ارشيف من :ترجمات ودراسات
مستقبل مصر من منظور إسرائيلي: من اللايقين.. إلى ترجيح الاخطار
كتب محرر الشؤون العبرية
بقدر ما كانت آمال الشعوب العربية معقودة على مصر، التي شكلت الثقل العربي الاستراتيجي في حركة الصراع مع "إسرائيل" خلال العقود الثلاثة الأولى من تاريخها، بقدر ما شكلت اتفاقية كامب دايفيد، في حينه، تبديدا لآمالها وتغييراً في التوازن الاستراتيجي الإقليمي في مواجهة دول الطوق العربي، خاصة وأن الكيان العبري لم ينتظر طويلا حتى بادر إلى توظيف وتثمير ذلك في الداخل والخارج الإسرائيلي.
على مستوى الداخل، أوجز اللواء احتياط "غيورا ايلاند"، الذي تولى في السابق مناصب هامة منها رئاسة شعبة التخطيط وشعبة العمليات في الجيش، ولاحقاً رئاسة مجلس الامن القومي، بالقول "منذ التوقيع على اتفاقية كامب دايفيد، (ولمزيد من الدقة منذ 1985)، انخفض عديد قوات الجيش الإسرائيلي، خصوصا في البر. هذا التخفيض في الكمية، بموازاة تحسين نوعية عديد القوات، سمح لـ"إسرائيل" بالحفاظ على موازنة أمنية ثابتة تقريباً، بمصطلحات واقعية. ولأن الناتج القومي زاد، فقد خفّت العلاقة بين الموازنة الأمنية والناتج القومي الصافي تدريجيا ـ من 30% في العام 1974 إلى حوالي 7% في العام 2011".
أما في الخارج، تمكَّن الكيان الصهيوني، بعد ضمان تحييد جبهة مصر واستقرار نظامها، من شن الحروب والتوسع باتجاه الشمال: اجتياح العام 1982، وحرب العام 2006، وما بين هذين التاريخين من اعتداءات في لبنان والمنطقة.. اضافة إلى تنفيذ اعتداءات واسعة وبعيدة.. مثل اقدام العدو الصهيوني على تدمير المفاعل النووي العراقي في العام 1981، التي كان لموقف مصر وضمان عدم إقدامها على أي خطوة عملانية في مواجهة العدو الاسرائيلي، مكانته وموقعه في الحسابات الإسرائيلية..
أيضا، كان لاتفاقية كامب دايفيد أثار مباشرة وقاسية على الساحة الفلسطينية إذ تمكنت "إسرائيل" بفعل كامب دايفيد وتحييد مصر من جبهة المواجهة، من شن اعتداءاتها في الضفة الغربية وعلى قطاع غزة.. وممارسة سياسة استيطانية توسعية في الضفة والقدس، بهدف تهويد هذه المناطق.. أضافة إلى فرض صيغة تسوية على الفلسطينيين تمثلت باتفاقية "أوسلوا" وما تبعها من اتفاقات مُذلة أخرى.. وسياسة التسويف والمماطلة التي تتبعها فيما يسمى بقضايا الوضع النهائي العالقة بين السلطة و"الكيان الغاصب" (القدس، اللاجئين، الحدود، الترتيبات الأمنية، المياه).
في المقابل، بقدر ما شكَّلت اتفاقية كامب دايفيد ركيزة إستراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي، بقدر ما أقلق سقوط الرئيس المصري حسني مبارك، الكيان الصهيوني، وفرض عليها أسئلة ملحة عبَّر عنها ايلاند ايضا، بالقول: "هل التغيير الذي حصل في مصر، في شباط 2011.. يتطلب تغيير فرضية العمل بالنسبة لهذه الدولة، وإن كان هذا صحيحاً، فإلى أي مدى"، مضيفا أنه "ينبغي الافتراض بأنّ الحلول في كل ما يتعلق بتعزيز الحدود مع مصر والحاجة لإعطاء اهتمام استخباري أوسع لها سيكون سهلا نسبيا. أما المعالجة المرتبطة بتأثير التغييرات في مصر على عديد القوات (في البحر، في الجو وفي البر)، وخصوصا على مستويات مخازن طوارئ الجيش الإسرائيلي، قد تكون أكثر صعوبة".
بموازاة ذلك، شكَّل فشل المجلس العسكري في إحكام السيطرة على النظام السياسي، بعد رحيل حسني مبارك، وإجراء انتخابات عامة تمكن الإسلاميون من تحقيق أغلبية فيها، حداً فاصلاً بالنسبة للتقديرات الإسرائيلية إزاء مستقبل الوضع على الجبهة الجنوبية.. وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية فقد أوصت شعبة التخطيط في الجيش بالتعامل مع فوز الإسلاميين بوصفه "خط القطع" الذي يجب على الجيش عنده البدء بالعمل على إطلاق إجراءات بعيدة المدى، مثل تأسيس وحدات برية وأسراب جوية. وبالفعل، في أعقاب فوز "الإخوان"، عمد الجيش، وفقاً للصحيفة نفسها، إلى وضع خطط قيد الدرس تتعلق بإعادة تأسيس وحدات عسكرية كان الجيش قد فككها قبل سبع سنوات.
ولفتت الصحيفة إلى أن دوائر الجيش تشهد ارتفاعاً في مستوى النقاش بشأن تحديد "نقطة التحول" في الوضع المصري، بحيث ستكون هناك "حاجة إلى الشروع في إنشاء تشكيلات عسكرية ووضع برامج جديدة لمواجهة هذا التهديد". مضيفة أن التقدير الراهن في الجيش هو أن مصر ستحافظ على معاهدة "السلام مع إسرائيل" خلال السنوات المقبلة نظراً لحاجتها إلى المساعدات العسكرية والمالية الأميركية، "وحتى عندما تدفع التحولات داخلها باتجاه معاداة "إسرائيل"، فإنها ستحتاج إلى وقت لتمثّل تهديداً مثلما فعلت في الأيام التي سبقت حرب يوم الغفران عام 1973". ونتيجة ذلك، قرر رئيس الأركان، "بيني غانتس"، بعد فترة قصيرة من توليه منصبه في شباط/ فبراير الماضي، انتهاج مقاربة متحفظة حيال مصر، ولم يوصِ بتطبيق خطة فورية تهدف إلى تأسيس وحدات عسكرية جديدة. إلا أنه رغم ذلك، يرى الجيش أنه ينبغي الاستعداد مسبقاً لاحتمال حصول تحوّل في الوجهة المصرية الاستراتيجية؛ "لأن بناء تشكيلات عسكرية جديدة يستغرق سنوات، لذلك ثمة حاجة إلى بدء العمل عاجلاً، لا آجلاً".
وعليه، يمكن تلخيص المشهد المصري من منظور إسرائيلي، بالقول أن تل أبيب تجاوزت توصيف مرحلة اللايقين، إزاء الجبهة الجنوبية، بعد فوز وسيطرة التيارات الإسلامية على الواقع السياسي في مصر، لصالح ترجيح تقديرات مغايرة تجاه مسار تبلور التهديدات والفرص على الجبهة الجنوبية، حتى لو لم تكن وشيكة. إذ بات الكيان الإسرائيلي بالحد الادنى مضطر إلى أن يأخذ بالاعتبار مسار التطورات الداخلية في الساحة المصرية، سواء في سياساته الأمنية تجاه قطاع غزة، أو فيما يتعلق ببلورة إستراتيجية عسكرية أمنية جديدة بعيدة المدى. هذا مع التأكيد على أن الرهان الإسرائيلي الآن يتمحور حول مفاعيل القيود الاقتصادية والسياسية الداخلية والدولية المحيطة بمصر، على مواقف واستراتيجيات القوى التي ستمسك بالقرار السياسي في القاهرة.
بقدر ما كانت آمال الشعوب العربية معقودة على مصر، التي شكلت الثقل العربي الاستراتيجي في حركة الصراع مع "إسرائيل" خلال العقود الثلاثة الأولى من تاريخها، بقدر ما شكلت اتفاقية كامب دايفيد، في حينه، تبديدا لآمالها وتغييراً في التوازن الاستراتيجي الإقليمي في مواجهة دول الطوق العربي، خاصة وأن الكيان العبري لم ينتظر طويلا حتى بادر إلى توظيف وتثمير ذلك في الداخل والخارج الإسرائيلي.
| بقدر ما شكَّلت اتفاقية كامب دايفيد ركيزة إستراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي، بقدر ما أقلق سقوط الرئيس المصري حسني مبارك، الكيان الصهيوني |
أما في الخارج، تمكَّن الكيان الصهيوني، بعد ضمان تحييد جبهة مصر واستقرار نظامها، من شن الحروب والتوسع باتجاه الشمال: اجتياح العام 1982، وحرب العام 2006، وما بين هذين التاريخين من اعتداءات في لبنان والمنطقة.. اضافة إلى تنفيذ اعتداءات واسعة وبعيدة.. مثل اقدام العدو الصهيوني على تدمير المفاعل النووي العراقي في العام 1981، التي كان لموقف مصر وضمان عدم إقدامها على أي خطوة عملانية في مواجهة العدو الاسرائيلي، مكانته وموقعه في الحسابات الإسرائيلية..
أيضا، كان لاتفاقية كامب دايفيد أثار مباشرة وقاسية على الساحة الفلسطينية إذ تمكنت "إسرائيل" بفعل كامب دايفيد وتحييد مصر من جبهة المواجهة، من شن اعتداءاتها في الضفة الغربية وعلى قطاع غزة.. وممارسة سياسة استيطانية توسعية في الضفة والقدس، بهدف تهويد هذه المناطق.. أضافة إلى فرض صيغة تسوية على الفلسطينيين تمثلت باتفاقية "أوسلوا" وما تبعها من اتفاقات مُذلة أخرى.. وسياسة التسويف والمماطلة التي تتبعها فيما يسمى بقضايا الوضع النهائي العالقة بين السلطة و"الكيان الغاصب" (القدس، اللاجئين، الحدود، الترتيبات الأمنية، المياه).
في المقابل، بقدر ما شكَّلت اتفاقية كامب دايفيد ركيزة إستراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي، بقدر ما أقلق سقوط الرئيس المصري حسني مبارك، الكيان الصهيوني، وفرض عليها أسئلة ملحة عبَّر عنها ايلاند ايضا، بالقول: "هل التغيير الذي حصل في مصر، في شباط 2011.. يتطلب تغيير فرضية العمل بالنسبة لهذه الدولة، وإن كان هذا صحيحاً، فإلى أي مدى"، مضيفا أنه "ينبغي الافتراض بأنّ الحلول في كل ما يتعلق بتعزيز الحدود مع مصر والحاجة لإعطاء اهتمام استخباري أوسع لها سيكون سهلا نسبيا. أما المعالجة المرتبطة بتأثير التغييرات في مصر على عديد القوات (في البحر، في الجو وفي البر)، وخصوصا على مستويات مخازن طوارئ الجيش الإسرائيلي، قد تكون أكثر صعوبة".بموازاة ذلك، شكَّل فشل المجلس العسكري في إحكام السيطرة على النظام السياسي، بعد رحيل حسني مبارك، وإجراء انتخابات عامة تمكن الإسلاميون من تحقيق أغلبية فيها، حداً فاصلاً بالنسبة للتقديرات الإسرائيلية إزاء مستقبل الوضع على الجبهة الجنوبية.. وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية فقد أوصت شعبة التخطيط في الجيش بالتعامل مع فوز الإسلاميين بوصفه "خط القطع" الذي يجب على الجيش عنده البدء بالعمل على إطلاق إجراءات بعيدة المدى، مثل تأسيس وحدات برية وأسراب جوية. وبالفعل، في أعقاب فوز "الإخوان"، عمد الجيش، وفقاً للصحيفة نفسها، إلى وضع خطط قيد الدرس تتعلق بإعادة تأسيس وحدات عسكرية كان الجيش قد فككها قبل سبع سنوات.
ولفتت الصحيفة إلى أن دوائر الجيش تشهد ارتفاعاً في مستوى النقاش بشأن تحديد "نقطة التحول" في الوضع المصري، بحيث ستكون هناك "حاجة إلى الشروع في إنشاء تشكيلات عسكرية ووضع برامج جديدة لمواجهة هذا التهديد". مضيفة أن التقدير الراهن في الجيش هو أن مصر ستحافظ على معاهدة "السلام مع إسرائيل" خلال السنوات المقبلة نظراً لحاجتها إلى المساعدات العسكرية والمالية الأميركية، "وحتى عندما تدفع التحولات داخلها باتجاه معاداة "إسرائيل"، فإنها ستحتاج إلى وقت لتمثّل تهديداً مثلما فعلت في الأيام التي سبقت حرب يوم الغفران عام 1973". ونتيجة ذلك، قرر رئيس الأركان، "بيني غانتس"، بعد فترة قصيرة من توليه منصبه في شباط/ فبراير الماضي، انتهاج مقاربة متحفظة حيال مصر، ولم يوصِ بتطبيق خطة فورية تهدف إلى تأسيس وحدات عسكرية جديدة. إلا أنه رغم ذلك، يرى الجيش أنه ينبغي الاستعداد مسبقاً لاحتمال حصول تحوّل في الوجهة المصرية الاستراتيجية؛ "لأن بناء تشكيلات عسكرية جديدة يستغرق سنوات، لذلك ثمة حاجة إلى بدء العمل عاجلاً، لا آجلاً".
وعليه، يمكن تلخيص المشهد المصري من منظور إسرائيلي، بالقول أن تل أبيب تجاوزت توصيف مرحلة اللايقين، إزاء الجبهة الجنوبية، بعد فوز وسيطرة التيارات الإسلامية على الواقع السياسي في مصر، لصالح ترجيح تقديرات مغايرة تجاه مسار تبلور التهديدات والفرص على الجبهة الجنوبية، حتى لو لم تكن وشيكة. إذ بات الكيان الإسرائيلي بالحد الادنى مضطر إلى أن يأخذ بالاعتبار مسار التطورات الداخلية في الساحة المصرية، سواء في سياساته الأمنية تجاه قطاع غزة، أو فيما يتعلق ببلورة إستراتيجية عسكرية أمنية جديدة بعيدة المدى. هذا مع التأكيد على أن الرهان الإسرائيلي الآن يتمحور حول مفاعيل القيود الاقتصادية والسياسية الداخلية والدولية المحيطة بمصر، على مواقف واستراتيجيات القوى التي ستمسك بالقرار السياسي في القاهرة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018