ارشيف من :ترجمات ودراسات

من العنصر البرتقالي إلى اليورانيوم المخفف

من العنصر البرتقالي إلى اليورانيوم المخفف
عن موقع Mondialisation.ça
9 كانون الثاني/ يناير 2012
بقلم جان بيار دوبوا

الاتهامات التي توجه في الغرب بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (سواء كانت قائمة على أساس أم لا)، لا توجه إلا إلى العدو في المرحلة المعنية، أي إلى الجهة التي تستعد حكوماتنا لاستهدافه بنيران جيوشها.
ولكن ما القول في ما يتعلق بالقادة الأميركيين؟

العنصر البرتقالي

في العام 1962، أطلق جون فيتزجيرالد كنيدي عملية "رانتش هاند"، وهي عبارة عن حرب كيماوية ضد السكان المدنيين في فييتنام. وتمثل ذلك بإلقاء ملايين الليترات من "العنصر البرتقالي"، وهو نوع من المبيدات النباتية، على الغابات والمحاصيل الزراعية.

ويحتوي "العنصر البرتقالي" على مادة الديوكسين، وهو من تصنيع شركة مونسانتو، ويتسبب بإصابة الأشخاص الذين يتعرضون له بأمراض منها أنواع عديدة من السرطانات.

فوق ذلك، فإن عدم قابلية الديوكسين للتحلل تجعله قادراً على مواصلة التأثير بعد مدة طويلة من استخدامه، ما يتسبب بتشوهات تصيب الأطفال الذين يولدون لآباء أو أمهات تعرضوا للإصابة. ومن هذه الأمراض فقدان البصر والسكري والاضطرابات العقلية والقصور الحركي والذهني والعديد من التشوهات الأخرى.


من العنصر البرتقالي إلى اليورانيوم المخففوبعد ثلاثين عاماً استغرقتها الحرب الفييتنامية، فإن حوالي 60 ألف راشد وأكثر من 200 ألف طفل ما زالوا يعانون من آثار "العنصر البرتقالي" (1).

وقد استمرت عملية "رانتش هاند" حتى العام 1971، تم خلالها إلقاء حوالي 80 مليون ليتر من هذا المبيد النباتي على فييتنام الجنوبية. ومن جراء ذلك، تضرر خمس الغابات وحوالي 400 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في البلاد.

ويتراوح عدد الفييتناميين الذين تعرضوا مباشرة للإصابة في الفترة بين 1961 و1972 بين 2،1 و 4،8 مليون إنسان. يضاف إليهم عدد غير معروف من سكان كمبوديا ولاوس. كما تعرض للإصابة جنود أميركيون وكوريون جنوبيون وكنديون وأوستراليون ونيوزيلنديون (2).



في العام 2004، وفي فترة حكم جورج دبليو بوش، قام أكثر من 15 ألف جندي أميركي بشن الهجوم على مدينة الفلوجة العراقية. وقد تواصلت الغارات الجوية على المدينة خلال عدة أسابيع حيث تم ضربها بمئات الأطنان من الصواريخ.

وفي جملة المقذوفات المستخدمة في الهجوم، كانت هنالك قنابل تحتوي على الفوسفور الأبيض، وهو مادة كيميائية وحارقة من المحرم دولياً استخدامها ضد السكان المدنيين. ولكن التأثيرات الأكثر خطورة على صحة اهالي الفلوجة نجمت عن استخدام اليورانيوم المخفف.

وفي حزيران/ يونيو الماضي نشرت إذاعة "France Info" تقريراً وثائقياً أعده "Feurat Alani" بعنوان "العراق: أطفال الفلوجة الأضاحي". وقد أظهر هذا التقرير الآثار المرعبة لاستخدام هذه الأنواع من الأسلحة: أطفال يولدون برؤوس مشوهة، وبأطراف وأعضاء مبتورة أو ضامرة. ويشكو واحد من كل خمسة أطفال من تشوهات خطيرة عند الولادة. وإلى هذه التشوهات التي بدأت بالظهور اعتباراً من العام 2005، ظهرت أيضاً أنواع من السرطانات بنسب لا تدانيها نسب السرطانات في أي مكان آخر.


من العنصر البرتقالي إلى اليورانيوم المخففوتبين دراسة علمية نشرت عام 2010 وغطت الفترة الممتدة بين العام 2006 والعام 2009، أن معدل الوفيات قد ارتفع في الفلوجة إلى 80 بالألف، في حين أن هذه النسبة لا تزيد في بلدين مجاورين هما مصر والأردن عن 19،8 و 17 بالألف. ويؤكد فورا آلاني أن "كل أسرة تقريباً في الفلوجة تضم طفلاً مشوهاً".

ويتم الحصول على اليورانيوم المخفف من خلال عمليات تخصيب اليورانيوم، وهو يتمتع بثقل نوعي مرتفع وهذا ما يسمح باستخدامه في المجالات العسكرية لصنع الدروع والقذائف.

وقبل الفلوجة، سبق للجيش الأميركي أن استخدم مقذوفات تحتوي على اليورانيوم المخفف في حرب الخليج الأولى وفي البلقان (30 ألف قنبلة و10 آلاف قنبلة من هذا النوع ألقيت على التوالي على كوسوفو والبوسنة). وتكمن الخطورة التي تشكلها القذائف الحاوية على اليورانيوم المخفف على المدنيين في ما يتصاعد منها من غبار وجزيئات ذات احتراق فوري. كما تتسرب هذه الجزيئات عن طريق التنفس والأطعمة ومياه الشرب والتراب.

كما أن السمية الكيميائية لليورانيوم المخفف هي أكبر من سميتها الإشعاعية، وهي تعادل سمية المعادن الثقيلة كالزئبق والرصاص.

الصمت الدولي

كشف روبرت جايمس بيرسون في مقالة نشرتها مجلة "لومند ديبلوماتيك" في شباط فبراير 2001، بعنوان "قانون الصمت بخصوص اليورانيوم المخفف"، أن وكالات الأمم المتحدة قد فرضت جداراً من الصمت حول الخطورة الإشعاعية والكيميائية لهذه المادة. وكان لا بد من الانتظار حتى العام 2001 لكي تنظر منظمة الصحة العالمية في مسألة إطلاق تحقيق حول تأثيرات اليورانيوم المخفف على سكان منطقة الخليج.

وقد امتنعت الولايات المتحدة عن المصادقة على اتفاقية روما التي تشكلت بموجبها محكمة الجزاء الدولية. وهذا ما يحول دون تعرض زعمائها وقادة جيوشها للملاحقة على جرائمهم.

ملاحظات

(1) ـ نجد في أحد دور التوليد في مدينة هوشي مينه جميع الأجنة المجهضة والمشوهة محفوظة في مادة الفورمول. بينها توائم برأس واحد ذي أبعاد غير متساوية، وجذع برأسين، ورؤوس بلا أدمغة أو بأدمغة ضامرة.

(2) ـ تعرّض 68 ألف جندي أميركي و20 ألف جندي كوري جنوبي للإصابة بالعنصر البرتقالي. وقد حصلوا جميعاً على تعويضات بقيمة 250 مليون دولار. بالمقابل، رفعت الرابطة الفييتنامية لضحايا الديوكسين/ العنصر البرتقالي شكوى بهذا الصدد لكنها رفضت من قبل المحاكم الأميركية.

ترجمة عقيل الشيخ حسين

2012-01-11