ارشيف من :أخبار لبنانية

ستة وستة مكرر حتى في منح أو سحب الجنسية اللبنانية

ستة وستة مكرر حتى في منح أو سحب الجنسية اللبنانية
                              شحطة قلم "خربطت" حياتهم... عائلات تلاطم الأمواج... فهل من قشة نجاة؟

حرقة، وحسرة شديدة، غصة ما بعدها غصة أصابت عائلة رياض علي عجمي من بلدة الزرارية الجنوبية ومثلها كثيرون ممن شملتهم مراسيم سحب الجنسية الاخيرة، تراهم اليوم يبحثون عمن يوصل صوتهم الى المسؤولين لكن لا حياة لمن تنادي، فشحطة قلم كانت كفيلة بـ"خربطة" حياة عائلات بكاملها، بتشتيتها وقلبها رأسا على عقب، منذ سماعهم الخبر الذي لم يتوقعوه يوما وحالهم باتت اي حال، فالأب الثمانيني لم يجد الا الدموع والبكاء ليواسيه، لم يبقَ من العمر اكثر مما كان، فقبل اشهر كان ينام قرير العين مطمئنا الى مستقبل اولاده، اما اليوم فالدمعة لا تفارقه وحاله تقول "وين بدي روح بعد هالعمر.. يا ريتهم اخذوا بيتي ولم يأخذوا جنسيتي اللبنانية..".
            جدول مرفق بمرسوم سحب الجنسية يظهر فيه ان اسماء
        رياض عجمي وبناته زهوان وعيات واردة فيه دون اسماء الابناء الذكور

ستة وستة مكرر حتى في منح أو سحب الجنسية اللبنانية

عائلات بأكملها تركت في مهب الريح، تركت تلاطم الامواج حتى الغرق حتى الرمق الاخير، ولا قشة نجاة او سفينة انقاذ تخرجهم من بلاءٍ حلّ بهم، بلاء وأيما بلاء، هم كانوا اعتادوا نمطا من العيش وتأقلموا فيه، فجأة سلب منهم كل شيء، شعروا انهم كانوا في حلم طويل واستيقظوا ليكتشفوا ان ما عاشوه على مدى 18 عاما ما هو الا حلم وما هو الا وهم.

زهوان رياض علي عجمي الوارد اسمها واسم والدها وأختها هيات في مرسوم سحب الجنسية تروي لـ"الانتقاد" كيف وقع خبر المرسوم على عائلتها وقع الصاعقة، فتشير الى انهم علموا بالامر صدفة حينما كانوا خارج المنزل وقرأوا اسماءهم واردة بالجريدة الرسمية.

ومع قلق من الآتي ومما يخبئه المستقبل لا تخفيه نبرات صوتها تقول زهوان: "نحن خلقنا وربينا في لبنان، ولم نسافر ابدا ولا نعرف اي دولة.. الى أين سنذهب.. اكبر حرام يقشطونا جنسيتنا". تضيف "الانسان حينما يسافر الى الخارج يحصل على الجنسية بعد اشهر قليلة، أما نحن فدولتنا سحبتها منا بعد 18 سنة من منحنا اياها".

وتعود زهوان بالذاكرة الى ما قبل صدور مرسوم التجنيس الذي منحهم الجنسية سنة 1994، وتستذكر كيف ان المحامي أخبرهم حينها بأنهم يستحقون نيل الجنسية، وأنهم اولى بها من غيرهم استنادا الى الواقع ولما بحوزتهم من مستندات.

وتتوقف زهوان عند تداعيات مرسوم سحب الجنسية على عائلتها، فتلفت الى انه منعها من السفر الى ابيدجان الذي كانت بصدد التحضير له، كما اوقف اخاها الأصغر ومنعه من اكمال دراسته الجامعية، فضلا عن ان اخاها الكبير بات غير قادر على المجيء الى لبنان لانه اذا اتى لن يستطيع السفر مجددا.
وتوضح زهوان كيف جردهم المرسوم ايضا من حقوقهم المدنية، فتشير الى انه على الرغم من عدم ورود اسم اخوتها الذكور بين الاسماء المسحوب منها الجنسية في المرسوم الوارد في الجريدة الرسمية، الا ان اخاها محمود منع من قبل دائرة الاحوال الشخصية من تحصيل اخراج قيد عائلي لعائلته، وكتبوا له أنه ممنوع من تحصيل اي مستند.
                افادة صادرة سنة 1968 من مختار ورئيس بلدية الزرارية
                         تؤكد ان عجمي من مواليد الزرارية 

 ستة وستة مكرر حتى في منح أو سحب الجنسية اللبنانية

ولتأكيد هويتها اللبنانية، تشير زهوان الى ان جدتها لجهة الاب توفيت قبل سنوات قليلة عن عمر يناهز 135 سنة عاشتها جميعها على الاراضي اللبنانية من دون ان تغادرها يوما، كما تلفت الى انها واخوتها درسوا في المدارس اللبنانية وشاركوا في الانتخابات النيابية والبلدية طوال السنوات الماضية، كما انهم تقدموا بطلبات توظيف في ادارات الدولة.        

وفيما تعرب زهوان عن امانيها بأن يصل صوتها الى كل اللبنانيين والمسؤولين بمن فيهم الرؤساء والوزراء والنواب، وأن تسترجع جنسيتها اللبنانية، تتساءل بحرقة كيف سترحمنا الدولة، فحياتنا تخربطت طالع نازل، وبتنا نشعر كأن ثمة صخرة ألقيت على قلوبنا، لم نفكر يوما ان يحصل معنا ما حصل، ولماذا نحن بعد 18 سنة؟.

وتشرح زهوان الخطأ الذي وقع فيه مرسوم سحب الجنسية حينما صنفهم بأنهم ايرانيون، تقول: "هذا لقب... اطلق علينا، لان جدتي كان لديها ثماني شباب بمن فيهم والدي وخافت عليهم من ان يتم تجنيدهم الزاميا من قبل الاتراك ايام الدولة العثمانية فادعت بانهم ايرانيون حتى يتم اعفاؤهم من التجنيد ورفضت تسجيلهم في دوائر الاحوال الشخصية آنذاك حرصا على حياتهم".

وفي ختام حديثها، تشير زهوان الى مسألة لافتة ومستغربة في آن واحد وهي ان ملف التجنيس لعائلتها وهو ملف واحد كان قد شمل الاب رياض علي عجمي واولاد أعمامها عباس مصطفى عجمي، واحمد مصطفى عجمي، ورضا خليل عجمي، فيما مرسوم سحب الجنسية اقتصر على رياض واولاده البنات من دون ان يشمل اولاده الشباب ولا اولاد عمهم اللزم.

عائلة رياض علي عجمي نموذج من عشرات العائلات التي كانت ضحية مقصلة مرسوم سحب الجنسية الذي جردهم من حقوقهم المدنية ومن كل ما اكتسبوه طوال السنوات الماضية، والذي لا يبدو انه اتى خاليا من نفس الاخطاء التي تضمنها مرسوم التجنيس الصادر عام 1994 والتي اقر بها جميع من اشرفوا على المرسوم منذ صدوره حتى تطبيقه. ولعل ذلك هو ما جعله وسيجعله عرضة للانتقاد وللطعن به امام القضاء الاداري المختص من قبل الكثيرين ممن لهم مصلحة بذلك، وهو ما اقدمت عليه عائلة عجمي مؤخرا حيث تقدمت بطلب لابطال مرسوم سحب الجنسية الصادر بحق عائلتها امام مجلس شورى الدولة، مستندة في ذلك الى وثائق دامغة تثبت وجودها وعيشها الدائم ومنذ مدة طويلة على الاراضي اللبنانية والتزامها الانظمة والقوانين المرعية الاجراء في لبنان.
 اخبار موجه الى والد رياض عجمي لدفع الضريبة العقارية المتوجة عليه يظهر ان القيمة التأجيرية للضريبة قدرت بالليرة اللبنانية السورية التي كانت معتمدة في ثلاثينيات القرن الماضي
 ستة وستة مكرر حتى في منح أو سحب الجنسية اللبنانية

الى ذلك، يبدو ان الدافع الطائفي والمذهبي الذي وقف خلف مراسيم التجنيس من اجل تغيير الخريطة الديمغرافية للبنان واعادة هندسته اجتماعيا من جديد يبدو اليوم هو نفسه الذي دفع باتجاه اصدار مراسيم سحب الجنسية من بوابة أخرى تلبية لرغبات البعض او ارضاءً لطائفته. 
 
وفي هذا السياق، اذا كان ثمة مؤشرات اوحت من داخل مجلس شورى الدولة ببصيص امل للمشمولين بمرسوم سحب الجنسية باستعادة جنسيتهم، استنادا الى انها باتت حقا مكتسبا لهم شرط ان يثبتوا هويتهم اللبنانية وأنهم ليسوا لاجئين فلسطينيين، يبقى الزمن والايام القادمة رهن الاجابة عما اذا كان القضاء اللبناني سيكون قادرا على اتخاذ القرار الذي يعطي كل ذي حق حقه بعيدا عن التجاذبات السياسية والطائفية التي صبغت مراسيم الجنسية كونها أتت في سياق مراعاة حقوق انسانية بحتة ـ وان لم تخلُ من اخطاء فادحة ـ ولم تأتِ على قاعدة "ستة وستة مكرر" كما عوّدتنا التقاليد والاعراف وحتى الدساتير والقوانين اللبنانية.

                       *وثائق اضافية تظهر احقية عائلة عجمي بالجنسية اللبنانية :

     اخبار موجه من دائرة ضريبة الاملاك المبنية في وزارة المالية الى والد رياض عجمي في شباط 1932 
 ستة وستة مكرر حتى في منح أو سحب الجنسية اللبنانية

علي عوباني                  
2012-01-26