ارشيف من :ترجمات ودراسات

تفسير الربيع العربي

تفسير الربيع العربي
معهد BROOKINGS/ واشنطن ـ الثلاثاء، 13 كانون الأول، 2011
المحاضرة السنوية الثامنة لرايموند آرون ، عرض أوليفر روي وتوم فريدمان
المشاركون:
المقدمة والإشراف:
مارتن إنديك ( نائب الرئيس والمدير، السياسة الخارجية، معهد BROOKINGS)
المحاور المتميز:
أوليفر روي ( الرئيس في  Mediterranean Studies)
معهد European University
المناقش: توماس ل. فريدمان (محرر في الـ New York Times)


إجراءات
السيد إنديك: سيداتي سادتي مساء الخير. أهلاً بكم في بروكنغز هذا المساء. شكراً لانضمامكم إلينا. أنا مارتن أنديك، مدير برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكنغز، الذي هو جزء من "مركز الولايات المتحدة وأوروبا" ( Center for the U.S. and Europe)، وهذا المركز هو الذي يستضيف هذه المحاضرة واستضاف المحاضرات السبعة السابقة لرايموند آرون والتي أطلقت لأول مرة في العام 2004 عندما تم إنشاء " مركز الولايات المتحدة وأوروبا" خارج ما كان آنذاك البرنامج حول فرنسا في معهد بروكنغز. وقد تمتعنا منذ ذلك الحين وحتى الآن بعلاقة عمل مع فريق عمل " التخطيط السياسي" ( Policy Planning) في وزارة الخارجية الفرنسية وبدعم وزارة الخارجية الفرنسية للعمل الذي نقوم به حول فرنسا. ونحن ممتنون جداً لذلك.
بما أن السلسلة قد تم إطلاقها مع اقتراب الذكرى المئوية لولادة رايموند آرون، فقد يبدو  ذلك سبباً  وجيهاً لنا لتسمية السلسلة من بعده باسمه. إلا أن السبب الحقيقي لتسميتها كذلك هو أنه كان، في الواقع، باحثاً عظيماً، كاتباً وفيلسوفاً عظيماً، وكان مفكراً ومعلقاً بالطبع. وبالتالي فهو يقدم لنا مثالاً هاماً ومثيراً بما يتعلق بسلسلة المحاضرات هذه التي جمعنا بها باحثين، وممارسين، وخبراء فرنسيين وأميركيين متميزين لمعالجة قضايا الساعة الملتهبة التي لفرنسا والولايات المتحدة مصلحة ثابتة فيها.
كان لدينا ثروة من المحاورين المميزين منذ العام 2004، بمن فيهم جاستس ساندرا داي أوكونور، بيار هاسنر، ستانلي هوفمان، إيفيت فادرين، الراحل طوني جودت، تيريز ديبليش، وآخرون كثر. وفي العامين الماضيين، ركزت محاضرة  رايموند على القضايا الاقتصادية، تلك التي سيتذكرها من كان منكم هنا، فرانسوا بورغوينغنون وكمال ديرفس تحدثا عن الأزمة الاقتصادية العالمية.
وبينما تظل الأزمة في صميم المشاكل الحالية التي تواجه المجتمع عبر الأطلنطي، كان العام 2011، مع ذلك، عام تطور عميق آخر أيضاً، وعام تحول تكتوني محتمل في العالم وكان كذلك عام النهضة العربية طبعاً. ولمساعدتنا على تفسير تلك النهضات العربية، يشرفنا جداً أن يكون لدينا محاورون مميزون ومتمكنون جداً الليلة. لتقديم محاضرة رايموند آرون، يسرنا جداً أن نرحب بالبروفسور أوليفر روي.
بالعودة إلى كانون الثاني 2011، كان أوليفر روي أحد أوائل الخبراء الذين ناقشوا الحاجة إلى الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ ودعم التغيير، التغيير الديمقراطي الذي فهم روي أنه سينتشر عبر العالم العربي من تونس. لقد قال إن الثورات العربية تشكل أولى الثورات الأولى ما بعد الأسلمة، لكن الأحداث الأخيرة في انتخابات مصر وتونس تظهر أنها تقود إلى اتجاه مختلف وسنكون بغاية الاهتمام للاستماع إلى الكيفية التي يفسر بها التطورات الأخيرة هناك.
أوليفر روي باحث فرنسي كبير حول الإسلام وسياسات الشرق الأوسط. إنه باحث رفيع في "المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية،" وبروفسور في "مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية". يعمل في " معهد الجامعة الأوروبية" في فلورانس حيث يدير" برنامجه المتوسطي". أصبح أوليفر، الفيلسوف بالتدريب، متخصصاً في أفغانستان، حيث أمضى ردحا ً لا بأس به من الزمن في الثمانينات بالسفر، والقيام بأبحاث ميدانية، بالإضافة إلى تخصصه بإيران. ومن هناك غامر بأن يصبح مختصاً بالإسلام والشرق الأوسط. وهو اليوم أحد الاختصاصيين الكبار في العالم  في تلك المجالات. ومن بين كتبه حول أفغانستان وإيران في الثمانينات والتسعينات كتاب: " فشل الإسلام السياسي: الإسلام المعولم، والجهالة المقدسة عندما يفترق طريقا الدين والثقافة" الذي نشرته دار جامعة كولومبيا العام الماضي.
لقد جمع الخبرة والتخصص الأكاديمي مع العمل الميداني وخبرته كمستشار لمكتب تنسيق الأمم المتحدة في أفغانستان، إضافة إلى ترؤسه بعثة OSCE في طاجكستان، ما جعله في موضع جيد جداً لأن يكون قادراً على التعليق على التطورات الحالية.
بعدما يدلي أوليفر روي بمحاضرته، سيقدم توم فريدمان رداً. بالكاد يكون توم بحاجة للتقديم لهذا الحضور، لكني سأقدمه لأني أشتبه بأنه، مثلي ، يحب ذلك. إنه، بالطبع، كاتب في صحيفة نيويورك تايمز، نال جائزة" بوليتزر" ثلاث مرات. ويحمل، في الواقع،  درجة في الدراسات المتوسطية من جامعة "Brandies" – عندما التقيته للمرة الأولى عندما كنت طالباً هناك – وأمضى فصولاً دراسية في الخارج في الجامعة الأميركية في القاهرة. لذا، عندما عين مراسلاً في بيروت لـ UPI في العام 1987 وأصبح بعدها رئيس مكتب بيروت لصحيفة النيويورك تايمز في العام 1982، فإن ذلك عكس اهتماماً وشغفاً قديماً بكل الأمور الشرق أوسطية.
في العام 1984، تم نقله من بيروت الى القدس، حيث عمل كرئيس مكتب للـ " تايمز" في إسرائيل. وبالطبع، أصبح العنوان " من بيروت الى القدس" هو عنوان كتابه الشهير الحائز على  جائزة البست سيلر. وحصل على جائزة " بوليتزر" في العام 1993 لتقاريره الدولية من لبنان، وفي العام 1988، على التقارير الحرة من إسرائيل. وفاز في العام 2002 بجائزة بوليتزر على تعليقاته في النيويورك تايمز. وتم انتخابه في العام 2005 كعضو في " لجنة جائزة بوليتزر". فهل هذا يعني أنه ليس مسموحاً لك الفوز بالجائزة بعد الآن؟
إضافة الى " من بيروت الى القدس"، كتب عدداً من الكتب الأفضل مبيعاً التي أصبحت أساطير في زمنها: The Lexus and the Olive Tree، The World is Ft، وفي الآونة الأخيرة،  أصدر مع ميشال ماندلبام كتاب Used To Be Us، كتاب مليء بالحنين للوطن بشكل رهيب يدور حول كيفية تراجع أميركا في العالم وما الذي يمكننا القيام به لنعود للمقدمة مرة أخرى.
لذا، ومن دون ضجة أكبر سيداتي سادتي، رحبوا من فضلكم بأوليفر روي لإلقاء المحاضرة الثامنة لريموند آرون.
(تصفيق)
السيد روي: شكراً جزيلاً لكم. شرف كبير لي أن أكون هنا معكم جميعاً. إذن، موضوع اليوم موضوع ساخن جداً بالطبع وهناك الكثير من النقاش حوله والكثير من الجدل. لذا سوف أمضي مباشرة الى الوقائع الهامة.
أولاً، أعتقد بأن ما حصل تحت إسم الربيع العربي أمر لا رجعة فيه. نحن الآن نواجه مرحلة جديدة، وضعاً جديداً. بالطبع، هناك شيء..... ( الكلمة غير مسموعة). كما تعلمون أليس كذلك؟ لأنه بعد ما بدا كثورة، أي الربيع العربي، لدينا في السلطة نخب قديمة في الواقع، نخب سياسية قديمة. لقد كان الإسلاميون على المسرح السياسي لعقود. ولدى كل القادة الحاليين تقريباً عقود من النشاط السياسي فعلاً. لذا فهم لا يمثلون الجيل الجديد الذين برهن عن نفسه في الشوارع قبل عام مضى تقريباً.
لذا يمكننا أن نرى أنه إن كان هناك ثورة، فإن الثوريين ليسوا من هم في السلطة الآن. على العكس، إنهم الناس الأكثر محافظة والأكثر تقليدية حتى. ومهما كانت خلفيتهم السياسية، الجيش أو السياسيون، فإنهم، بمعنى من المعاني، أناس من الماضي. لكن هل يمكنهم افتتاح حقبة جديدة حيث يكون بالإمكان التوفيق ما بين الأسلمة والديمقراطية؟ أعتقد ذلك لأن المجتمعات في الشرق الأوسط قد تغيرت. لدينا تغير اجتماعي، وثقافي، وديني عميق. والنتيجة هي أن القادة الفعليين تقليديون، فعلى سبيل المثال، إن الناس الآخرين الذين تم انتخابهم  من خلال الانتخابات الثلاثة الأولى في تونس يتم إعادة تشكيلهم، كما تعلمون، وإعادة صياغتهم بالمشهد السياسي الجديد. هم لم يساهموا ببناء هذا المشهد السياسي،على الأقل في البداية، كما تعلمون. لقد انضموا إلى الحركة مؤخراً وأحياناً بـ .....(غير مسموع) مختلف، وكان الإخوان المسلمون مترددين، كما تعلمون، بدخول التحرك في البداية لأسباب مختلفة.
لكن عليهم التكيف مع هذا المشهد السياسي الجديد. وعليهم إعادة صياغة المرجعية لمركزية الإسلام في سياق جديد. ما هو السياق الجديد؟ لا يملكون احتكار الإسلام. وسوف أذهب إلى العمق أكثر قليلاً لاحقاً. عليهم بناء ائتلاف سياسي بكثير من المرشحين المحتملين، كما تعلمون. لقد اختاروا، في تونس، بناء ائتلاف سياسي مع قوميين يساريين، إذا كنت أستطيع تصنيف الرئيس الجديد بهذه الطريقة.
عليهم الوفاء بالتعهدات للإخوان المسلمين، الإسلاميين، عليهم الوفاء بقضايا الاقتصاد، والحكم الرشيد، والاستقرار. إنهم تحت المراقبة من قبل الولايات المتحدة، كما تعلمون. هناك تظاهرات،  الشيء نفسه في القاهرة وتونس، لكن في تونس الآخرون يتظاهرون يومياً. ومن بين هؤلاء الناس  هناك ممن صوت لحزب النهضة. ليس المعارضون هم الذين يتظاهرون الآن في تونس. إنهم بالضبط الناس الذين صوتوا لهذا الائتلاف الجديد والذين يريدون الحصول على نتائج. نريد أن يكون هناك تقدم. فالإسلاميون خاضعون لمراقبة جماهيرهم الناخبة، ولن أقول لسيطرتهم. لكنهم أيضاً تحت مراقبة العالم الخارجي. ومفتاح الرموز أمر هام، كما تعلمون. على سبيل المثال، هناك فرق كبير عن الثورة الإسلامية عام 79، فعندما استلم الثوريون السلطة، لم يهتموا ببناء ائتلاف، لقد انخرطوا فوراً في ثورة حقيقية، وحاولوا تصدير الثورة إلى الشرق الأوسط ولم يواجهوا القوى العظمى في ذلك الحين.
ليس هناك من شيء كهذا ا في الربيع العربي والموجة الانتخابية الإسلامية الآن. لقد تم انتخابهم وفق أجندة ديمقراطية وليس وفق أجندة ثورية. بالواقع إن جمهور الناخبين هو جمهور محافظ تماماً. لقد كان هناك ثورة، لكن كما قلت، ثورة من دون ثوريين. فالشباب الذين كانوا في مقدمة الربيع العربي لم يهتموا، ولم يريدوا الدخول في الحياة السياسية مباشرة. لم يسعوا إلى بناء أحزاب سياسية والترويج لنوع ما من أنواع البرامج الجيدة للحكومة. إنهم يريدون فقط البقاء خارج الحكومة، لمراقبة ما تفعله، ولفرض الضغط عليها، إنما لا يريدون الانغماس في الحياة السياسية. إذن، هذا أمر جديد.
لذا أعتقد أن الإسلاميين مقيدون بهذا المشهد السياسي الجديد، بأنهم قد بدأوا يصبحون ديمقراطيين، إنما ليس ليبراليين. إنهم محافظون جداً. لديهم مفهوم للمجتمع هو مفهوم أكثري، الفكرة المتعلقة بالمعايير التي يجب عليهم فرضها، إذا استطاعوا ذلك، رؤاهم حول المجتمع  حتى ولو أنهم كانوا يدركون، كما تدرك البابوية المسيحية في مصر، أن الأقلية ستختبئ، لكن بصفتها أقلية، وهو أمر هام.
لكن كثير من المعارضين، في تونس، على سبيل المثال، وبعض الفئات في البلدان الأخرى أيضاً ليسوا ديمقراطيين، على وجه التحديد. مثلاً، هناك كثير من التونسيين يرفضون الانتخابات في الواقع، إما لزعمهم  أنها كانت مزورة أو لأن الناس متخلفون جداً، متدينون للغاية ليكونوا ديمقراطيين. إذن لدينا هذا الشرط بين الديمقراطية والليبرالية، الذي هو سمة عامة أساسية لهذا التحرك.
لماذا قلت إن الربيع العربي أمر لا رجعة فيه؟ بالنسبة لي هناك ثلاثة تغييرات رئيسة بالعمق في المجتمعات العربية: أولاً، هناك جيل جديد. فالنماذج الديمغرافية قد تغيرت خلال العشرين عاماً الماضية. لقد هبطت نسبة المواليد في كل مكان. فتونس لديها نسبة مواليد أدنى من فرنسا الآن، على سبيل المثال. بالنسبة لجيل الشباب الحالي هو جيل تطور وافر ومتعدد، لكنه الجيل المتعدد الأخير. فهم يتزوجون في سن متأخرة، ينجبون عدداً أقل من الأولاد، هناك  جنس من نوع أفضل في أوساطهم بما يتعلق بالتعليم، وسن الزواج، على سبيل المثال. إنهم أقل ارتباطاً بالعائلات الكبيرة، بالعائلات الممتدة. لديهم عدد أقل من الأطفال عندما ينجبون. إنهم أكثر اتصالاً, وأكثر عالمية وشمولية. غالباً ما يفهمون أو يتحدثون لغات أجنبية. إنهم على اطلاع. وهم لا يتبعون المجتمع الأبوي التقليدي، والثقافة الأبوية بالضبط، لأن البنى الأبوية، على وجه التحديد،هي الآن في حالة هبوط، لم تعد تعمل. إنهم أكثر تعلماً من آبائهم. إنهم أفضل من آبائهم.
إذن، إن الصورة الأبوية التقليدية عن الزعيم لم تعد تعمل بعد اليوم. فهم غير منجذبين للقادة الكاريزميين. إنه جيل السلام، ليس جيل القادة العظام. لذا، فإن نتيجة هذا الأمر – وهذا هو التغيير الثاني- هو أن هناك انهياراَ للثقافة العربية التقليدية – حسناً، كلمة تقليدي كلمة كبيرة – لكنه انهيار للثقافة العربية التقليدية المبنية على الشخصية الكاريزمية أو المبنية على الابن، كما تعلمون. فعادة ما يكون الأبناء أقل كاريزمية من آبائهم. لكن مع ذلك، كما تعلمون، كانت الفكرة أن هناك قائداً شرعياً كبيراً وأنه يفترض بالناس أن يكونوا موحدين، وأن أي نوع من أنواع الإيديولوجية، القومية، الاسلاموية، العروبة، مسألة لا تهم, وأن الديمقراطية هي ديمقراطية خارجية – أكثر من خارجية – هي مؤامرة لتدمير وحدة الشعب العربي.
كل هذا انتهى الآن. كل ذلك انتهى. إنهم يؤمنون بالديمقراطية، وليس بالمصطلح الثقافي للكلمة إنما بشيء موجود في داخلنا جميعاً. هم لا يهتمون باتباع النماذج غير التقليدية، كما تعلمون. هم لا يؤمنون بالمؤامرة الغربية لتقويض القومية العربية. هم لا يكترثون للبروباغندا. هم لا يلتصقون بالايديولجيات التقليدية، سواء أكانت العربية، أم القومية، أم الإسلامية. إنهم أكثر تفرداً بكثير. وبالتالي، إنهم يدعون للكرامة وليس للشرف. أنتم تعلمون، الشرف إشارة جماعية مشتركة، لكن الكرامة حق فردي. يريدون حكماً رشيداً ومواطنة جيدة.
إذن هي ثقافة سياسية جديدة. بالطبع، لم يختبر كل المجتمع هذه التحديات. هؤلاء الشباب هم في أزمة كونهم يشكلون أقلية. ومن الواضح أنه عندما تأتي الانتخابات فإن هناك نوعاً ما من الارتدادة المحافظة من أكثرية السكان لأن الناس خائفون من المضي بعيداً جداً في التغيير، خائفون من عدم الاستقرار، خائفون، كما تعلمون، من فقدان السواح، من رؤية الاقتصاد مضطرباً وربما مدمراً. لكن هذا الجيل الجديد، بحكم التعريف كما تعلمون، سيكون له تأثير أكبر وأكبر على المجتمع خلال العقود المقبلة. إذن هم شعب المستقبل. وأفكارهم تتخلل المجتمع كله الآن.
هناك عامل آخر هام جداً. عامل التغيير الثالث، ويتعلق بالدين. وهذا، باعتقادي، سوء الفهم الرئيس حول الربيع العربي، سوء الفهم الرئيس كما هو الحال دائماً. أقول لقد كانت هناك فرضية خاطئة لعقود عن دمقرطة المجتمعات الإسلامية. إذ كانت الفرضية تقول بأن أية دمقرطة في مجتمع إسلامي ستكون مسبوقة إما بموجة من العلمنة وإما بنوع ما من الإصلاح الديني، من دون إصلاح أو إعادة صياغة الإسلام، من دون العلمانية، الديمقراطية غير ممكنة. والنتيجة كانت بسيطة جداً. لأن كل المؤشرات أكدت على أن الدين كان يضمحل في الواقع – هذا نعلمه جميعاً ـ لكن الدين كان مرئياً وواضحاً أكثر فأكثر خلال الأربعين عاماً الماضية في الشرق الأوسط ومتفشياً أكثر  فأكثر بين الناس. ومن ثم النتيجة كانت أن الشروط غير مجتمعة لتكون هناك دمقرطة للمجتمعات الإسلامية.
وهذا خطأ كبير لأسباب مختلفة. فالقضية ليست قضية دين، القضية ليست لاهوتية. لدينا في المسيحية نفس اللاهوت والدين مدة 20 قرنا والكثير من السلوان السياسي للدين. ليس هناك رابط بين الإصلاح اللاهوتي الديني والإصلاح السياسي ما عدا بعد 200 عاماً بما يتعلق بالعلماء السياسيين. حسناً، نحاول أن نجد بعض الروابط  الموجودة بين إصلاح الفضفاض والدمقرطة في أوروبا. لكن، كما تعلمون، لم يكن مارتن لوثر ليبرالياً ولم يكن حتى ديمقراطياً أو مهتماً بالديمقراطية.
إذن القضية لا تتعلق بالحصول أولاً على الإصلاح السياسي، وإعادة صياغة الدين، ليكون لدينا عملية دمقرطة. القضية لا تتعلق بالدين؛ إنها تتعلق بالتقوى. وأقصد بالتقوى، الطريقة التي يختبر بها الناس علاقتهم بالدين. الطريقة التي يختبرون بها إيمانهم. لقد لاحظت خلال العقدين الماضيين، مع مراقبين آخرين، تحولاً بمسألة التقوى بالضبط. لكن ذلك لا يعني ليبرالية وإنما يعني فردية وتنويعاً في الحقل الديني. فالتشديد هو على المعتقد الفردي، الإيمان الفردي، والتشديد أيضاً على إمكانية الاختيار. فالظاهرة المولودة مجدداً هي أيضاً ظاهرة إسلامية أيضاً. وعندما نتحدث عن المولود مجدداً، فإن ذلك يكون دائماً عن شخص ما يعكس التقاليد، شخص لا يعتبر الدين شيئاً تقليدياً، شيئاً موروثاً عن والديه، أو والديها. إنه يعتقد، أو تعتقد، بأن الدين شيء ينبغي، بالضبط، حفظه من التقاليد، الثقافة، ومن الخمول.
وقد حاول هؤلاء الناشطون الدينيون الجدد، سواء للأحسن أم للأسوأ، إعادة بناء أول المجتمعات من خارج إطار القرابة التقليدية، أي الروابط الاجتماعية التقليدية. لذا، فإن ما يبدو كأصولية هو، في الواقع، نوع من تحول التقوى، نوع من فردية التقوى. وهذا الأمر يتزامن مع مطلب المواطنة. هذا يتزامن مع الفكرة القائلة أنه في صميم المجتمع، القضية هي قضية حرية الفرد، حتى لو كان يمكن القيام بها من المفهوم الأصولي للدين.
النتيجة هي أن الحقل الديني أصبح أكثر تنوعاً واستقلالية بكثير. وبهذا أعني أن السلطات الدينية التقليدية في كل مكان قد فقدت مصداقيتها – سواء الأزهر أم مفتي الدولة في كل مكان. لقد رأينا زيادة مفاجئة في المفسرين الدينيين الأفراد، الواعظين على شاشات التلفزيون، من أئمة محليين من ذوي الأتباع المحليين القليلي العدد. لقد رأينا عدداً من من الشباب يبتكرون نوعاً خاصاً بهم من التقوى، كحركة سلفية، ينظر إليها كحركة يمينية محافظة جداً، وهو صحيح كما تعلمون، كما أنه نتاج فردية الدين، هذه الإزالة لحد الدين. وأنا أصر على ذلك.
الأصولية ليست عودة إلى الدين التقليدي إذ يمكنه المضي بتحول للتقوى على أساس فردي. وهذه الفردية التي هي شائعة موجودة بين التحول الديني ومطلب الديمقراطية. لكن، بالطبع، هناك علاقات توتر وسيظل الأمر كذلك.
سأشدد هنا على الوضع الحالي للإسلاميين. الإسلاميون الآن هم في المشهد السياسي التعددي وهم يتقبلون هذه التعددية. إنهم يقبلون الانتخابات. إنهم يقبلون مبدأ الدستور. لكنهم لا يستطيعون التخلي عن فكرة وجوب أن يكون للإسلام مركزية. لا يمكنهم التخلي عن هذه الفكرة. لا يمكنهم أن يصبحوا علمانيين. لا. فإذا ما أصبحوا علمانيين، فسوف يختفون. لذا الموضوع بالنسبة لهم هو كيفية إعادة صياغة مركزية الإسلام في نطاق سياسي ديمقراطي واقعي أكثر فأكثر.
والجدل الدائر هو حول ذلك، كما تعلمون. الجدل متوتر تماماً لأسباب وجيهة. ففي مصر، تحديداً، كان الإخوان المسلمون تحت ضغط السلفيين، والسلفيون لا يعيرون اهتماماً للديمقراطية. لا يهتمون بالانتخابات. لا يهتمون بالدستور. حسناً، إنهم يفكرون فقط بوجوب أن تكون لديهم الشريعة كأساس لأرضية الدولة وبأن كل شيء سيكون جيداً. أما المشكلة بالنسبة للإخوان المسلمين فتكمن، كما تعلمون، في كيفية معارضة رؤية بسيطة وساذجة كهذه من دون اعتبارهم خونة، من حيث التخلي عن مزاعم مركزية الإسلام في المجال السياسي.
إذن ما نشاهده هو مسعى لإعادة صياغة الإسلام، لإعادة تشكيل الإسلام، ويمكنني القول.... (غير مسموع) في المجال السياسي. على سبيل المثال، كما تعلمون، ماذا نفعل بالإسلام كدستور؟ هناك إجماع عام ، ما عدا ما يتعلق بالعلمانيين، العلمانيين الأقوياء، العلمانيين الراديكاليين، هناك إجماع عام: الإسلام جزء لا يتجزأ من حالة الحياة السياسية للمجتمع. إذن، كيف يمكننا جعل ذلك مقبولاً لدى الناس غير المؤمنين بالضرورة؟ إذن لدينا هنا هوية مفهوم مركزي. إذا استمعتم إلى راشد الغنوشي، القائد الإسلامي في تونس، فإنه يتكلم دوماً عن الهوية. الإسلام هو هويتنا الوطنية، بنفس الطريقة التي تُعتبر الكاثوليكية هوية وطنية في إيطاليا. إنها مسألة هوية لذا فإنها غامضة جداً، رمزية جداً. إنها لا تحتم الشريعة بالضرورة ويقول الغنوشي إنها لا تحتم تنفيذ الشريعة. إنها مرجعية.
 ويقاسمه هذه الفكرة الرئيس المنتخب مؤخراً، منصف المرزوقي، الذي لم يكن إسلامياً أبداً بالإضافة إلى اليساريين، والقوميين، الذين كانوا، لسنوات أيضاً، يدعمون تلك الفكرة.  نعم، هناك هوية. أعتقد من المثير للإهتمام أن نرى هذا النقاش حول الهوية موجوداً في جانبي البحر المتوسط. ما هي الهوية الأوروبية؟ ما هو دور الدين في الهوية الأوروبية، وتحديداً في بلدان كإيطاليا، ألمانيا، وهكذا؟ إذن لدينا تأثير انعكاس المرآة هنا.
الطريقة الثانية للحفاظ على بعض المركزية، إعطاء بعض المركزية للإسلام من دون إنشاء دولة إسلامية، هي بإعادة صياغة المفاهيم، المفاهيم الإسلامية ضمن قيم محافظة شاملة. وهذا هو تماماً ما يحدث الآن حول قضايا مثل الكحول، على سبيل المثال. هل ينبغي لنا حظر الكحول؟ إنه السؤال الأول الذي كان الصحافيون الفرنسيون معتادين على طرحه على الغنوشي والإخوان المسلمين. والجواب مثير جداً. ليس له علاقة بالشريعة أو ذكر لها. فالمدخل والمرجعية هي الصحة العامة، والمقترحات التي يمكن أن تكون منسجمة جداً ومتطابقة مع ما هو موجود في الولايات المتحدة مثلاً. إن حظر شرب الكحول العلني في الولايات المتحدة، رفع سن الأشخاص الذين يريدون شراء الكحول، على سبيل المثال، زيادة الرسوم، وهكذ، يجعل من قضية الكحول قضية تتعدى الشريعة، لتكون قضية نظام عام، صحة عامة، وآداب. نفس الطريقة بالنسبة لـ.... (غير مسموع)، على سبيل المثال قضية الأمهات العازبات التي هي محل جدل الآن في تونس. باعتقادي هذه قضية قضائية، تم تجاهلها لسنوات من قبل الحكومات بسبب العار..... (غير مسموع؛ إنخفاض الصوت) في شمال أفريقيا ولأنها قضية كبيرة. لذا، وبدلاً من القول آه، إنها مشكلة خطيئة – هؤلاء النساء آثمات – لا، ستكون هذه قضية اجتماعية ينبغي التعامل معها من قبل الدولة، وهكذا.
إن القضية، بحكم التعريف، هي قضية كبيرة – بالطبع، كثير من هذه القضايا المؤلفة من نساء هي قضايا كبيرة. ويقول الغنوشي وحزبه بأنهم لن يمسوا وضع العائلة في تونس. لكنهم يدفعون بمفاهيم كالآداب أو كيفية محاربة المضايقات الجنسية، على سبيل المثال، للدفع أكثر باتجاه الفصل بين الجنسين من دون المساواة، على سبيل المثال، للتعويض عن المواقف اللا أخلاقية لكن هذا الأمر سيكون هو نفسه بالنسبة للرجال والنساء. وهكذا سيكون لدينا هذا التحديث المحافظ للحياة العامة، المعبر عنه بمصطلحات غير مصطلحات الشريعة وإنما بمصطلحات القيم الأخلاقية الشاملة، كما هو الحال في تركيا. وأعتقد بأنهم سيسلكون طريق تركيا، تحديداً، بهذه الأمور. النموذج، طبعاً، فنجان من الشاي في تركيا.
لكن بحكم التعر
2012-01-19