ارشيف من :أخبار لبنانية
الحرب هذه المرة لم تكن سنيّة ــ علوية
غسان سعود - صحيفة "الأخبار"
الاثنين الماضي، الساعة الحادية عشرة مساء ودقيقتين سقطت على مشارف جبل محسن قذيفتا إينرغا. الثلاثاء عند العاشرة إلا ربعاً مساء سقطت قذيفة ثالثة. مرّ الأربعاء من دون قذائف. الخميس سقطت خمس قذائف. لكن الجبل، بحسب التقارير الأمنية، لم يرد على القذيفة بقذيفة كما يحصل عادة، فلم تستعر الأزمة. بعد منتصف ليل الخميس ـــــ الجمعة، سجلت استخبارات الجيش حركة استثنائية انطلاقاً من منزل العقيد المتقاعد في الجيش اللبناني عميد حمود، القريب سياسياً من تيار المستقبل.

ولاحقاً يوم الجمعة، شهدت جوامع المدينة تحريضاً غير مسبوق ضد النظام السوري وحلفائه ومؤيديه، وخصوصاً في جامع التقوى عند دوار نهر أبو علي، حيث يؤمّ المصلين الشيخ سالم الرافعي الذي يمثل اليوم العمود الفقري للإسلاميين المقربين من تيار المستقبل.
كيف انفجر «الويك إند» الطرابلسي؟ فور انتهاء الصلاة، خرجت بموازاة مسيرات حزب التحرير وأخواته، أربع مجموعات في أربعة اتجاهات: الأولى قصدت خط التماس بين باب التبانة وجبل محسن لرفع صور طبعت مسبقاً للرئيس السوري بشار الأسد، رسم فوق أذنيه قرون. الثانية توجهت إلى الزاهرية لتطلق رصاصاً حياً على مكتب حركة التوحيد فوق فرن ياسين. الثالثة قصدت شارع نديم الجسر لتطلق الرصاص على مكتب الوزير فيصل كرامي، فيما اتجهت الرابعة إلى منطقة الزراعة في الميناء لتحاول رفع صور اللواء أشرف ريفي قبالة جامع عيسى بن مريم، محاولة افتعال مشكلة مع حراس الجامع الذي يصلي فيه رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي الشيخ هاشم منقارة.
عضو كتلة المستقبل النائب خالد ضاهر لا يعير كل ما سبق أدنى اهتمام. برأيه، النظام السوري هو الذي أشعل طرابلس: النظام السوري ـــــ لا مشايخ تيار المستقبل ـــــ هو الذي حرّض في الجوامع على العلويين والجيش. النظام السوري ـــــ لا النائب معين المرعبي ـــــ هو الذي حرض على استخبارات الجيش (التي قال المرعبي أمس إنها «فاتحة على حسابها»). النظام السوري ـــــ لا السلفيون المسلحون ـــــ هو الذي أطلق الرصاص على مكتبي التوحيد وفيصل كرامي، وحاول استفزاز جبل محسن وجامع عيسى بن مريم.
التحول الرئيسي في مسار الأحداث كما خُطط لها كان انفجار مخزن السلاح في مزرعة الخيول المهجورة في منطقة زيتون أبو سمرا التي تبعد عن جامعة الجنان نحو 800 متر. فتطويق الجيش لمكان الانفجار الذي شيع إعلام 14 آذار أنه مستودع لحركة التوحيد، قطع خط الإمداد الرئيسي بالسلاح. وتأثر السيناريو سلباً بحكم إصابة ثلاثة ممن يصفهم مصدر في استخبارات الجيش بضباط ارتباط أساسيين بين المجموعات الأمنية السورية وتلك التابعة لتيار المستقبل ممثلاً بعميد حمود والنائب محمد كبارة. في المزرعة أصيب كل من: أولاً، محمد نعمان دالاتي الذي توفي بعد نقله إلى المستشفى الإسلامي، وثبت أنه سوريّ الجنسية، حمصي، ليس له في لبنان أي قريب، في ظل معلومات غير موثقة عن قيامه بدور قيادي على مستوى لبنان في الجيش السوري الحر. ثانياً بلال ضناوي الذي يجمع الطرابلسيون على أنه قريب جداً من النائب محمد كبارة. وثالثاً داوود السمرجي الذي يتردد في طرابلس أيضاً انه أحد السلفيين الأساسيين في فريق عميد حمود. أياً كان المنفجرون، لا يهتم النائب معين المرعبي. برأيه «حزب الله وسوريا يتحملان مسؤولية هذه المستودعات»، مع العلم بأن مسؤول تيار المستقبل الأول في طرابلس، النائب السابق مصطفى علوش، اعتبر رداً على الأسئلة بشأن الانفجار أن «هناك ميليشيات كثيرة في لبنان تحمل السلاح كحزب الله». وأشار علوش إلى أن بعض «مجموعات التبانة توالي تيار المستقبل، لكننا لا نملك القدرة على ضبطهم». في ظل ترداد المدينة روايتين بشأن التفجير: تقول الأولى إن قنبلة انفجرت في سيارة ضناوي، فيما تتحدث الثانية عن اختراق «خصوم الثورة» للموقع شبه المستقبليّ فانفجر بأصحابه فور دخولهم إليه.
في المقابل، أثبت خصوم المستقبل قدرة كبيرة على ضبط النفس فلم يرد أحد منهم على الاستفزاز الذي طاوله، حتى قبالة جامع عيسى بن مريم حيث تتمتع حركة التوحيد بقوة جبارة. وتركوا للجيش اللبناني مهمة الدفاع عنهم، فلم يبق أمام المستقبليين الجدد غير جبل محسن من جهة وعناصر الجيش اللبناني من جهة أخرى. فسارع الشيخ داعي الإسلام الشهال إلى ما يشبه التهديد بإنشاء «جيش لبناني حر» على غرار «الجيش السوري الحر»، معلناً عبر موقع «النشرة» أن موقف الحكومة اللبنانية يعرض «مؤسسة الجيش اللبناني لانفراط عقدها». وفي السياق نفسه، كانت قناة «أم تي في» تنقل عن «أهالي باب التبانة» تحميلهم «الجيش اللبناني مسؤولية ما حصل». في ظل ضخ الإسلاميين على صفحات الفايسبوك وخصوصاً صفحة «أخبار أهل السنة في لبنان» الدعوات إلى «العسكريين والضباط السنة للانضمام إلى طائفتهم وأهلهم ومناصرة دينهم»، معتبرين أن «عصابات ما يسمى الجيش اللبناني أشدّ خطراً على السنّة من الشيعة ومن الشيطان نفسه».
في النتيجة، من استفاد مما حصل في طرابلس في اليومين الماضيين؟ حين يحمّل خالد ضاهر ومعين المرعبي وداعي الإسلام الشهال ومصطفى علوش النظام السوري مسؤولية التفجير لا يحددون ما الذي استفاد منه النظام، رافضين الأخذ بالاعتبار أن تجربة السنوات الخمس الماضية أكدت أن صندوق باب التبانة ـــــ جبل محسن للبريد معطل وأن المجموعات الإسلامية القريبة من النظام السوري تهرب من التصادم لا العكس، فضلاً عن أن التوتر الأمني سيفتح الباب الشمالي أمام فوضى تجعل الحدود اللبنانية ـــــ الشمالية مشرعة للداخلين والخارجين. ويصعب في ظل اجتهاد النظام السوري لفرض الاستقرار عنده أن يشيع الفوضى في المنطقة الأقرب إليه.
في المقابل، أدت الاشتباكات الطرابلسية إلى انكفاء الجيش نسبياً عن عملياته في الشمال وتراجعه أو تأخره في الانتشار على طول الحدود الشمالية أكثر من ثلاثة أيام، في وقت كان فيه الجيش واستخباراته يهمّون ببدء تنفيذ عمليات نوعية بعد عملية كبيرة مطلع الأسبوع الماضي. والأكيد هنا أن الجيش فهم الفخ الطرابلسي الذي سعى بعض المتذاكين إلى إسقاطه به، فأظهر ردة فعل غير مسبوقة وصلت إلى حد الرد على مصادر النيران العشوائية بنيران أكثف منها، في ظل اتخاذه الاحتياطات لاستكمال ما بدأه في عكار، بغضّ النظر عما يحصل في طرابلس.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018