ارشيف من :أخبار لبنانية
الصفدي والربع الأخير من الحقيقة
هيلدا المعدراني
بعد الذي قاله أخيرا لـ"السفير" وزير المالية محمد الصفدي عن حال وزارته الخارجة للتو من قبضة تيار المستقبل التي التفت حول عنقها حوالى العقدين من الزمن، وبعد مراقبة ردود الفعل الطفيفة على ما كشفه من خبايا وفضائح ألقت أضواءً ساطعة على الطريقة التي كان يدار فيها البلد اقتصاديا وماليا وإداريا خلال الحقبة الماضية، يمكن القول إن اللبنانيين هم أكثر سكان الأرض تعايشا وتساكنا مع المخالفات والتجاوزات والفضائح، وإن مسافة شاسعة ما زالت تفصلهم عن مشروع الدولة على الرغم من استخدامهم له كشعار في تمييز اصطفافاتهم السياسية.
لو قيل كلام الصفدي في أي بلد من العالم، لاهتز المجتمع بأسره، وتحركت مؤسسات وأجهزة الرقابة، وانطلقت التحقيقات وانتصبت المحاكمات وفتحت أبواب السجون، وسارع الإعلام إلى تفعيل المحاسبة الشعبية، غير أنه في لبنان لم يحدث أي شيء من هذا القبيل، حتى إن قسما من سياسييه ـ بالتحديد من طاوله كلام الصفدي ـ لم يخجل من استمراره في إسداء النصائح للدولة السورية في إجراء الإصلاح ومحاربة الفساد وبناء دولة المؤسسات والقانون.
لكن الطريف والمستغرب، من بين الردود على الصفدي، كان موقف تيار المستقبل، الذي عبرت عنه وزيرة المالية السابقة ريا الحسن، فهي لم تنفِ كل ما قاله الأول، لجهة الفوضى في وزارة المالية والطريقة المشبوهة التي تدار بها، واتهامه بوجود وزارة رديفة تمسك بزمام الوزارة، إضافة إلى حديثه عن انفتاح حسابات المالية العامة أمام كل أشكال التلاعب والتزوير، فكل هذه الأمور الخطيرة، لم تدفع وزيرة المستقبل لنفيها أو إنكارها أو تبريرها إثباتا ولو بالحد الأدنى لحسن النية، إنما كان همها توبيخ الوزير الحالي لإطلاعه الرأي العام على ما يدور في الوزارة المسؤولة عن لقمتهم وليرتهم، وتسييس ما صارح به الناس ـ علما أن الناس يعرفون ما هو أكثر مما كشفه وزيرهم ـ ليصار بعد التسييس إلى الاحتماء بالمذهبية وبالطائفية، كما هي الطريقة المعتادة في لبنان لتعطيل عملية المساءلة والمحاسبة التي تنص عليها القوانين والأنظمة في نظامنا السياسي.
مثل هذا حدث عندما رفض مدير عام غير مدني تنفيذ طلب رئيس جمهورية، ومثله أيضا عندما تمرد مدير عام على أوامر وزيره، ومثلهما أيضا يحاسب وزير دفاع لأنه تجرأ وكشف حقيقة ما يجري على المعابر الحدودية من تسريب أسلحة وإرهابيين إلى سوريا، فجرى تصويره وكأنه يريد الإيقاع ببلدة لأنها من طائفة أو مذهب معين. من هنا، كان رد الحسن للانحدار بما كشفه الصفدي إلى مستنقع المهاترات السياسية المحقونة بالعصبية المذهبية والفئوية السياسية.
بأي حال، لن تتمكن شطارة الحسن في تخفيف الإصابات الجسيمة التي لحقت بتيار المستقبل ورموزه من الفضيحة المدوية التي فجّرها الوزير الصفدي، بعد أن كشف المستور عن الكيفية التي تم بها ما يسمى إعمار البلد، والأسباب الحقيقية لارتفاع فاتورته الخرافية، والحماية القانونية التي يتحصن بها الفاسدون وناهبو المال العام، ودور وزارة المالية في توفير هذه الحماية أو الحصانة وقطعها الطريق على الملاحقات القانونية ضد المرتكبين والمتجاوزين.
ومع ما قاله الصفدي أخيراً، بات من الحياء، أن يكتفي الرئيس فؤاد السنيورة بلقب السياسي فقط، شأنه شأن الآخرين من أنداده وأمثاله، وأن يتخلى عن لقب رجل الدولة، بعد أن عرف اللبنانيون ما يعنيه هذا اللقب لهم على ضوء ممارساته في وزارة المالية، فرجل الدولة لا يترك أبواب الحسابات المالية مشرعة للزيادة والنقصان وغيرهما من أشكال التلاعب، ولا يمارس صلاحياته ومسؤولياته من فوق القوانين والأنظمة، ولا يبرر المخالفة بمخالفة، ولا يقبل أن تستدرج الدولة إلى ملعب محاصصة المخالفات.
المهم، أن ما قاله الصفدي يبقى ثلاثة أرباع الحقيقة، أما الربع الأخير، فهو أن يقدم على التصحيح ولو اقتضى منه رفع الصوت وضرب اليد على الطاولة، وهذا ما ينتظره منه الرأي العام لتكتمل الحقيقة.
بعد الذي قاله أخيرا لـ"السفير" وزير المالية محمد الصفدي عن حال وزارته الخارجة للتو من قبضة تيار المستقبل التي التفت حول عنقها حوالى العقدين من الزمن، وبعد مراقبة ردود الفعل الطفيفة على ما كشفه من خبايا وفضائح ألقت أضواءً ساطعة على الطريقة التي كان يدار فيها البلد اقتصاديا وماليا وإداريا خلال الحقبة الماضية، يمكن القول إن اللبنانيين هم أكثر سكان الأرض تعايشا وتساكنا مع المخالفات والتجاوزات والفضائح، وإن مسافة شاسعة ما زالت تفصلهم عن مشروع الدولة على الرغم من استخدامهم له كشعار في تمييز اصطفافاتهم السياسية.
لو قيل كلام الصفدي في أي بلد من العالم، لاهتز المجتمع بأسره، وتحركت مؤسسات وأجهزة الرقابة، وانطلقت التحقيقات وانتصبت المحاكمات وفتحت أبواب السجون، وسارع الإعلام إلى تفعيل المحاسبة الشعبية، غير أنه في لبنان لم يحدث أي شيء من هذا القبيل، حتى إن قسما من سياسييه ـ بالتحديد من طاوله كلام الصفدي ـ لم يخجل من استمراره في إسداء النصائح للدولة السورية في إجراء الإصلاح ومحاربة الفساد وبناء دولة المؤسسات والقانون.
لكن الطريف والمستغرب، من بين الردود على الصفدي، كان موقف تيار المستقبل، الذي عبرت عنه وزيرة المالية السابقة ريا الحسن، فهي لم تنفِ كل ما قاله الأول، لجهة الفوضى في وزارة المالية والطريقة المشبوهة التي تدار بها، واتهامه بوجود وزارة رديفة تمسك بزمام الوزارة، إضافة إلى حديثه عن انفتاح حسابات المالية العامة أمام كل أشكال التلاعب والتزوير، فكل هذه الأمور الخطيرة، لم تدفع وزيرة المستقبل لنفيها أو إنكارها أو تبريرها إثباتا ولو بالحد الأدنى لحسن النية، إنما كان همها توبيخ الوزير الحالي لإطلاعه الرأي العام على ما يدور في الوزارة المسؤولة عن لقمتهم وليرتهم، وتسييس ما صارح به الناس ـ علما أن الناس يعرفون ما هو أكثر مما كشفه وزيرهم ـ ليصار بعد التسييس إلى الاحتماء بالمذهبية وبالطائفية، كما هي الطريقة المعتادة في لبنان لتعطيل عملية المساءلة والمحاسبة التي تنص عليها القوانين والأنظمة في نظامنا السياسي.
مثل هذا حدث عندما رفض مدير عام غير مدني تنفيذ طلب رئيس جمهورية، ومثله أيضا عندما تمرد مدير عام على أوامر وزيره، ومثلهما أيضا يحاسب وزير دفاع لأنه تجرأ وكشف حقيقة ما يجري على المعابر الحدودية من تسريب أسلحة وإرهابيين إلى سوريا، فجرى تصويره وكأنه يريد الإيقاع ببلدة لأنها من طائفة أو مذهب معين. من هنا، كان رد الحسن للانحدار بما كشفه الصفدي إلى مستنقع المهاترات السياسية المحقونة بالعصبية المذهبية والفئوية السياسية.
بأي حال، لن تتمكن شطارة الحسن في تخفيف الإصابات الجسيمة التي لحقت بتيار المستقبل ورموزه من الفضيحة المدوية التي فجّرها الوزير الصفدي، بعد أن كشف المستور عن الكيفية التي تم بها ما يسمى إعمار البلد، والأسباب الحقيقية لارتفاع فاتورته الخرافية، والحماية القانونية التي يتحصن بها الفاسدون وناهبو المال العام، ودور وزارة المالية في توفير هذه الحماية أو الحصانة وقطعها الطريق على الملاحقات القانونية ضد المرتكبين والمتجاوزين.
ومع ما قاله الصفدي أخيراً، بات من الحياء، أن يكتفي الرئيس فؤاد السنيورة بلقب السياسي فقط، شأنه شأن الآخرين من أنداده وأمثاله، وأن يتخلى عن لقب رجل الدولة، بعد أن عرف اللبنانيون ما يعنيه هذا اللقب لهم على ضوء ممارساته في وزارة المالية، فرجل الدولة لا يترك أبواب الحسابات المالية مشرعة للزيادة والنقصان وغيرهما من أشكال التلاعب، ولا يمارس صلاحياته ومسؤولياته من فوق القوانين والأنظمة، ولا يبرر المخالفة بمخالفة، ولا يقبل أن تستدرج الدولة إلى ملعب محاصصة المخالفات.
المهم، أن ما قاله الصفدي يبقى ثلاثة أرباع الحقيقة، أما الربع الأخير، فهو أن يقدم على التصحيح ولو اقتضى منه رفع الصوت وضرب اليد على الطاولة، وهذا ما ينتظره منه الرأي العام لتكتمل الحقيقة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018