ارشيف من :ترجمات ودراسات

لماذا الإصرار على سفك الدم السوري ؟!

لماذا الإصرار على سفك الدم السوري ؟!

 خلف علي المفتاح-الثورة السورية

لم تتعامل أي سلطة مع حراك شعبي مطالب بالإصلاح كما فعلت السلطة الوطنية السورية، فمنذ انطلاق حركة الاحتجاج في بعض المناطق تعاملت القيادة السورية بإيجابية مطلقة مع الشعارات التي رفعت فكان إيقاف العمل بقانون الطوارئ والمحاكم الخاصة ثم اقيلت الحكومة وشكلت حكومة جديدة وضع السيد الرئيس أمامها مهمة إنجاز عناوين مهمة تصب في غالبيتها في مضامين المطالب الشعبية للمحتجين وغيرهم من أبناء الشعب السوري، كل ذلك ترافق مع حوار وطني واسع الطيف تمثل بلقاء السيد الرئيس مع كل الفعاليات الشعبية وفي جميع المحافظات وعلى مختلف المستويات للوقوف على قضاياها ومشكلاتها ومطالبها ورؤيتها للمستقبل وتمخضت عن هذه اللقاءات حزمة إجراءات ومراسيم تشريعية وقوانين أقرها مجلس الشعب صبت جميعها في مشروع الاصلاح الشامل، وترافق ذلك كله مع انفتاح واسع على القوى السياسية وصدور العديد من القوانين المتعلقة بتأسيس أحزاب جديدة وصدور قانون للإعلام إضافة لتشكيل مجلس وطني له إضافة إلى صدور قانون جديد للانتخابات، ولعل التطور الأهم في ذلك كان تشكيل لجنة لإعداد مسودة دستور جديد لسورية يعبر عن طموح السوريين في عقد اجتماعي جديد يرتضونه وقد قامت اللجنة بتسليم السيد الرئيس مشروع هذا الدستور، وعلى الصعيد المعيشي تم رفع الرواتب والأجور بما يعزز ويقوي النشاط الاقتصادي إضافة لاستيعاب عشرات الآلاف من الشباب في وظائف جديدة ولعل ما يضع آلاف علامات الاستفهام هو أن كل هذه الإجراءات والقرارات والتشريعات والقوانين التي أصابت بنية الدولة وجوهر البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يشكل في مخبر التحليل السياسي ثورة حقيقية لم يكن بنظر أولئك النافخون في أوار الأزمة، بل إن القوى المعارضة ولاسيما الخارجية منها زادت دفعاً للأمور باتجاه التصعيد إلى درجة أن فصائل وقوى منها حملت السلاح وباشرت عمليات القتل على كل المستويات واستهداف المؤسسات العامة والخاصة بهدف تعطيل حركة المجتمع وإيقاف عجلة الحياة في سورية ومحاولة انهاكها اقتصادياً ونفسياً، وترافق هذا كله مع مخطط خارجي خبيث ومدروس استهدف سورية وشعبها اقتصادياً وسياسياً وإعلامياً في المحافل والمنظمات الدولية والاقليمية بشكل غير مسبوق لا يجد تبريراً أو منطقاً يحكمه إلا منطق الحقد والاستهداف لسورية الموقف والموقع والقرار.‏

واليوم وبعد مضي أكثر من عشرة أشهر على هذه الأزمة التي دفع الشعب السوري من دماء ابنائه وطاقاتهم وإمكانياتهم ثمناً غالياً لها، وعلى الرغم من الشجاعة النادرة التي واجه فيها السوريون جيشاً وشعباً وقيادة هذه المؤامرة الكبرى، فالواضح للجميع أن القوى التي انخرطت في هذه المؤامرة الجهنمية على الشعب السوري مازالت مصرة على الدفع بالأمور إلى مزيد من التصعيد والعنف وسفك الدماء وحرق سورية من الداخل وبأيدي ابنائها ومحاولة حرف البندقية السورية الموجهة للكيان الصهيوني باتجاه أخر وهو الهدف الأساسي والاستراتيجي الذي رسمه أولئك الذين حاولوا الاختباء وراء مؤامرتهم المكشوفة.

لقد باتت الأمور أكثر من مكشوفة فالواضح تماماً أن لا رغبة في حل سياسي للأزمة في سورية عند بعض الأطراف العربية والخارجية التي تمسك وتؤثر ببعض خيوط اللعبة بحكم ارتباط بعض أطراف المعارضة الخارجية بها وتقيدها بتعليماتها المتمثلة برفض الحوار مع السلطة الوطنية والدفع باتجاه التدويل والسعي للتدخل العسكري تحت عناوين ومسميات مختلفة، هذا الاتجاه قادته كل من تركيا وقطر وفرنسا وبعد الفشل في الوصول إليه عبر منصتين اقليمية ودولية جاء دور المملكة السعودية بثقله المالي والسياسي ليعطيه دينامية جديدة فكان مصيره الفشل عند أول اختبار له في مجلس الأمن، حيث اصطدم بالفيتو الروسي الصيني الذي يبدو أن البعض لم يقرأه جيداً حتى الآن بدليل محاولة الالتفاف عليه عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة.‏

إن سوء تقدير بعض أطراف المعارضة لقوة الداخل السوري وتماسك بنيته ووقوعها ضحية خداع قوى أجنبية وارتباط البعض منها بأجندة خارجية هو الذي يحول دون دخولها في حوار جاد مع السلطة الوطنية الذي يمثل بنظرنا المخرج الوحيد لحل الأزمة ووقف نزيف الدم والحفاظ على قوة الدولة وبنيتها الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية.‏

ولاشك أن عدم قيام بعض الدول العربية بما تمليه مسؤولياتها القومية وموجبات الأمن القومي العربي وانحيازها الواضح لوجهة نظر بعض أطراف المعارضة الخارجية وانعكاس ذلك على موقف الجامعة العربية زاد في تأزيم الوضع ورفع من منسوب الدم وأفسح في المجال لبعض القوى الأجنبية التي تتربص شراً بسورية وشعبها أن تمعن في الدفع بالأمور إلى مزيد من التصعيد والتعقيد إلى درجة الشعور بانعدام فرص الحل ووصول الأمور إلى نقطة اللاعودة، وهذا كله لا يخدم مصالح استقرار الشعب السوري ولا يوفر بيئة مناسبة للخروج من الوضع القائم، إن مراجعة واعية ومسؤولة وعقلانية لمواقف بعض الدول العربية واتخاذ موقف متوازن من قبل الجامعة العربية حيال الأزمة في سورية يمكن له أن يوفر أرضية مناسبة للدخول في سياقات جديدة تشكل مدخلاً مناسباً وخروجاً آمناً وغير مكلف من الوضع القائم ولاشك أن أمراً كهذا يحتاج إلى نيات صادقة يعززها سلوك حقيقي وفعل ملموس وخروج نهائي عن لغة التهديد والتصعيد والتلويح بالعامل الخارجي والعقوبات الاقتصادية وغيرها من أساليب ثبت عقمها وانعكاسها السلبي على مجريات الأزمة وتداعياتها السلبية داخلياً وخارجياً.‏


2012-02-17