ارشيف من :أخبار لبنانية
خلفيات زيارة داود أوغلو إلى لبنان
عبد الحليم سعود-"الثورة" السورية
ينظر العديد من المراقبين والمتابعين لشؤون المنطقة وتقلبات السياسة التركية بكثير من الريبة والشك والقلق للزيارة التي قام بها قبل أيام وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو لبيروت، وخاصة لأنها جاءت في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها المنطقة ومن ضمنها تطورات الأزمة في سورية، وكذلك الوضع في الخليج العربي المتصل بتطورات الملف النووي الايراني، مرورا بالوضع في العراق بعد الانسحاب الأميركي، وصولا للأزمة المباشرة بين إيران وتركيا على خلفية استضافة أنقرة لأجزاء من الدرع الصاروخية الأميركية على أراضيها.
اللقاءات التي أجراها الوزير التركي في دهاليز بيروت السياسية والتي شملت أطرافاً عديدة في الموالاة والمعارضة ، وما رشح عن بعض هذه اللقاءات من رسائل ودلالات يعطي مؤشراً جدياً على أن تركيا تحاول لعب أدوار جديدة خارج حدودها مستفيدة من الفوضى الطارئة والمفتعلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويمكن الجزم أن الوزير التركي الآتي من خلفية عثمانية تذكرنا بحقبة السلطنة البائدة، أراد تبليغ بعض الرسائل الأميركية، وربما استغل حالة الانقسام السياسي في لبنان، وعقد بعض الصفقات مع بعض القوى اللبنانية التي تناصب العداء لسورية لتوظيفهم في الحملة الدولية المسعورة ضدها، ولعل ما رشح عن لقاءات داود أوغلو بكل من رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد والبطرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي يمكن أن يلقي بعض الضوء على مهمة الوزير التركي وأهداف زيارته المفاجئة لبيروت.
فمن حيث الشكل كانت برودة اللقاء بين أوغلو وبري تشي بنوع النقاش والمواضيع التي تم طرحها خلاله، ولاسيما أن المواقف التركية الحادة من الأزمة السورية والتي اختارت الوقوف إلى جانب المعارضة المسلحة في الداخل والجماعات الإرهابية قد سبقته إلى بيروت، ما دفع الرئيس بري بعد يومين من استقبال داود أوغلو في مؤتمر لشخصيات مسيحية وإسلامية للتحذير مما يحاك للمنطقة من مؤامرات لتقسيمها وزرع الفتنة بين مذاهبها وطوائفها داعيا تركيا قبل غيرها للعب دور إيجابي يجنب المنطقة مخاطر المؤامرة التي تتربص بها.
في موازاة ذلك كان للنائب عن حزب الله محمد رعد تصريح بعيد لقائه مع الوزير التركي أكد فيه على ضرورة أن يكون التغيير في البلدان العربية نابعا من إرادة داخلية وليس مفروضا من الخارج ما يعني أن النائب رعد قرأ في كلام الوزير التركي وربما سمع منه رغبة تركية في التدخل بشؤون دول المنطقة بالأصالة وربما بالنيابة عن الإدارة الأميركية.
في المقابل يمكن لمن تابع كلام البطرك الماروني مار بشارة الراعي عن الحياد الايجابي للبنان تجاه ما يجري في المنطقة بعد لقائه أوغلو أن يعتبره بمثابة رد مباشر على الوزير التركي الذي ربما طالب البطرك بزج مسيحيي لبنان في الصراع الذي يستهدف سورية، وهو الذي سبق أن سمع من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خلال زيارته لفرنسا الصيف الماضي شيئا قريبا من هذا الطلب، عندما دعا المسيحيين للابتعاد عن قضايا المنطقة والهجرة إلى أوروبا، وهو ما اعتبر آنذاك تمهيدا لقيام الدولة اليهودية على كامل التراب الفلسطيني مع ما يعنيه ذلك من توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي لجؤوا إليها وإلغاء حق العودة.
وبما أن الوزير التركي كان فجاً وواضحا إلى هذه الدرجة في الطلب من شخصيات لبنانية معروفة بمواقفها الوطنية والقومية المناصرة لسورية، لكي تقف على الحياد حيال ما يجري في سورية من أعمال إرهابية ضد الدولة والمجتمع، فمن المؤكد أنه كان أكثر وضوحاً وصراحة في الطلب من الأطراف اللبنانية الأخرى التي تناصب سورية العداء والتي تسعى جاهدة للانتقام منها لأسباب معروفة، لكي يكونوا على أهبة الاستعداد للعب الدور المرسوم لهم في المؤامرة الكونية ضد سورية، وهذه الأطراف عبرت عن نفسها مرارا وتكرارا وليس سرا أنها تدعم وتمول وترسل المسلحين الإرهابيين إلى سورية، وما زيارة سعد الحريري وبعض شخصيات المعارضة اللبنانية لتركيا خلال الأشهر الماضية سوى محاولة بائسة لاستعادة أدوارهم السابقة في العمالة والتآمر لصالح الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ووكيلتهما الحالية حكومة أردوغان.
إذاً بات في حكم المؤكد أن الحكومة التركية التي انقلبت ضد سياستها القائمة على مبدأ تصفير المشكلات مع دول الجوار، وابتلعت كل وعودها عن إقامة أوثق وشائج القربى مع جوارها الجغرافي، باتت جزءاً أساسياً من المحور الأميركي -الصهيوني الذي يتطلع لتغيير خرائط المنطقة وتعميم الفوضى والخراب فيها، بحيث يسمح لأنقرة بالحصول على بعض المكاسب الصغيرة التي يمكن أن تخلفها الدول الاستعمارية الكبرى، وما الحديث التركي عن حدث كبير تنتظره المنطقة ـ والكلام لداود أوغلو ـ سوى جزء من الهذيان الذي يشغل بال حكومة أردوغان وبعض المرتبطين والتابعين لها، فأي عمل عدائي ضد سورية انطلاقا من تركيا أو شمال لبنان سيقلب الطاولة فوق رؤوس أصحابه، لأن اللعب مع سورية لا يشبه اللعب مع غيرها بعد أن أثبتت التجارب أنها كانت على الدوام رقماً صعباً في المعادلات الدولية والإقليمية يحسب له ألف حساب، وما على هؤلاء الطارئين سوى قراءة التاريخ واستخلاص بعض دروسه وعبره .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018