ارشيف من :أخبار لبنانية

موسكو تخوض معركة الأسد.. حماية لمصالحها أولاً

موسكو تخوض معركة الأسد.. حماية لمصالحها أولاً

نبيل هيثم ـ صحيفة "السفير"
 

تخوض الدبلوماسية الروسية معركة سياسية دولية سعياً إلى تشكيل مظلة أمان للنظام السوري في مواجهة الإرادة الأميركية والغربية والعربية لإسقاطه. هذه المعركة تطرح علامات استفهام حول خلفيات التشدد الروسي إزاء الحدث السوري وما إذا كان هذا الموقف ثابتاً أم انه موقت، وبالتالي قابل للتغيير أو للتعديل بحسب الظروف والمستجدات ولغة المصالح؟.

تؤشر القراءة الدبلوماسية الى ثبات الموقف الروسي في هذه المعركة، وتنطلق من واقعة اجتماع دول «البركس» (روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا) على هامش انعقاد الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك في ايلول الماضي، اي قبل صدور «الفيتو المزدوج» الروسي ـ الصيني الذي اجهض مشروع قرار اميركي غربي ضد سوريا في الخريف المنصرم.

ويروي دبلوماسي بارز كان موجوداً في نيويورك انه بعد ساعات قليلة من ذاك الاجتماع التقى احد دبلوماسيي واحدة من دول «البركس» وتبلغ منه أن ثمة متغيرات جذرية على مستوى العالم، «وها هو الغرب الاميركي والاوروبي يدخل في مرحلة المرض ويصاب بوهن سياسي ومالي واقتصادي فضلاً عن التقهقر العسكري وتحديداً الأميركي في أكثر من منطقة في العالم، ومن هنا فإن ثمة مساراً جديداً سيظهر في مجلس الأمن من الآن فصاعدا، ولقد تم اتخاذ قرار حاسم ونهائي (على مستوى تلك الدول) يقضي بعدم السماح للولايات المتحدة وللغرب بالمضي في النظام العالمي الأحادي، وخاصة على مستوى إدارة مجلس الأمن الدولي بحسب مشيئة وتوجهات ومصالح الأميركيين والغرب، فمرحلة التفرّد الأميركي والإدارة الأحادية المتحكمة بالعالم قد انتهت».
تتقاطع هذه القراءة مع اتجاه ملحوظ لبعض الرساميل العربية المهاجرة تاريخياً إلى القارة الأميركية، للعودة إلى الشرق، «بعدما شارف الحلم الأميركي على الانتهاء بالنسبة إلينا والى الأميركيين أنفسهم الذين سينكفئون إلى ما وراء المحيط، بينما سنرى الرساميل تتهافت إلى المنطقة وخاصة الشرق الأوسط المقبل على طفرة نفطية ستؤدي إلى إحداث تغييرات بنيوية».

وتصل القراءة الدبلوماسية لزائر نيويورك إلى استنتاج بأن روسيا «قد تغير موقفها في المسائل التكتيكية، لكنها لا تغير موقفها ابدا في المسائل الإستراتيجية، ومن هنا فإن ثمة قرارا روسيا كبيرا وهو ليس قراراً آنياً أو موقتاً أو طارئاً أملاه حدث معين، بل هو قرار استراتيجي تم بناؤه على أساس تنامي دول «البركس» التي تضم اكثر من نصف سكان الكرة الارضية، والهدف هو تشكيل قطبية دولية جديدة على انقاض الاحادية الأميركية التي تعاطت على مدى سنوات خلت بمنطق الاستخفاف مع المارد الروسي ودوره وبمنطق التجاوز للنمر الصيني الصاعد اقتصادياً وتكنولوجياً».
تتوقف القراءة «عند ما شكلته سوريا من ساحة ملائمة لاختبار القوة الجديدة التي شكل «الفيتو المزدوج» الروسي الصيني وإجهاض مشروع قرار لمجلس الامن ضد سوريا ونظام الاسد، اولى الرسائل للأميركيين. وتتجلى الثانية، في منع الروس والصينيين تمرير مشروع قرار جديد غربي ـ عربي ضد سوريا، كما هو حاصل حالياً في مجلس الامن».

اما لماذا سوريا، فلأنها تنطوي على أهمية كبرى، من خلال:
اولاً، النظرة الروسية الى سوريا واهمية موقعها ليست حديثة، بل هي علاقة تاريخية، وفي هذا المجال يكشف احد كبار الدبلوماسيين عما يقول إنها وصية للقيصر بطرس الاكبر قبل ما يزيد عن 400 سنة، وفيها «ان على روسيا ان تصل الى المحيط الهندي حتى ولو أدى ذلك الى تفكيك الامبراطورية الفارسية، كما على روسيا ان تصل الى البحر الابيض المتوسط، حتى ولو أدى ذلك الى حرب مع الامبراطورية العثمانية، ويجب الا ننسى أمراً أساسياً وهو اهمية سوريا الاستراتيجية».
ثانياً، بعض اللبنانيين الذين زاروا روسيا مؤخراً تبلغوا من المسؤولين الروس الآتي: «إننا نرفض التدخل العسكري الخارجي في سوريا، ولن نقبل بأي منطقة حظر جوي أو التذرع بالعناوين الانسانية لإقامة ممرات انسانية ـ أمنية.. وتجربة ليبيا لن تتكرر وستبقى روسيا تشكل جداراً عازلاً وحامياً لنظام الرئيس بشار الاسد في وجه الحرب التي تشن عليه».

في الوقت ذاته، ثمة رسالة بهذا المعنى وردت قبل ايام الى الخارجية اللبنانية، فيما عاد بعض الزوار اللبنانيين من موسكو مؤخراً بانطباع ان روسيا ترفض ان يدير الاميركيون والغرب مناطق لروسيا فيها نفوذ ومصالح، كما انها لن تسمح بتحويل سوريا الى نقطة ارتكاز اميركية او غربية لضرب الدور الروسي في المنطقة. ولقد لمس وليد جنبلاط في زيارته الأخيرة استياء روسيا مما جرى في ليبيا، حيث يشعر الروس انهم خدعوا، ويرفضون ان يتعرضوا للخداع مرة ثانية.
ثالثاً، ان سوريا تشكل حالياً «موقع الرئة» بالنسبة الى الدور الروسي في المنطقة، فلروسيا قاعدة بحرية في طرطوس، هي الوحيدة التي تقع خارج الحدود الروسية، وتؤمن لها موقعاً استراتيجياً متقدماً على البحر الابيض المتوسط يتيح لها ان تلعب الدور السياسي الذي يناسبها في الشرق الاوسط، ويعطيها موطئ قدم على تخوم اكبر قاعدة عسكرية اميركية في المنطقة اي اسرائيل وعلى تخوم تركيا أيضاً مع نشر «الدرع الصاروخي» لحلف «الناتو» على اراضيها.

رابعاً، ان روسيا تعتبر نفسها ملزمة بأن تحمي خط الدفاع الاول عن مصالحها المتمثل بسوريا، خاصة ان الحرب التي تشن على سوريا تهدف الى تغيير البنية الجيوسياسية في المنطقة، والحاقها بالمدار الاميركي والاسرائيلي ضمناً. وفي هذا السياق تسلط القراءة الدبلوماسية الضوء على دراسة اسرائيلية نشرتها في العام 1981 مجلة «ايغونيم» للدراسات الاستراتيجية، تكشف ان استراتيجية اسرائيل المدعومة اميركياً، تقوم على السعي لتحقيق شرق اوسط جديد تشكل فيه اسرائيل دولة آمنة تحوطها دول مفتتة وتجمعات متفرقة لاقليات تناصب العداء لبعضها البعض ولا تشكل اي تهديد لاسرائيل بل ضمانة لامنها وسلامها، كتقسيم مصر بين دولة للمسلمين ودولة للاقباط، وتقسيم السعودية بين نجد والحجاز، وتقسيم السودان (جنوب وشمال)، وتقسيم العراق (اكراداً وسنة وشيعة)، وتقسيم لبنان الى خمس دويلات وتقسيم سوريا الى دولة علوية على الساحل، ودولة سنية في حلب، ودولة سنية في منطقة دمشق ودولة درزية في «جولاننا» بحسب التعبير الإسرائيلي... ويعني ذلك في ما يعنيه سقوط موطئ القدم الروسي.

خامساً، ان روسيا تعتبر نفسها ملزمة بحماية خط الدفاع السوري، خاصة انها تشعر بخطر على امنها القومي وتخشى من انتقال عدوى «الديموقراطيات الإسلامية المتشددة» الى كل المساحة الجغرافية المحيطة بروسيا، بما يعني ان المدى الحيوي الروسي سيكون مطوقاً، ناهيك عن المخاطر التي قد يحدثها ذلك على الداخل الروسي.. وسائر الجمهوريات.

سادساً، العامل الاقتصادي هو أحد مرتكزات الموقف الروسي وكذلك الصيني من الحدث السوري، فالمنطقة كما هو معلوم تحتوي على مخزون نفطي هائل، وبحسب تقرير غربي، فإن الولايات المتحدة تستهلك نحو 24 مليون برميل نفط يومياً، وهي الدولة الاولى في العالم من حيث الاستهلاك، تليها الصين التي تستهلك حوالى 8 ملايين برميل، وهذه الكمية مرشحة لأن تصل بعد سنوات قليلة الى نسبة تجعلها الدولة الاولى في العالم من حيث استهلاك النفط، والامر نفسه بالنسبة الى روسيا وغيرها. وليس صدفة هنا ان تعقد روسيا اكبر صفقة نفط مع ايران لمدة عشرين سنة بنحو 100 مليار دولار على اربع سنوات..
تخلص القراءة الدبلوماسية الى ان من ضمن ما يسعى اليه الاميركيون والغرب من خلال افتعال الحراك في الشرق الاوسط، هو انهم يريدون نفط المنطقة العربية وايران وهذا أمر لن تسمح به لا روسيا ولا الصين.
 
 

2012-01-31