ارشيف من :أخبار لبنانية
"الاستحالة" الدولية تتحوّل إلى "ممكنة" سوريًا ؟!
وديع الخازن ـ صحيفة "البناء"
لأول مرة تشهد أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن كباشًا لا سابق له بين الكتلتين الغربية والشرقية على خلفية الحل في أحداث سورية.
ففيما تسعى أميركا وحلفاؤها الأوروبيون إلى استصدار قرار يزكّي المبادرة العربية القائمة على "الحل اليمني"، تقف روسيا والصين في وجه مبدأ التدخّل في تغيير الأنظمة، بعدما رفضت فكرة التدخّل العسكري على الطريقة الليبية.
فالقضية بالنسبة إلى روسيا، في مثلّثها الحاكم ميدفيديف وبوتين ولافروف، مسألة كرامة ووجود، لا بل مسألة استراتيجية قائمة على توازن دولي فَقَدَ توازنه في لعبة التغيير القائمة في دول المنطقة بعدما اتّخذ الاتجاه الجديد منحًى "أخوانيًا" بامتياز، وكأن ما حدث حتى الآن هو امتداد للحركة الدينية الواحدة القائمة في تركيا شريكة الغرب في "الناتو"، هذا الغرب الذي يستقطب الجماعات التي هي من لون واحد، والأنظمة الجديدة التي تتجلّى طلائعها الانتخابية بتغليب منطق الغلبة على الثوار الشباب الحقيقيين.
ولقد فات الغرب أن استقطاب مثل هذه الجماعات هو ذو بُعدٍ يطاول الاستراتيجية الروسية التي تتكوّن على ضفافها تكتّلات على هذه الشاكلة في الشيشان والقوقاز وكازاخستان مِا يتعارض مع "المدنية" القائمة في طابع الحكم الروسي على ولاياته السابقة! كما أن ذلك يتناقض مع طبيعة الحكم في سورية، الذي هو مزيج مدني في التعايش بين الأديان والقوميات المختلفة على السواء.
فسورية ليست ليبيا، وهي بالطبع ليست اليمن، برغم الرهان الساذج على تغيير نظامها المدني لصالح نظام ديني واحد.
فإذا نظرنا إلى الأطراف السورية المتاخمة لتركيا والأردن ولبنان نجدها ذات طابع ديني معيّن، وهي التي تنطلق عبرها تحرّكات المسلّحين في وجه قوى السلطة لتغيير وجه النظام الذي هو علماني بامتياز.
ولأن النظام يدرك مخاطر هذه "اللعبة" التي تهدّد وجه سورية ودورها في المعادلة الشرق أوسطية القائمة على مواجهة «إسرائيل»، فإن جيشه وقوى أمنه المؤمنين بهذه العقيدة ظلا ملتفين حول الإجراءات التي يتّخذها الرئيس بشار الأسد والتي تأخذ بيمينها تطوير دورة الحياة بما يتلاءم مع توسيع أطر المفاهيم الديمقراطية المتناغمة مع تعدّد الأحزاب والحريات الإعلامية، وتأخذ بيسارها تنقية الساحة الداخلية من الفلول المتسرّبة والمتغلغلة في صفوف المواطنين والتي تستخدم مناطقهم كدروع لتوجيه السهام إلى أمن الدولة.
وإذا كان هناك من مغرّرين بالمال والسلاح، فإن أعدادهم لا تشكّل خطرًا على الأمن الرسمي بقدر ما هي تعرّض المواطنين للخطر من خلال تحرّكاتهم الخفية والمتنقّلة بين المناطق الحدودية. وقد يكون التداخل الجغرافي والاجتماعي في البقاع والشمال على الحدود اللبنانية ـ السورية قد شهد إشكالات من هذا النوع لاختلاط بعض العائلات السورية مع فئات مسلّحة تتسلّل تحت ستار الحماية من نار الأحداث الدائرة! وبرغم محدودية هؤلاء المتسلّلين، إلاّ أنهم يشكّلون عبئًا على المواطنين السوريين اللائذين بأقربائهم في الطرف اللبناني من الحدود، وعلى المواطنين اللبنانيين هناك!
من هنا تأتي أهمية المطالبة بانتشار الجيشين اللبناني والسوري على الحدود اللبنانية ـ السورية لمنع أي خلل قد يحدثه مثل هذا التسلّل.
ربما طال أمد معالجة الوضع الأمني في سورية نتيجة حرص الرئيس بشار الأسد على عدم استخدام الذراع الضاربة للتخلّص من العابثين بالأمن كونهم يستخدمون نطاقًا مأهولاً ما يلحق الأذى بالمواطنين، إلاّ أن تفاقم الأوضاع الأمنية وضراوتها أرغما قوى حفظ النظام على السيطرة على معظم البؤر تمهيدًا لإعادة الأمن إلى نصابه، ليتسنّى للمسؤولين معالجة الشق الإصلاحي الذي قطع شوطًا بعيدًا سوف تترجمه الانتخابات التشريعية في آذار المقبل، بحيث تأتي من منطلق شعبي متجدّد يتماشى مع تطلّعات المواطنين، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يتوقون إليها.
إن الحل في سورية، في هذه الظروف التي وصل إليها الكباش الدولي والإقليمي، لا يمكن أن يكون إلاّ سوريًا وبرعاية من الرئيس بشار الأسد لأنه أدرى بشؤون التطوير والتحديث وإبقاء دولته في وضع مركزي يشكّل محورًا صلبًا في الصراع العربي ـ «الإسرائيلي» المتعثّر بعدما انقضى أكثر من ستين عامًا من الحروب والمفاوضات من دون جدوى.
"فالاستحالة" الدولية في مجلس الأمن، تتحوّل إلى "ممكنة" سوريًا، إذا أردنا المحافظة على سورية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018