ارشيف من :أخبار لبنانية
داود أوغلو في بيروت: بين زيارتين.. وسياستين
محمد نور الدين - "السفير"
بين آخر زيارة قام بها وزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو الى لبنان وبين الزيارة الحالية التي تبدأ اليوم، عام كامل، حتى أن تلك الزيارة المشهورة مع وزير الخارجية القطري حمد بن جسم آل ثاني كانت خاطفة وعاصفة.
عام كامل بين تلك الزيارة والزيارة الحالية. أمر غير معتاد في الديبلوماسية التركية ولا سيما تجاه ساحات «العمق الاستراتيجي» التي رسمها داود اوغلو نفسه منذ سنوات عدة.
داود اوغلو نفسه كان قد فاخر قبل أيام بأنه التقى نظيره الإيراني ست مرات خلال اربعة أشهر. طبعاً لبنان ليس إيران لكن لبنان كان تحوّل في السنوات الأخيرة الى إحدى ساحات «تظهير» الدور والنفوذ التركيين. كان الجميع مرحباً بالدور التركي ويكن له الاحترام. كانت الوسطية التركية مركز هذا التقييم الإيجابي.
عندما نشير إلى ان آخر زيارة لداود اوغلو أنها حدثت قبل عام بالتمام فهذا يستدعي التبصر ويستبطن التصدع الذي حدث في هذه العلاقات.
لا يمكن ان نعزو كل شيء الى التوتر في العلاقات التركية مع سوريا. لكن تركيا تدرك ان لكل بلد «مجالاً حيوياً». قبرص مثلا مجال حيوي لتركيا. القوقاز مجال حيوي لروسيا. لبنان مجال حيوي لسوريا. تدرك أنقرة ذلك ولذلك كانت دمشق دائماً هي بوابة تركيا الى بيروت. وليس صدفة ان القوة التركية المشاركة في «اليونيفيل» جاءت الى لبنان عبر سوريا وكل الزيارات التركية الى لبنان كانت تسبق بمشاورات مع القيادة السورية.
لكن مرحلة «التمكين» التركية من النفوذ في لبنان تجاوزت الاعتبارات أعلاه وبدأت تركيا تمارس سياسات تنسجم مع بدء مرحلة التحول الجديدة في السياسة الخارجية التركية تجاه الدول التي تندرج في خانة «محور الممانعة والمقاومة» والاقتراب أكثر من النسائم الغربية التي تحولت لاحقاً الى رياح.
لم يكن التحول التركي في الابتعاد عن سياسة التوازن الإقليمية مرتبطاً فقط بـ«الربيع العربي». كان التحول بدأ سابقاً خصوصاً بعد عدوان اسرائيل على «اسطول الحرية» التركي في طريقه الى غزة والذي حمل رسالة دموية الى تركيا سرعان ما التزمت بها أنقرة، وهي أن السياسات التركية في المنطقة لا يمكن أن تمضي في مسار له حيثية مستقلة نسبياً عن السياسات الغربية.
بعد حادثة «اسطول الحرية» تراجعت السياسات التركية تجاه اسرائيل برغم كل التوتر الذي ظهرت عليه وما تزال.
ظهرت علامات التحول التركي عن سياساتها السابقة في أربع مناسبات توزعت على أربعة بلدان:
المناسبة الأولى، تخلي تركيا عن سياسات الحياد داخل العراق عندما وضعت ثقلها لمنع عودة نوري المالكي الى رئاسة الحكومة وجلال الطالباني الى رئاسة الجمهورية. لم تنجح المحاولة التركية فانكفأت.
المناسبة الثانية، عندما وافقت تركيا في تشرين الثاني 2010 وفي قمة ليشبونة الأطلسية على نشر رادارات الدرع الصاروخي على أراضيها. لا يستطيع احد من المسؤولين الأتراك ان يقنع احداً ان الهدف ليس روسيا وليس ايران. قول داود اوغلو في زيارته الإيرانية الأخيرة ان تركيا لن تكون منطلقاً لعدوان على ايران وأن ايران ليست تهديداً ولا خطراً لا يفيد شيئا ولا يغير أن رادار ملاطية الذي بدأ العمل قبل أسابيع هو جزء حيوي جداً من منظومة تهدف الى ردع ايران وروسيا ولم يخف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ذلك عندما قال إن ايران المستهدفة و«يجب ان نقول للقطة السوداء إنها سوداء»، أي ان نسمي الأمور بأسمائها.
المناسبة الثالثة، كانت تخص لبنان وتمثلت في الزيارة العاصفة أيضاً التي قام بها رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان في نهاية شهر تشرين الثاني 2010 الى لبنان. الطابع الفئوي والذي استبعد حينها حتى حلفاء سعد الحريري مثل الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي من برنامج الزيارة، كان دليلاً واضحاً على رسالتها بالانحياز لتيار سياسي لبناني دون آخر وردّاً إقليمياً على زيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الى لبنان قبل ذلك بشهر.
أما المناسبة الرابعة، فكانت مع سوريا عندما بدأت حركة الاحتجاجات فيها وكان التحوّل الأبرز في سياسات تركيا التقليدية في اتجاه دعم طرف على آخر.
غادرت أنقرة لعبتها وهوايتها المفضلة في الوساطة والمسافة الواحدة من كل الأطراف واشتغلت فقط على مطالبة طرف واحد هو النظام السوري عبر إلقاء الدروس وتحديد المهل، في حين كانت في المقابل لا تطلب شيئاً من المعارضة السورية بل تعمل على تنظيمها ومحاولة توحيدها وصولاً الى ايواء المنشقين عن الجيش السوري واحتضانهم بل تدريبهم وتسليحهم أيضاً والسماح لهم باتخاذ الأراضي السورية منطلقاً للقيام بعمليات داخل سوريا والتي أكدتها وسائل الإعلام الغربية والمؤيدة لتركيا قبل غيرها.
ليس صدفة ان يكون الانسحاب التركي من سياسات تصفير المشكلات مع هذه البلدان بالذات من دون أن تشمل دولاً أخرى. وهو ما ينقل الحديث الى مستوى آخر.
قبل وصوله الى لبنان ادلى داود اوغلو بأحاديث الى الصحافة التركية ومنها صحيفتا «زمان» و«يني شفق» اللتان نشرتا مقتطفات منها على لسان كتّاب بارزين وبين مزدوجين.
اذا نحينا جانباً ما قاله صاحب نظرية العمق الاستراتيجي من أن «الإحياء الشيعي» قد فشل مع الحرب العراقية الإيرانية ووقوف الثورة الإسلامية في ايران موقف المتفرج من مجازر حماه (لم يحدد الوزير ما اذا كان يقصد حماه 1980 او حماه 2011) وان المرحلة الآن هي لـ«الإحياء السني» الذي يريد نشر الديموقراطية، فإن دعوة داود اوغلو الى التغيير في ثلاثة بلدان دون غيرها أي في سوريا والعراق ولبنان واعتبار أنها دول تقاوم التغيير وفيها سلطات سياسية لا تنسجم مع نتائج الانتخابات، فإننا نكون أمام صورة قاطعة على أن السياسات التركية الجديدة مستمرة في انقلابها على ذاتها في علاقاتها كما مع سوريا والعراق (قضية طارق الهاشمي) كذلك مع لبنان وهذا يلقي ظلالاً ثقيلة، على زيارة الوزير التركي الذي كنا نتمنى ألا تسبق مواقفه زيارته الى لبنان... وبالتالي يصح التساؤل عن معنى هذه الزيارة في ظل هذه المواقف المؤججة لنيران ما تزال خامدة الى حد معقول جداً في لبنان.
عندما يدعو وزير الخارجية التركي الى التغيير في لبنان وسوريا والعراق ويحمّل إيران مسؤولية الصدام بين الشيعة والسنة، ويستثني في الوقت نفسه دول الخليج التي وصفها بالغنية ولها ظروف مختلفة، وعندما يكيل المديح لدول الربيع العربي، إنما كان ينطلق من موقف سياسي، لا من ثوابت، يهدف إلى تغيير السلطات السياسية في الدول التي لا تنسجم مع سياسات تركيا الحالية.
إن الدعوة الى التغيير في بلدين شهدا انتخابات ديموقراطية مثل لبنان والعراق، وحماية الواقع القائم في بلدان بأمسّ الحاجة للتغيير هي ازدواجية لم يكن يرغب أحد في ان يقع فيها الوزير التركي الذي يدعو الى تصفير المشكلات مع الشعوب لا مع الأنظمة.
ونفتح هنا قوسين لنقول كذلك إنه ليس من الدبلوماسية في شيء أن يقول رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان قبل أيام في مؤتمر صحافي مع نظيره النروجي إنه أبلغ نائب الرئيس الأميركي جو بايدن كما الرئيس الأميركي باراك اوباما انه «من المفيد أن تبقوا في العراق الى ان تكتمل العملية الديموقراطية. اذ ما ان خرجوا حتى بان مقدار ديموقراطية البنية الموجودة. لأن فهم هؤلاء (العراقيين) للديموقراطية وفهم هؤلاء للنظام البرلماني الديموقراطي او بدء ترجمته واقعياً يحتاج بكل الأحوال إلى سـنوات طويلة».
غادرت تركيا منذ زمن سياسة تصفير المشكلات وانهارت نظرية العمق الاستراتيجي بسرعة غير متوقعة. لكن الأخطر ان تنتقل انقرة من موقع المهدّئ الى موقف الطرف في الصراعات بين البلدان او داخل كل بلد. وهو ما يتطلب حهداً مضاعفاً من المسؤولين اللبنانيين الذين سيلتقون داود اوغلو لكي يبقى لبنان خارج التغيير.. والفتنة التي يُراد له ان يقع فيها.
إن مشكلة تركيا المزمنة ما تزال حتى الآن في هويتها المتحركة التي لم يجد بعد حلاً لها لا العلمانيون ولا العسكر ولا الإسلاميون الجدد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018