ارشيف من :أخبار لبنانية
هل ستتأثر «اليونيفيل» بارتدادات الزلزال المالي الأوروبي؟
نبيل هيثم ـ صحيفة "السفير"
هل تبلغ ارتدادات الأزمة الاقتصادية والمالية التي تضرب العالم، وخاصة أوروبا، حدود لبنان الجنوبية وتطال قوات «اليونيفيل» وجودا وعددا ودورا وفعالية؟
يتعاطى قطب سياسي مع احتمال كهذا بجدية، خاصة ان الزلزال الاقتصادي والمالي يضرب كل دول القارة الاوروبية تقريبا، وعلى نحو قد يجد العالم نفسه في المدى المنظور أمام «قارة عجوز» لا حول لها ولا قوة، على أن مركز هذا الزلزال ضرب مثلث فرنسا وايطاليا واسبانيا، وهي الدول الأبرز حضورا لا بل تشكل العصب الاساسي لقوات «اليونيفيل» العاملة في الجنوب اللبناني. وبديهي هنا، كما يقول قطب سياسي، ان تبادر تلك الدول وغيرها من الدول الاوروبية الواقعة على خط الزلزال، الى اتخاذ تدابير وقائية للتخفيف من وطأة الازمة ومن أعبائها على اقتصادها، كأن تبادر دول «اليونيفيل» مثلا أو بعض تلك الدول، الى سحب جنودها من الجنوب اللبناني، أو الى خفض حجم مشاركتها.
ويكشف القطب السياسي معطيات مفادها أن بعض الشخصيات اللبنانية التي زارت باريس في الآونة الاخيرة عادت بانطباعات تفيد عن وجود «مراجعة جدية لجدوى بقاء قوات فرنسية خارج الحدود الفرنسية، سواء في لبنان أو غيره، وذلك ربطا بالازمة التي بدأت تضرب الاقتصاد الفرنسي والتي تحمل السلطات الفرنسية على ولوج كل الابواب للتخفيف من ثقلها». وفي هذا السياق، تلقى مسؤول لبناني كبير رسالة تضمنت الآتي: تتوجه فرنسا الى سحب «Quelques centaines de soldats»، أي بضع مئات من الجنود.
يتقاطع ذلك مع ما كشفه بعض الزوار الفرنسيين أمام بعض السياسيين اللبنانيين، في بيروت، حيث قالوا إن فرنسا في ظل تفاقم الازمة الاقتصادية قادمة على انتخابات برلمانية ورئاسية، وأياً كان الفائز في هذا السباق أو ذاك، فإن التوجه الفرنسي العام هو «لسحب الجنود الفرنسيين من لبنان»... وعندما قيل لصاحب هذا الكلام: «إن هذا قرار كبير وخطير»، أجاب: «نحن نعلم ذلك، لكن الأزمة المالية كبيرة جدا».
يؤكد أحد قدامى الدبلوماسيين في الخارجية اللبنانية أن حركة المطالبة الفرنسية بسحب الجنود من لبنان ليست جديدة، بل ان كثيرا من الأصوات تعالت في فترات سابقة ودعت السلطات الفرنسية الى سحب هذه القوات من لبنان، وصولا الى التلويح الأخير وقبل فترة غير بعيدة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بسحب الجنود الفرنسيين من «اليونيفيل»، متذرعا بتعرض وحدة من القوات الفرنسية لعبوة ناسفة. وفي رأي الدبلوماسي المذكور أن هذا التلويح جدي هذه المرّة أكثر من أي وقت مضى، فظاهره أمني وحرص على سلامة الجنود الفرنسيين، أما جوهره الحقيقي فاقتصادي مرتبط بالازمة المالية التي تمر بها فرنسا وغيرها من الدول الاوروبية.
لكن حتى لو كانت فرنسا راغبة بسحب جنودها من لبنان، كما يقول الدبلوماسي المذكور، قد لا تكون قادرة على تنفيذ تلك الرغبة لأسباب متعددة، ومنها:
اولا، ان مبادرة فرنسا الى سحب جنودها معناه تعطيل «اليونيفيل»، وتوجيه ضربة كبرى للقرار 1701 ومفاعيله. ففرنسا تشكل العمود الفقري لقوات «اليونيفيل»، ومجرّد سحب جنودها معناه إفقاد «اليونيفيل» فعاليتها وجعلها غير قادرة على الاستمرار في دورها المطلوب منها بموجب القرار 1701. وحتى خفض عدد الجنود يحوّل «اليونيفيل» من قوة فاعلة الى قوة رمزية، يصبح وجودها مثل عدمه.
ثانيا، ان فرنسا دولة عضو دائم في مجلس الامن الدولي، ومجرّد أن تفكر بسحب قواتها، فكأنها بذلك تطلق لعبة «دومينو»، أي انها ستشجع حتما الدول الاوروبية الاخرى كإيطاليا واسبانيا على أن تحذو حذوها، هذا إن لم تسبقها في الانسحاب للتخفيف من الاعباء، خاصة أن الازمة الاقتصادية في تلك الدول تتجاوز بأبعادها الازمة الاقتصادية في فرنسا.
ثالثا، ان انسحاب فرنسا من دورها في «اليونيفيل»، معناه الانسحاب من دورها في لبنان، ومن علاقتها التاريخية مع هذا البلد، ومعناه ايضا الاستقالة من موقع «الأم الحنون» الذي لطالما شكلته بالنسبة الى قسم كبير من اللبنانيين.
رابعا، إن قوات «اليونيفيل» تشكل عامل استقرار في الجنوب وعلى الحدود مع فلسطين المحتلة، وكما ان هذا الاستقرار مطلب للبنان وللمقاومة ضمنا، فهو مطلب لإسرائيل وحلفائها الغربيين الاميركيين والاوروبيين ومن بينهم فرنسا. وكما يؤثر الانسحاب على لبنان، يؤثر ايضا على اسرائيل، ومن هنا تبرز المصلحة الاسرائيلية فوق أي اعتبار اقتصادي أو أمني متصل بحماية أرواح الجنود الفرنسيين. وحتى لو قررت فرنسا الانسحاب وأصرت على ذلك، فإن أول من سيسعى الى إقناعها بالعدول عنه أميركا واسرائيل. فضلا عن ان الاوروبيين وكما تؤكد المجريات التاريخية لا يستطيعون ان يذهبوا الى قرار من هذا النوع بمعزل عن الاميركيين، وبالتالي لا يستطيعون «ضرب» مشروع دولي كبير مرتبط بالقرار 1701 وبالمصلحة الاسرائيلية، بقرار له أبعاد مالية.
خامسا، ثمة حالة وحيدة يكون معها انسحاب أي دولة من «اليونيفيل» إجراءً عاديا بلا أية تداعيات، تتلخص في ما أعلنه الرئيس نجيب ميقاتي قبل أيام من ان مهمة القوات الدولية العاملة في الجنوب تكون منجزة حينما يتسلم الجيش اللبناني المسؤوليات للحفاظ على الامن، ولتسليم الجيش هذه المهمة، ينبغي أن يمد بعناصر القوة والتسليح، وهذا ما لم يسمح به الاميركيون حتى الآن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018