ارشيف من :أخبار لبنانية

ملاحظات أوّلية على عمل المحكمة في ولايتها الأولى: تجاهل ملفّ شهود الزور وثغرات نظامها يفقدانها الثقة

ملاحظات أوّلية على عمل المحكمة في ولايتها الأولى: تجاهل ملفّ شهود الزور وثغرات نظامها يفقدانها الثقة

علي الموسوي ـ صحيفة "السفير"

كلّما اقترب إحياء ذكرى 14 شباط، تحوّلت المحكمة الخاصة بلبنان إلى كتلة نشاط، ثمّ تخمد وتهمد، بانتظار إشارة، تحثّها على تجديد حركتها، من دون أن يجيب أحد في هذه المحكمة عن أسباب هذه الفورة، تاركاً لشيطان الشكوك أن يحوم ويحلّق عالياً، فلماذا لا تجتهد المحكمة وتغلي بالحياة وتسطّر القرارات وتكثر الزيارات إلاّ قبل أيّام قليلة من الموعد السنوي لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ ولماذا تشرك نفسها في اللعبة السياسية عبر تداخل نشاطاتها مع ذكرى 14 شباط؟

على أبواب إنهاء المحكمة الخاصة بلبنان ولايتها الأولى البالغة ثلاث سنوات من دون التوصّل إلى نتيجة حاسمة في جريمة 14 شباط 2005، بسبب التخبّط الذي عاشه مسار التحقيقات على يد المدعي العام لديها القاضي دانيال بيلمار وفريق عمله من ضبّاط استخبارات دول أجنبية مختلفة، تستوقف المراقبين ملاحظات على العمل والنتاج على مدار ألف يوم ويزيد، هذا بعضها:

أوّلاً: تعتمد المحكمة سياسة التشويق في بياناتها وإظهار نفسها بموقع الحريص ليس على إتمام النظر والمحاكمات باغتيال الحريري وفقاً «لأعلى معايير العدالة الدولية»، كما تتغنّى ويرافقها عازفون وملحّنون محلّيون وأجانب.
ففي أحد بياناتها تقول المحكمة: «إنَّ الشَعبَ اللُبنانيّْ، وبخاصَّةٍ المتَضَرِّرينَ مِنْ هذا الاعْتداءْ، يَستَحِقّون مَعْرِفَةَ الحقيقة في ما وَقَعَ في الرابع عشر من شهر شباط/فبراير سَنَة ألفيْن وخَمْسَةْ»، وذلك في معرض تشجيعها من نسب إليهم المدعي العام بيلمار تهمة الضلوع بهذا الاعتداء، على تسليم أنفسهم والانقياد للعدالة الدولية (...).

ولكنّ المحكمة وكعادتها في محطّات كثيرة، نست أو تناست عن سابق إصرار وترصّد، أموراً وشؤوناً كثيرة تهمّ اللبنانيين الذين تضرّروا كلّهم من جريمة 14 شباط وليس فقط من قتل له حبيب، أو صديق، أو فلذة كبد، أو أصيب بجروح وإعاقات، والدليل أنّ لبنان الذي هو وطن الجميع، دفع ثمناً غالياً لهذا الاغتيال المستمرّ بفعل تداعياته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفرزاً طائفياً.
فالمحكمة تتجاهل أنّ الشعب اللبناني يتوق إلى معرفة حقيقة شهود الزور ومموّليهم ومجنّديهم ورعاتهم وحماتهم، مع أنّ كشف الحقيقة في هذا الملفّ يؤدّي حتماً إلى فضح الكثير من ممارسات التلاعب بالتحقيق في عهد لجنة التحقيق الدولية المستقلّة. ولو لم تتغاض المحكمة عن مهمّتها في محاكمة هؤلاء الشهود عبر تعديلها قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بها لجهة استنكافها عن القيام بواجبها بملاحقة كلّ شاهد قدّم شهادة كاذبة، لما أمكنهم، هم أو من يقف خلفهم ويستعملهم فقاقيع إعلامية، الاستمرار في لعبة حرف الحقيقة عن وجهتها الرئيسية.

ثانياً: يكثر قانونيون من محامين نقباء وعاديين، تقديم النصح والإرشاد إلى المتهمّين الأربعة من «حزب الله»، بضرورة الاحتكام إلى المحكمة وإبداء كلّ أوجه الدفوع الشكلية والأساسية في ما تسمّيه المحكمة في بياناتها بـ«قضيّة عيّاش وآخرين»، والخضوع لقراراتها بما قد تتضمّنه من إدانة وتجريم أو براءة وكفّ تعقبات.

ويعقّب أولئك الحقوقيون في كلامهم ومقالاتهم وتصريحاتهم وخطاباتهم على المساواة بين المحكمة الخاصة بلبنان وغيرها من المحاكم، وذلك بقولهم إنّ الكلمة الفصل ملك لها أسوة ببقيّة المحاكم، وهو كلام يحمل الكثير من الافتئات ويحتاج إلى توضيح لتبيان مثالبه وثغراته وعيوبه وشوائبه لئلا يبقى متداولاً بطريقة خاطئة في ظلّ وجود حملة منسّقة على وجوب إدانة «حزب الله» بما يمثّل من مقاومة أربكت إسرائيل وأبكتها كما لم تفعل دول عربية كثيرة.
فالجميع يدرك بأنّ المحكمة الخاصة بلبنان وغيرها من المحاكم الدولية قامت بإرادة سياسية، وبالتالي فإنّ موافقة مجلس الأمن على إنشاء المحكمة لم تأت تحت شعار وضع حدّ للإفلات من العقاب، وإنّما وضع حدّ للمقاومة.

إنّ اللجوء إلى المحاكم للفصل في أمر ما أو قضيّة ما، يحتّم أن تكون هذه المحاكم غير مسيّسة وعلى درجة كبيرة من الثقة والنزاهة، بحيث يرتاح المواطن إليها ويعتبرها سنده لاستعادة حقّه، كما أنّ المتهم، إنْ كان بريئاً، يدرك في قرارة نفسه، بأنّ المحكمة قادرة على إنصافه، ومنع إلحاق الظلم والغبن به، والتصدّي لكلّ محاولات التشهير به ونزع مواطنيته الصالحة عنه. أمّا إذا افتقدت المحكمة إلى عامل الثقة بينها وبين الناس، فمن الصعب، إنْ لم نقل من المستحيل، تصحيح هذا الخلل وإعادة الأمور إلى نصابها، باعتبار أنّ المحاكم كتجسيد واقعي وحيّ للقوانين، لم تولد للاقتصاص من الناس بطريقة عشوائية ونافرة، وإنّما لإحقاق الحقّ والجهر به ولو أمام سطوة دولة عظمى.

وغني عن التذكير بأنّ عنصر الثقة غير موجود بين حزب الله والمحكمة الخاصة بلبنان، وذلك ناتج عن أسباب كثيرة عرضها الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله أمام الشعب اللبناني أكثر من مرّة، إلى درجة أنّه أسماها «محكمة أميركية إسرائيلية»، ومن جملتها اعتباره المحكمة مرتهنة القرار وغير حيادية وظهور شكوك عديدة في عمل المدعي العام لديها بيلمار.

ثالثاً: إنّ من يتمعّن في متن نظام المحكمة لناحية قواعد الإجراءات والإثبات المعمول بها فيها، يعثر على بعض الثغرات والهنات القانونية التي تحتاج إلى توضيح من القضاة الموجودين في هذه المحكمة لكي يقوموا بتصحيحها وتداركها قبل الشروع في المحاكمات لدى غرفة الدرجة الأولى.
أ- إنّ إعلان المحكمة اختصاصها بالنسبة إلى الاعتداءات الأخرى التي شهدها لبنان غير جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، غير واضح، إذ ورد في الفقرة ألف من المادة 11 أنّه يمكن للمدعي العام أن يتقدّم باستدعاء يتعلّق بتلازم القضيّة لكي يفصل قاضي الإجراءات التمهيدية في مدى توافر رابطة التلازم بين أيّ اعتداء حصل في لبنان بين الأوّل من تشرين الأوّل و12 كانون الأوّل 2005 والاعتداء الذي استهدف رفيق الحريري، فهل المقصود بالاعتداء الأوّل، ذاك الذي استهدف النائب مروان حمادة في الأوّل من شهر تشرين الأوّل 2004، لأنّ السنة على ما يبدو قد سقطت سهواً. ثمّ تأتي المادة 12 لتقول إنّه إذا اعتبر المدعي العام أنّ اعتداء حاصلاً بعد اغتيال النائب جبران تويني في 12 كانون الأول 2005 يرتبط باعتداء 14 شباط 2005(...) فيبلغ الرئيس بذلك، وبدوره يبلغ الأخير الأمين العام للأمم المتحدة بما توصّل إليه المدعي العام من استنتاجات لكي يقرّر مجلس الأمن والحكومة اللبنانية إمكانية منح أو عدم منح المحكمة الاختصاص القضائي للنظر في الجريمة المعنية.

وهذا الكلام يعني أنّ الأمر رهن استنسابية المدعي العام الذي يخضع للسياسة أكثر من سواه.
ولكن ماذا عن الاعتداءات الأخرى مثل:
1- اغتيال أحد قادة حركة «الجهاد الإسلامي» في فلسطين المحتلّة محمود محمّد المجذوب وشقيقه نضال في 26 أيّار من العام 2006، بتفجير عبوة ناسفة في مدينة صيدا. وقد نفّذها جهاز «الموساد» الإسرائيلي بتسهيل من عميله محمود رافع.

2- محاولة اغتيال نائب رئيس «فرع المعلومات» في قوى الأمن الداخلي المقدّم سمير شحادة ف 5 أيلول من العام 2006، في محلّة الرميلة الساحلية، بتفجير عبوتين ناسفتين خلال مرور موكبه الأمني، ممّا أدّى إلى استشهاد أربعة من مرافقيه.

ب- ليس صحيحاً أنّ اللغات المعتمدة في المحكمة ثلاث وهي: العربية، والإنكليزية، والفرنسية، لأنّ الفقرة هاء من المادة 10 تؤكّد بأنّ كلّ القرارات المتعلّقة بالاستدعاءات الخطّيّة أو الشفهية تصدر بالإنكليزية والفرنسية ولا أثر لذكر كلمة اللغة العربية في هذا الخصوص، والتي يبدو أنّها تأتي في المرتبة الثانية إذ تترجم إليها الأحكام والعقوبات والقرارات المتعلّقة بالاختصاص وغيرها من القرارات التي يقرّر قاضي الإجراءات التمهيدية أو الغرفة أنّها تتطرّق إلى مسائل أساسية.

فكيف تقول الفقرة ألف من المادة العاشرة بأنّ العربية والفرنسية والإنكليزية لغات المحكمة الرسمية، وتخصّ الفقرة هاء الأمر، بالإنكليزية والفرنسية؟

2012-02-06