوات على بدء عمل المحكمة الخاصة، يقوم الطرفان، اي لبنان والامم المتحدة بالتشاور مع مجلس الامن، باستعراض ما تحرزه من تقدم في اعمالها واذا لم تكتمل انشطة المحكمة في نهاية الثلاث سنوات يمدد الاتفاق للسماح للمحكمة بإنجاز عملها، وذلك لمدة، او مدد اضافية يحددها الامين العام بالتشاور مع الحكومة (اللبنانية) ومجلس الامن».
ومع الاقتراب المتدرج من اول آذار، تبرز الاسئلة التالية: هل سيتم التمديد وبطلب من لبنان أو الأمم المتحدة وكيف، ولأية فترة، وماذا لو طلب لبنان تعديل البروتوكول، وماذا لو لم يطلب، وماذا لو طلب ولم يُستجب لطلبه، وهل الامم المتحدة ملزمة بالتجاوب مع طلب لبنان؟ هل سيطلب لبنان وقف العمل بالبروتوكول؟ وهل يستطيع ذلك وما هي التبعات؟ ماذا لو وصلنا الى تاريخ 1 آذار 2012، من دون طلب تعديل البروتوكول او تمديده، فهل سيصدر مجلس الامن الدولي قراراً بالتمديد لفترة ثلاث سنوات اضافية، شبيها بالقرار 1757 الذي يلفت موقع المحكمة الخاصة بلبنان الى ان «الامم المتحدة ومن خلال هذا القرار (1757) جعلت احكام الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين لبنان والامم المتحدة في شأن إنشاء المحكمة ولم يُصادَق عليه، نافذة. وما معنى عبارة «التشاور» الواردة في متن المادة 21 من بروتوكول المحكمة، وهل التشاور ملزم أم أنه غير ملزم للطرفين؟
وعلى مسافة أسابيع قليلة من مطلع آذار، ثمة حركة غير مرئية على أكثر من صعيد رسمي وغير رسمي، لإعداد دراسات ومطالعات قانونية، واستمزاج رأي خبراء في الدستور والقانون الدولي والاتفاقيات والمحاكم الدولية حول كيفية مقاربة هذا الموضوع الشائك، وتجنـُّب الوقوع في المطبات الخطيرة، في ظل الانقسام العمودي الحاد حول المحكمة، خاصة أن التجربة مع أزمة التمويل كادت ان تدفع لبنان الى ازمة وطنية كبرى يختلط فيها السياسي بالمذهبي والمحلي بالدولي. ولأن المسألة أكبر من تمويل وتتصل بمصير البروتوكول، فإن بعض المستويات السياسية لا تخفي خشيتها من تكرار التجربة بأشكال مختلفة بين منطقي التعديل والتمديد، فيما يقول مرجع رئاسي بارز إنه يستبعد وقوع أزمة لأن رأي لبنان لن يكون حاسماً ثم أن قرار حماية الحكومة ما زال ساري المفعول.
يفترض مرجع سياسي ان الوقت بدأ يضيق فعلاً وان الحسم الحقيقي للتمديد او التعديل ينبغي ان يحصل خلال شهر شباط المقبل، خاصة أن هذا الامر يتطلب مشاورات لإنضاج طبخة البروتوكول قبل اول آذار. ولعل زيارة الامين العام للامم المتحدة بان كي مون الى بيروت المقررة في الثالث عشر من الشهر الجاري قد تشكل مفتاحاً لبدء الحديث الجدي في استحقاق آذار، خاصة أن في جعبة المرجع السياسي المذكور معطيات تدفعه الى ترجيح ان يفاتح بان كي مون من يلتقيهم من المسؤولين اللبنانيين برغبة الامم المتحدة بتمديد بروتوكول انشاء المحكمة.
على ان هذه المسألة، وكما يقول أحد الخبراء في الدستور والقانون الدولي، تلقي على لبنان مسؤولية استقبال الاول من آذار المقبل بجهوزية تامة لخوض معركة مزدوجة مع البروتوكول، خاصة أن المسألة هنا تتوزع على شقين، الأول، جوهري يتعلق بأصل البروتوكول وكيفية إخراجه ومدى دستوريته، والثاني، زمني يتعلق بالتمديد وبمدة الاتفاق بشكل عام. وانطلاقاً من ذلك، يضع الخبير القانوني خارطة طريق يفترض أن يسلكها لبنان في هذا الملف وتشمل:
اولا، ان الدولة اللبنانية، إن ارادت التمسك بالمحكمة الدولية، ملزمة بطلب تعديل الاتفاقية المعقودة بينها وبين الامم المتحدة في شأن إنشاء تلك المحكمة، ذلك ان تلك الاتفاقية، تعتريها عيوب وشوائب جوهرية لا يستطيع القرار 1757 الذي وضعها موضع التنفيذ، ان يمحوها أو يغطي عليها او يجعلها امرا واقعا.
ثانيا، ان تلك الاتفاقية موضوعة موضع التنفيذ ليس وفق الأصول القانونية والدستورية. بل وفق القرار 1757، أي انها وضعت «جبراً».
ثالثا، ان تلك الاتفاقية خالفت الدستور اللبناني لجهة عقدها بمعزل عن رئيس الجمهورية اللبنانية وتجاوز دوره وصلاحيته في التفاوض وعقد الاتفاقيات الدولية (المادة 52 من الدستور اللبناني).
رابعا، ان تلك الاتفاقية مخالفة للقانون، فلم تحل الى المجلس النيابي وفق الأطر والاصول الدستورية، وعبر مرسوم إحالة موقع من قبل رئيس الجمهورية، بل تم تهريبها عبر عريضة نيابية لا صفة قانونية او الزامية او حتى معنوية لها.
خامسا، ان الحكومة التي رعتها وأعدتها مع الامم المتحدة، هي حكومة بتراء وفاقدة للميثاقية.
سادسا، ان الموظف اللبناني الذي وقع تلك الاتفاقية عن الجانب اللبناني (مدير عام وزارة العدل) لم يفوض من قبل مجلس الوزراء مجتمعاً.
وبالتالي، يضيف المرجع، اذا قرر لبنان الإبقاء على هذه الاتفاقية، يفرض عليه ذلك المسارعة الى طلب التصحيح والتعديل ووضع تلك الاتفاقية على السكة القانونية والدستورية، وتبعاً لذلك ليس ما يمنع لبنان المطالبة بهذا التصحيح او التعديل، خاصة أن الاتفاقية ذاتها تجيز ذلك في المادة عشرين منها. وأقل المسؤولية هنا أن يطلب لبنان التعديل والتصحيح لجعل الاتفاقية منسجمة مع القانون ومع الميثاقية والدستورية.
ولأن الاتفاقية لإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي، هي في أساسها «اتفاقية دولية رضائية» تمّت بموافقة الطرفين، والكلام هنا للخبير في القانون الدولي، فإن تعديلها يتطلب موافقة طرفي الاتفاقية اي لبنان والامم المتحدة وعبر اتفاق خطي بينهما، وكما أن التعديل يتطلب موافقة الطرفين، فالتمديد يتطلب ذلك ايضاً، كما هو مبيّن في متن المادة 21 من تلك الاتفاقية التي تقول بتمديد مدة الاتفاقية لفترة يحددها الامين العام بـ«التشاور» مع الحكومة اللبنانية ومجلس الامن.
المستغرب كما يقول الخبير المذكور ذهاب بعض التفسيرات إلى إدراج تعبير «التشاور» كمرادف لتعبير «إطلاع» أي اطلاع الحكومة اللبنانية على قرار الامين العام بتمديد فترة الاتفاقية بمعزل عن موقف الدولة اللبنانية سواء اكانت مع التمديد أم ضده. فمنطق الأمور في هذه الحالة يفرض العودة الى اساس الاتفاقية التي تمّت برضى الطرفين وليس بقرار من مجلس الامن، فطالما ان الاتفاقية عقدت اصلاً بين لبنان (بصرف النظر عن كيفية إبرامها او شرعية الحكومة التي قامت بها) وبين الأمم المتحدة، وطالما ان الدولة اللبنانية هي المعنية بالمحكمة، اذاً «التشاور» هنا له معنى جوهري، هو «التوافق» أي وجوب ان تأخذ الأمم المتحدة في الاعتبار موقف الدولة اللبنانية من هذا التمديد ومهما كان هذا الموقف. وإلا فما هو معنى وجود المادة 21 من الاتفاقية من أساسها؟
ماذا لو طلب لبنان اعادة وضع الاتفاقية على السكة القانونية والدستورية، ولم يستجب له، وماذا لو طلب النأي بنفسه عن موضوع تمويل المحكمة ولم يستجب له ايضاً، وماذا لو تقرّر تمديد الاتفاقية بمعزل عنه؟
في رأي الخبير في القانون الدولي، ان ليس هناك سوى سبيل واحد لفض الخلاف وحل النزاع سواء على التعديل او التمديد او التفسير لبعض مواد الاتفاقية، وهو الذهاب الى التحكيم الدولي امام مرجعية محايدة.
وأكثر ما يخشاه الخبير هو أن يبادر مجلس الامن الى اصدار قرار يمدّد فيه الاتفاقية ثلاث سنوات اضافية بمعزل عن موقف لبنان، ملبياً بذلك رغبات اميركية وغربية ولبنانية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018