ارشيف من :أخبار لبنانية

«عاصفة» الرشوة تضرب مجلس القضاء الأعلى

«عاصفة» الرشوة تضرب مجلس القضاء الأعلى

محمد نزال ـ صحيفة "الأخبار"

أن يسقط قاض في «فخ» أخلاقي، في لبنان، مسألة لم تعد تُحدث صدمة لأحد. القاضي من البشر أيضاً. ولكن، أن يسقط أحد كبار القضاة، وهو عضو في مجلس القضاء الأعلى، في «خطيئة» المساومة على رشوة مالية، فهذا أمر غير مألوف. ظهر هذا أخيراً إلى العلن... والعدلية تعيش أجواء «عاصفة»


«كان الخبر بمثابة سكين في قلبي». لم يجد أحد قدامى القضاة سوى هذه الكلمات، للتعليق على خبر استقالة قاض، هو عضو في مجلس القضاء الأعلى، بعد افتضاح أمره في قضية رشوة مالية. القاضي القديم لا يريد أن يصدّق الخبر، رغم يقينه من صحته. فزميله أمضى أكثر من 38 عاماً في المرفق القضائي، ومعروف بحسن السيرة والسلوك. اليوم، لا حديث بين القضاة في العدلية سوى عن القاضي الذي «سقط». المستمع إليهم يخالهم جميعاً من «الأتقياء» الذين لم يفكروا يوماً في سوء. بالتأكيد، حجم «المصيبة» كبير، فالقاضي المعني ليس ليس مبتدئاً. المراكز التي يشغلها تكاد لا تحصى. فهو، فضلاً عن عضويته في مجلس القضاء الأعلى، يشغل أيضاً منصب عضو في المجلس العدلي. ولا يخفى على أحد حساسية هذا المنصب الأخير. هو أيضاً عضو في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. لم تنته بعد مناصب القاضي، فهو أيضاً المفتش العام في المحاكم المذهبية الدرزية، وثمة مهمة كانت منوطة به، وهي الموافقة على بدء القضاة الجدد مزاولة عملهم القضائي، وذلك بعد مرورهم بمعهد الدروس القضائية. إذاً، على يديه كانت تخرّج أجيال من حماة العدالة.

ما هي قصة هذا القاضي؟ ثمّة تفاصيل ما زالت غير مثبتة حتى الآن، لكن المثبت منها كاف ليقول مسؤول قضائي رفيع إن العدلية «تتعرض الآن لعاصفة». قبل مدّة، صدر حكم عن القاضي سهيل عبود في دعوى فيها خصمان، هما جاك سعادة، صاحب شركة «CMA - CGM» للشحن البحري، وشقيقه جوني. الحكم الصادر لم يعجب الخصم المتضرر منه، فاعترض من خلال طلب رفع القضية إلى محكمة التمييز. وصل الملف إلى القاضي (المستقيل)، لكونه رئيس لإحدى غرف التمييز التي فيها قاضيتان مستشارتان. وبحسب أحد المطّلعين عن كثب على سير القضية، فإن قاضيتي الاستشارة لم تجدا على حكم عبود «أي غبار، وبالتالي لا يمكن نقضه بأي شكل من الأشكال».

مرّت أيام قبل أن يصل إلى بعض المسؤولين في القضاء تسجيل، بالصوت والصورة، يظهر القاضي رئيس الغرفة مفاوضاً أحد الخصوم في القضية على مبلغ مالي، وذلك في مقابل تصدير الحكم في مصلحته. وبحسب أحد المعنيين في القضية، فإن القاضي لم يفاوض عن نفسه فقط، بل راح يفاوض باسم القاضيتين أيضاً، من دون علمهما بالأمر، طالباً مبلغ 3 ملايين دولار أميركي. وأشارت مصادر معنية بالقضية إلى أن من سجّل واقعة التفاوض على الرشوة، عاد، بعد صدور الحكم كما يتمنى، و«لأسباب مجهولة»، ليرسل نسخة عن التسجيل إلى مكتب النائب (المحامي) هادي حبيش، بصفته أحد وكلاء الجهة المتضررة من الحكم. فتوجه حبيش، مع زملاء له في فريق الدفاع، إلى المراجع القضائية المعنية ليعرض عليها مضمون التسجيل.
انتشر الخبر بداية على نطاق ضيق بين قضاة العدلية الذين هالهم ما عرفوا، فراحوا يطالبون بمحاسبة «المفاوض على الرشوة». اجتمع بعض القضاة بوزير العدل شكيب قرطباوي، وطالبوا بعدم «ضبضبة» القضية. حاول القاضي أن يتدارك المشكلة، فقصد النائب وليد جنبلاط (مرجعيته السياسية)، بحسب ما يتناقل القضاة. لكن جنبلاط طلب منه تقديم استقالته.

اليوم، يبدو أن «تخريجة» الاستقالة لن تمر بهدوء، في ظل رفض عدد كبير من القضاة لها، إذ يطالبون بأن تحال القضية على هيئة التفتيش القضائي، ثم إلى التأديب، لكي يكون القاضي المعني متساوياً بذلك مع سائر القضاة. فهذه القضية جاءت بعد مدة وجيزة على صدور أحكام تأديبية بحق عدد من القضاة الذين لم يكن من بينهم من يحمل درجات رفيعة، فتراوحت العقوبات بين صرف من الخدمة وخفض للدرجات مع التنبيه واللوم.
طبعاً، هيئة التفتيش القضائي لن تصرّح بما لديها عن الموضوع. فأوساط مقرّبة منها ذكرت لـ«الأخبار» أن تلك القضية «ليست بالدرجة الأولى من اختصاص التفتيش، بل من اختصاص مجلس القضاء الأعلى». الأوساط نفسها تمنّت عدم إثارة الموضوع في الإعلام، لأنه «لم نصل إلى نتيجة 100% بعد، وبالتالي هناك ما يمكن أن يحكى، وهناك أيضاً أمور لا يمكن أن يحكى بها، فهذا شأن قضائي خاص وليس للتداول العام».

إلى ذلك، ذكر مرجع قضائي مقرّب من القاضي المستقيل أن الأخير «مظلوم في القضية، وهو ذو شأن واحترام بين القضاة. فلو كان مارونياً لكان قد ترأس مجلس القضاء الأعلى». يضيف: «الخصم الخاسر في القضية هو من فبرك هذا العمل، انتقاماً من القاضي لكون الحكم لم يكن لمصلحته». ولكن لماذا لم يبقَ في موقعه ويقصد هيئة التفتيش ليثبت براءته، ولماذا تقدم باستقالته فوراً؟ يجيب: «صحيح أنه استقال، لكن عنوان استقالته كان بسبب الامتعاض. وللمناسبة، هو تعرّض عام 1984 لمحاولة اغتيال من خلال تفجير سيارته بسبب نزاهته».

على كل حال، ثمة كآبة تجوب في نفوس القضاة «الأوادم» في العدلية هذه الأيام. يرون في ما فعله زميلهم «إهانة لمن تبقى من قضاة شرفاء وهم كثر». يأسفون لأن تصدر هذه الأفعال من قضاة كبار، لأن هذا «يضرب أكثر ثقة المواطن بقضائه، الذي من دون صلاحه لا مكان للحديث عن قيام دولة». يتذكر أحد القضاة أن القاضي المستقيل كان، في مرحلة سابقة، ممثلاً للبنان لمدة 4 سنوات في المحافل الدولية الراعية لشؤون الأطفال... «آمل اليوم ألا يسمع أحد الذين مرّوا عليه، عندما كانوا أطفالاً وأحداثاً، وأصبحوا اليوم كباراً، بما فعله قاضيهم».


2012-02-16