ارشيف من :أخبار لبنانية

سوريا لا عرسال بين 8 و14 آذار

سوريا لا عرسال بين 8 و14 آذار

نقولا ناصيف -الأخبار


انتهت أخيراً ــ أو تكاد ــ أزمة تنظيم «القاعدة» وعرسال في ضوء ما انتهت إليه جلسة اللجنة النيابية للدفاع الوطني والأمن. استنفدت قوى 8 و14 آذار كل ما يُقال في هذا الموضوع، وختمتا الجدل فيه من دون أن تقتنع إحداهما بوجهة نظر الأخرى. ليست عرسال ما بينهما، بل سوريا.


تفترض مداولات اللجنة النيابية للدفاع الوطني والأمن، أمس، طيّ صفحة الجدل المستفيض الذي رافق مواقف وزير الدفاع الوطني فايز غصن، عشية عيد الميلاد، عن وجود تنظيم «القاعدة» في عرسال. كان التعويل على اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، عشية رأس السنة، لاستيعاب تداعيات السجال المتفاقم حيال «القاعدة» وعرسال في آن، وانخرط فيه أفرقاء 8 و14 آذار على نحو تعمّد توريط الجيش بالطلب منه نشر جنود عند الحدود اللبنانية ـــ السورية تارة، والتضييق على عرسال طوراً.

على أن قرارات المجلس الأعلى للدفاع، في 29 كانون الأول، لم تتوخَ سوى إخراج السجال من التجاذب السياسي وإدخاله في المؤسسات المعنية، ووضع السلطة السياسية يدها على ملف يقتضي أن يكون بين أيدي الأجهزة الأمنية وحدها بلا ضوضاء إعلامية. مع ذلك، تصاعدت نبرة الاتهامات المتبادلة.

إلا أن حصيلة جلسة لجنة الدفاع الوطني والأمن أفضت إلى الآتي:

1 ــ امتنع الجيش عن المشاركة في الجلسة، في ضوء قرار اتخذته قيادته بالبقاء بعيداً من جدل تتقاذفه الخلافات السياسية. ولم تجد القيادة نفسها معنية بخلافات كهذه تتجاوز تنظيم «القاعدة» وعرسال إلى الأزمة السورية. لم تكن المعلومات التي أوردها غصن، في جلسة اللجنة النيابية، بعيدة عن معطيات أطلعه عليها الجيش، على نحو مُطابق لما كان قد أعلنه في 20 كانون الأول، عندما تحدّث عن وجود «القاعدة» في عرسال. منذ اليوم الأول لتصاعد السجال جنّب الجيش نفسه الدخول فيه، وأخذ الوزير على عاتقه الخوض فيه.

كانت الإشارة الأكثر دلالة في كل ذلك، أن أحداً لم يسأل الجيش رأيه في الغموض الذي صَاحَب المعلومات والسجال في آن، ولا ألحّت اللجنة عليه بالمشاركة على جاري العادة في اجتماعات مشابهة، أو عندما تكون المؤسسة العسكرية معنية بها، فتحضر كي تعرض وجهة نظرها. في بساطة، تصرّف الجيش ــ وهو الذي كان يملك المعلومات التي أفصح عنها الوزير وعزاها الأخير إليه ــ كأنه غير معني بكل ما كان يدور عنه ومن حوله.

2 ــ استبق جلسة اللجنة النيابية اجتماع عقده رئيس المجلس نبيه برّي مع غصن بغية إمرارها بهدوء بلا تداعيات وتشنّج، وطلب من عضوي كتلته النائبين علي بزّي وهاني قبيسي المشاركة في الجلسة، من دون أن يكونا عضوين في اللجنة. كذلك فعل حزب الله بتكليفه النائب علي عمّار المشاركة فيها. ترتّبت على جهود برّي مداخلات ومناقشات هادئة في ملف صاخب، بما في ذلك نواب قوى 14 آذار.

3 ــ لا يكتم الجيش كمّاً كبيراً من المعلومات المتوافرة لديه عن مناخات إرهابية في أكثر من منطقة في لبنان، يشكّل تنظيم «القاعدة» جزءاً منها، ولا تقتصر عليه.
في مداخلته أمام النواب، تناول وزير الدفاع أحداث الضنية عام 2000، وأحداث مخيم نهر البارد عام 2007، وتفجير باصات كانت تقلّ عسكريين عامي 2008 و2009 واتهم بها إرهابي هو عبد الغني جوهر الذي طاردته مديرية المخابرات وأوقعت به في مكمن في شتوره أدى إلى مقتله، وكذلك تصريحات مسؤول حركة سلفية متشدّدة في طرابلس هو صفوان الزعبي عن وجود لتنظيم «القاعدة» في لبنان.

تكلّم الوزير أيضاً عن مجالس عزاء وتظاهرات غاضبة شهدتها مخيمات فلسطينية تتمركز فيها تيّارات سلفية ومتطرّفة، وبعضها إرهابي، وفي طرابلس وبلدات في البقاع استنكاراً لقتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن، ومطاردة مطلوبين إرهابيين يقعون في صلب القاعدة.

استخلص من ذلك كله القول إنه لم يتّهم عرسال بإيواء التنظيم الإرهابي، إلا أن قراءته السياسية، كوزير، قادته إلى استنتاج انتشار تطرّف ديني وإرهابي في أكثر من مكان يرصده الجيش، من دون أن يفصح عنه. قال كذلك للنواب إنه تحدّث عن وجود لتنظيم «القاعدة» أو ما يماثله في تشدّده وتوسّل العنف. بيد أنه تمسّك بعدم الإفصاح عن مصادر معلوماته.

كان يعرف في الواقع، كما يعرف النواب أيضاً، أن الجيش هو المصدر الفعلي لمعلومات وزير الدفاع في هذا الملف البالغ الحساسية والتعقيد.
لم يتردّد في القول إنه هو الوزير المعني الذي يتحمّل المسؤولية السياسية، وإن الجيش لا يتحمّل أي مسؤولية حيال ما أحاط السجال أخيراً، أضف أن المؤسسة العسكرية تقوم بواجبها على أكمل وجه.

لكن الاستنتاج الآخر لما أدلى به غصن، أنه تراجع عن كلام ساقه في 20 كانون الأول حينما تحدّث عن وجود «القاعدة» في عرسال، وأوحى بأنها تأوي إرهابيين في معرض كلامه عن تسيّب المعابر غير الشرعية عند الحدود اللبنانية ــ السورية. أخرج البلدة البقاعية من الجدل والاتهامات المتبادلة، وتمسّك في المقابل، في ضوء ما اطلع عليه، بوجود هذا التنظيم واتساع مناخاته، وكذلك تيّارات إرهابية أخرى، في أكثر من مكان في لبنان، وليس عرسال فحسب.

4 ــ أبرَزَ تفاقم الجدل حيال «القاعدة» وعرسال حجم الانقسام الذي يطبع موقفي قوى 8 و14 آذار من الأزمة السورية ونظام الرئيس بشّار الأسد. ما تعنيه عرسال لقوى 14 آذار، وخصوصاً تيّار المستقبل، شأن وادي خالد، أنها المعبر الذي يضمن اتصال هذا الفريق مباشرة بالأزمة السورية والمشاركة فيها، سواء بإيواء مجنّدين فارّين من الجيش السوري، أو لجوء سكان هاربين أو جرحى. أضف الطبيعة الجغرافية للمنطقة التي تسهّل تهريب أسلحة إلى الداخل السوري، وكذلك تسلّل مسلحين. يدخل هذا التصرّف في صلب موقف قاطع اتخذه تيّار المستقبل، وكذلك رئيسه الرئيس سعد الحريري، وهو الانضمام علناً إلى حملة إسقاط نظام الأسد عبر توفير الظروف الملائمة لتحرّك معارضيه، وأخصّهم الذين يقاومون النظام بالسلاح.

بدورها قوى 8 آذار تجد نفسها معنية بعرسال كنموذج معبّر عن بلدة يقودها موقف سياسي ومذهبي يتردّد صداه في أكثر من منطقة في الشمال والبقاع، على تخوم الحدود مع سوريا، يحضّ على الضلوع في إسقاط نظام حليف لهذه القوى.

عند هذا الحدّ، المطبوع بحساسية مذهبية حادة، التزم الجيش التريّث، وقصر مهماته على منع تهريب السلاح.

2012-01-10