ارشيف من :ترجمات ودراسات

العراق في السياق الإستراتيجي الإسرائيلي

العراق في السياق الإستراتيجي الإسرائيلي


كتب محرر الشؤون العبرية

تطورت النظرة الإسرائيلية إلى موقع العراق ودوره في استراتيجية الدولة العبرية، بما يشكله من مكانة في العالم العربي ولموقعه الجغرافي الذي جعله عمقا استراتيجيا للجبهة الشرقية. وخاصة أنه شارك إلى جانب جيوش عربية في حرب العام 1948، ولاحقا في حرب العام 1967 ثم حرب العام 1973..

وهكذا كان العراق في أكثر مراحله التاريخية مصدراً محتملاً للتهديد.. لكنه تحول في الإستراتيجية الإسرائيلية إلى منطقة عازلة وسد منيع أمام الخطر الإيراني، بعد سقوط الشاه وإقامة الجمهورية الإسلامية التي ترفع شعار إزالة إسرائيل من الوجود.

بنظرة إلى الوراء، كان نظام الشاه قبل العام 1979، قوة احتواء للنظام العراقي عبر كبحه أو الحد من أي جموح له باتجاه دول النفط العربية أو الكيان الإسرائيلي، إلا انه بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بات احد أهم القوى الإقليمية التي راهن عليها الغرب وإسرائيل، لمواجهة إيران بهدف إسقاطها، ولاحقا احتوائها.. وشكلت الحرب الإيرانية ـ العراقية التي استمرت نحو 8 سنوات، بالمنظور الإسرائيلي، فرصة لاستنزاف البلدين وإشغالهما ببعضهما عن إسرائيل، استغلتها في العام 1981 لتدمير المفاعل النووي العراقي، من دون أن أي رد عقابي عراقي عملاني.

ثم رأت إسرائيل في انهيار الاتحاد السوفياتي وتدمير البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية للعراق، على يد تحالف دولي ترأسه الولايات المتحدة، التي فرضت سياسة "الاحتواء المزدوج" تجاه كل من إيران والعراق، على انه فرصة، لفرض صيغة تسوية للصراع العربي ـ الإسرائيلي، من خلال المفاوضات التي أطلقتها واشنطن في مؤتمر مدريد، عام 1991، تلبي المطالب والطموحات الإسرائيلية.

في اعقاب تولي جورج بوش، الابن، رئاسة الولايات المتحدة مطلع العام 2001، انتقلت الإدارة الأميركية إلى مرحلة احتلال العراق بما يشكله من ثروات نفطية هائلة ولموقعه الجغرافي تجاه كل من إيران وسوريا ودول النفط في الخليج.. بهدف تجذير وتكريس الهيمنة الاميركية على المنطقة والعالم.. وهو ما انعكس استراتيجيا على إسرائيل.. التي رأت في الاحتلال الأميركي، عام 2003، إنهاءً لإمكانية إعادة تشكل الجبهة الشرقية وتطويقاً وإجهاضاً للجبهة الشمالية..

ما بعد احتلال العراق، بدأت إسرائيل تتعامل مع تقدير مفاده: كما أن اتفاقية كامب ديفيد مكَّنتها لاحقا من حل عدد من فرق الجيش.. بفعل تحييد الجبهة الجنوبية، فإن الاحتلال الأميركي للعراق أعاد من منظور إسرائيلي إنتاج بيئة إقليمية جديدة.. سمتها العامة: لا وجود لجبهة جنوبية، ولا وجود لجبهة شرقية.. وباتت إسرائيل تشعر بأنها لم تعد أمام أخطار إستراتيجية في المدى المتوسط ـ ويمكن لذلك أن يكون على المدى البعيد أيضا ـ الأمر الذي دفعها إلى حل ثلاث فرق عسكرية في العام 2004..

لكن فشل المخطط الأميركي في العراق، وفي المنطقة من خلاله، ثم الانسحاب منه من دون التمكن من فرض نظام سياسي يتبنى سياستها الإقليمية، وتحديدا في مواجهة إيران وسوريا.. بدد الآمال والأحلام الإسرائيلية فيما يتعلق بالجبهة الشرقية، وباتت الدولة العبرية أمام واقع استراتيجي إقليمي جديد، وخاصة أن التوجهات الإقليمية للنظام السياسي العراقي اتضحت معالمها بشكل حاد في الموقف من مخطط إسقاط نظام الرئيس الأسد، وباتت إسرائيل أمام بيئة إستراتيجية مغايرة تنطوي على مسارات تحمل الكثير من المخاطر والتهديدات على المديين المتوسط والبعيد، وهو ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى القول إن أهم حدثين في المنطقة سوف يؤثّران على إسرائيل هما "نتائج الانتخابات في مصر والواقع الجديد الناشئ في العراق"، مشيرا إلى أن ذلك "من شأنه أن يجعل إسرائيل تواجه تحديات مردُّها الشرق بصورة لم نعهدها ولم نتعامل معها منذ 10 سنوات تقريباً".

2012-01-15