ارشيف من :أخبار لبنانية

كارثة المال العام... هكذا تحدّثت النبوءة!

كارثة المال العام... هكذا تحدّثت النبوءة!

حسن شقراني -الأخبار


 لدى قراءة تقرير شركة «Oracle» عن أحوال وزارة المال وبنيتها، سرعان ما تتحوّل الصفحات إلى صفعات قاتلة لكلّ من يخوّل له ضميره ومنطقه نفي أن ماليّة لبنان كانت غارقة في بحر من الكوارث. فالوزارة تعتمد على ذاكرة موظّفيها لتسيير الأعمال، وبياناتها معرّضة للتلاعب والسرقة والغش.


قبل وقت طويل من مجيء فريق شركة «Oracle» إلى لبنان لتقويم إدارة ماليته العامّة، لم يكن الشعب بغالبيته يحتاج إلى «نبوءة» (وهو المعنى الحرفي لاسم الشركة)، لمعرفة أنّ هناك «كارثة» في إدارة أمواله العامّة. وهي الكلمة نفسها التي تُكثر الشركة من استخدامها في تقريرها المكوّن من 61 صفحة.
فبناءً على طلب من وزارة المال، أجرت الشركة تقويماً مفصّلاً لبنية نظام المعلومات وبرامجه في الوزارة (المركز الآلي) ولكيفية إدارة العمليات عبرها وإدارة علاقات المديريات المختلفة والوحدات الحكومية مع هذه النظام... النتيجة كانت: فقداناً للشفافية، سهولة وقوع الأخطاء البشرية والغش والاحتيال، غياب التنظيم والمنطق، غياب آليات الدمج بين مختلف الأنظمة، غياب الدقّة.

جميع مؤشّرات الإدارة الصحيّة للمال العام غائبة إذاً، والحلّ هو باعتماد نظام دامج شفاف يُسمّى تقنياً: «نظام معلوماتية لإدارة المالية العامة» (GFMIS). قد يقضي هذا النظام على التشوّهات القائمة (وإن كانت هناك «تحدّيات» لتنفيذ هذا التحدّي باعتراف الشركة)، لكن من يعيد إلى اللبنانيين أموالهم التي خسروها هدراً أو احتيالاً؟ ومن يحاسب من كان قيّماً على هذه الممارسات؟

بانتظار الإجابات السياسية عن هذين السؤالين، يُمكننا التمعّن بما ورد حرفياً في تقرير الشركة المعنون «الطريق إلى نظام معلوماتية لإدارة المالية العامة»، والتبصّر في أفق البلاد المالي والاقتصادي، فيما حساباتها مبنيّة على أسس كارثية. في البداية، نورد اختصار الشركة للوضع القائم ثمّ ما يقوله التقرير عن كلّ ميدان من عمل الوزارة ومن ثمّ الملاحظات العامّة.

كارثة المال العام... هكذا تحدّثت النبوءة!

كارثة على حساب الرؤية الواضحة

تُعدّ الترتيبات الإجماليّة للأمن في مجال عمل وحدة تكنولوجيا المعلومات (المركز الآلي) كارثية على الصعيدين المادي والمعلوماتي. فرغم توافر التقنية اللازمة تُنفَّذ غالبيّة واسعة من العمليّات يدوياً (بعكس آلي) وبحدود دنيا من آليّات الرقابة.

من جهة أخرى، إنّ البيانات الحسّاسة، مثل الدين الخارجي، موجودة خارج وزارة المال وتخضع لإدارة مؤسّسة أخرى، حيث لا توجد لوزارة المال رؤية واضحة، وصولاً إلى لا رؤية على الإطلاق للمعلومات المالية.

وتصنّف أنظمة إدارة بيانات الأشخاص والرواتب والتقاعد المفتّتة بأنّها في حالة مفجعة، وهي تجري على الورق في معظم الحالات وتحتاج إلى إعادة تنظيم. كذلك، إنّ المعلومات المرتبطة بالشؤون الماليّة، التي تُدخَل يدوياً في الأنظمة، تحتاج إلى التنظيف، إعادة التثبيت والتخزين الآمن قبل تحويلها إلى معلومات مالية ذات معنى لاتخاذ قرارات بناءً عليها. وأخيراً، تفتقر وزارة المال إلى الأدوات الأساسية لإدارة المهمّات التحليليّة للمعلومات الماليّة.

الاحتيال والسرقة

أوّلاً، الوضع القائم لأنظمة المعلوماتية: المعلومات التي تستخدمها أو تنتجها وزارة المال تعتمد على نحو كبير على مؤسسات حكومية أخرى وعلى مصادر وزارية. هذا الاعتماد يؤثّر تأثيراً هائلاً على نوعية المعلومات التي تُعَدّ وتُعلَن، ودقتها ومنطقيتها.

وأكثر من ذلك، لا تعتمد العمليات في وزارة المال على مؤسسات أخرى فحسب، بل إنّ المعلومات التي تعالجها تُستَقى من أنظمة متباينة عديدة موجودة في الوزارة.

ثانياً، تقويم نظام إدارة الموازنة: هذا النظام ليس مدمجاً مع أيّ من محرّكات التحصيل أو تسديد الرواتب ـــــ بالحدّ الأدنى لوضع توقّعات لقوّة العمل على سبيل المثال.

ويُستخدم النظام أيضاً لإجراء التدقيق الحسابي للأموال المصروفة قبل إصدار أوامر الدفع؛ يشوب هذه العملية كثير من التأخير. على سبيل المثال، يتفقّد النظام الأساسي نظام جمع الضرائب للحرص على أنّ المدفوع له لا تستحق عليه ضرائب. تعتمد هذه الخطوات في بعض الأحيان على التدخّل البشري، نظراً إلى التأخير في توحيد الأجزاء المتنوعة من المعلومات في قاعدة بيانات مركزية وموحّدة.

ثالثاً، تقويم نظام المشتريات: على الرغم من أن كلّ وزارة تتمتع بنظام خاص لمشترياتها، في وزارة المال هناك نظام لتعقّب كافّة مراحل عمليات الشراء. لكن في المقابل، إضافة إلى غياب الدمج بين نظامي المشتريات ونظام إدارة الموازنة، يفتقر نظام المشتريات إلى آلية واضحة لتقويم المخزون، ويفتقر إلى الأساليب النظامية لتجديد المخزون. كذلك يفشل هذا النظام في توفير نظرة كاملة (360 درجة) عن المزوّدين وعن تفاصيل المفاوضات التي أجريت معهم. إضافة إلى ذلك، لا يتعقّب نظام المشتريات العقود الخاصّة بالصيانة.

وتعتمد وزارة المال على ذاكرة موظّفيها في المسائل الخاصة بتجديد العقود حين تقترب العقود القائمة من الانتهاء أو تنتهي فعلياً. لذا، ليس لدى الوزارة أي أدوات ـــــ سوى ذاكرة موظّفيها ـــــ لتحديد وضع عقود الصيانة واتخاذ الإجراءات الاستباقية للتجديد المباشر وتجنّب انقطاع غير ضروري في العمل.

رابعاً، تقويم أنظمة جداول الرواتب: تستخدم وزارة المال نظام جدولة رواتب لإدارة رواتب الموظّفين الحكوميين الحاليين باستثناء موظّفي الجيش، الجمارك وشركات الاتصالات. وتتولى الوزارة مهمّة تسديد رواتب التقاعد للموظفين العامين ولعائلاتهم، وتستخدم لهذا الغرض نظاماً منفصلاً. وعلى نحو مثير للاهتمام/ للغرابة، تحفظ الوزارة المعلومات الإضافية عن الموظّفين في نظام ثالث... وتسود في نظام جدولة الرواتب أمثلة ازدواجية المهمات. فغياب الدمج بين جداول الحضور وتسديد الرواتب يؤدّي إلى أخطاء بشرية، احتيال ومعلومات غير دقيقة عن الحضور والأداء.

وعموماً، تُستخدم العمليات اليدوية (غير الآلية) على نحو كبير، حيث تُدخَل البيانات في الأنظمة من دون رقابة. وبسبب نقص الأتمتة (العمل الآلي) أضحت العمليات الأكثر يدوية مكلفة كثيراً ومبدّدة للوقت وتعتمد كثيراً على التدخّل البشري، ولذا فهي مكشوفة على الأخطاء البشرية.

خامساً، تقويم أنظمة الإيرادات: هناك أربعة أنواع من الضرائب (الدخل، القيمة المضافة، العقارات، الإرث) التي تُجبى من المكلّفين، ما يتطلّب أربعة أنواع من الأنظمة لإدارتها. أمّا الأنواع الأخرى من الضرائب، فتُجبى إمّا عبر المصارف أو عبر الرسوم في مديرية الجمارك. وفي ما خصّ ضريبة الإرث تحديداً، يجري حسابها يدوياً، فيما الضرائب الأخرى تُحسب آلياً. لكن لا يوجد نظام على الإنترنت يسمح للمكلّفين بتقديم بيانات دخلهم، كذلك يُعتمَد كثيراً على المصارف للجباية. وفيما تتطلّب المصارف معلومات قليلة، تُمثّل هذه العملية تحدياً لمطابقة الدفعات وإيرادات الضرائب.

سادساً، تقويم أنظمة الخزينة: ...باختصار، وكما هو الأمر عليه في كافّة المجالات، هناك تدخّل كثيف لمديري نظام المعلوماتية في إدارة العمليات اليومية. وإضافة إلى ذلك، رغم وجود نظام لتسجيل العمليات، يشوب هذا النظامَ كثيرٌ من النواقص في ما خصّ سلامة البيانات، ويعود ذلك تحديداً إلى غياب نظام التنبيه في حال وقوع أخطاء أو احتيال. وما يضاعف المشكلة هو غياب الجداول الكليّة النزيهة التي بموجبها يجري التحقق من أنّ انتقال البيانات من نظام إلى آخر يجري على نحو ملائم.

من جهة أخرى، ورغم الأهمية القصوى لإدارة السيولة، إلّا أن هذه العملية ليست آلية، حيث تُجمَع البيانات من مصادر متعدّدة في ورقة حساب (MS Excel)... ويحتاج هذا النظام إلى إعادة تنظيم سريع لإجراء تحسينات أساسيّة.

سابعاً، تقويم نظام الرقابة على المساعدات: لا تدير وزارة المال ولا حتّى تسيطر على المعلومات الحيوية المتعلّقة بالتمويل والمنح والدين... ويقوم بهذا الأمر مجلس الإنماء والإعمار. ورغم تطوير نظام «الرقابة على المساعدات ومتابعتها» (AMR)، غير أنّه يبقى للأسف غير شغّال، نظراً إلى مسائل تتعلّق بتناقضات هائلة في البيانات.

ثامناً، تقويم أنظمة الدين: تجري إدارة المعلومات المرتبطة بالدين العام عبر «نظام إدارة الدين والتحليل المالي». غير أنّ هذا النظام مجهّز لدى مصرف لبنان، وليس هناك أي ولوج لوزارة المال إليه. ويزوّد مصرف لبنان الوزارة فقط ببعض التقارير (الخاصّة بالدين) ويجري تحديث قاعدة بيانات النظام عبر المصرف ومجلس الإنماء والإعمار. وبناءً على المعلومات التي يؤمّنها مصرف لبنان، مستخدماً النظام المذكور، تعمد وزارة المال إلى جمع البيانات الخاصّة بالدين العام مستخدمةً ورقة حساب (MS Excel).

ملاحظات عامّة على البنية الموجودة

ينقص وزارة المال نظام مدمج بالكامل يغطّي كافّة العمليّات ويدمج جميع أنواع البيانات لتكون متطابقة... ونتيجة لذلك، الوزارة اليوم هي غير قادرة على تطوير رؤية كليّة للمالية العامّة وللعمليات المرتبطة بها. وهناك بنية تحتية مشتركة للأنظمة القائمة ـــــ تقوم على الأمن، توفّر البيانات والإدارة ـــــ غير أنّها بدائيّة؛ في الواقع، يُرصد النقص فيها في مجالات عديدة أهمّها:

يقوم دمج مختلف التطبيقات عبر مقاربة «نقطة إلى نقطة»، لا بناءً على تواصل واحد. وتؤدّي هذه المقاربة إلى تعقيدات جمّة حين يزيد عدد الأنظمة. وبوجود أنواع مختلفة من التقنيّات يزيد تعقيد عملية الدمج. كذلك إنّ العمليّات ليست مبنية على معايير محدّدة.

يُعدّ الأمن بدائياً على الصعيدين المادي والمعلوماتي، ويجب تحسين نظام الأمن الكلي على نحو سريع. وفي الواقع، نظراً إلى فقدان الأمن، تكون المعلومات القيّمة عرضة لأي نوع من سوء الاستخدام مثل السرقة والاحتيال والخسارة.

تجري ملاحقة النشاطات والإبلاغ عنها بناءً على أنظمة المعاملات. ونتيجة لذلك، الوزارة محرومة الرؤية الكاملة للعمليات اليومية للحكومة، من إتمام الرقابة على الأداء، ومن تحليل كاف للوضع القائم. لذا، هناك حاجة ماسّة الآن لإنشاء مخزن معلومات يوحّد المعلومات الآتية من الأنظمة القائمة ويُمكّن من إجراء تحليلات إضافيّة.

تعمل أنظمة وزارة المال بجهد بشري فقط. هناك غياب للممارسات العملية الأفضل، واستخدام التكنولوجيا يجري على نحو ضعيف.

لا توفّر أنظمة البيانات القائمة درجة عالية للمعلومات، نظراً إلى نقص التجميع والتكوينات الخاصّة بتصحيح الأخطاء على نحو سريع. ورغم وجود نظام نسخ، تبقى المعلومات (الأساسية والمنسوخة) موجودة في مكانين جغرافيين مختلفين، لكن قريب أحدهما من الآخر أكثر من اللازم.


6 أهداف

توصي «Oracle» وزارة المال بتحقيقها: الامتثال إلى الأنظمة والإجراءات التشغيلية؛ تحويل التركيز من معالجة البيانات إلى تفسير المعلومات والإدارة؛ إدارة البيانات؛ توفير المعدّات اللازمة لفريق العمل لتحسين الأداء؛ تحسين إدارة العمليات والموارد؛ تحسين ثقة المعنيّين في عمليات الحكومة.


 

ديكتاتور المعلوماتية

يخلص التقرير إلى الملاحظات الآتية على عمل مديرية الخزينة: «ينخرط مسؤول المعلوماتية في الأعمال على نحو كثيف، وهو الوحيد ذو المعرفة الكاملة بالنظام. وبغياب التوثيق وكتيبات العمل تُدار التطبيقات وتُحفظ عبر اللجوء فقط إلى ذاكرته. لذا، إنّ غيابه أو رحيله قد يؤدّي إلى تداعيات كارثية... في حال حدوث احتيال أو خطأ، ليس هناك نظام إنذار آلي للتنبيه. وعندما تُخلَق دفعة مخالفة للترتيب المسجّل أساساً في تطبيق آخر، يفرض النظام على المستخدم إدخال الرقم التسلسلي الأساسي، غير أنّ النظام لا يتفقّد ما إذا كان هذا الرقم مسجّلاً مرتين».

2012-02-15