ارشيف من :أخبار لبنانية

أسئلة على هامش المؤتمر الصحفي لرئيس الروتاري العالمي في لبنان

أسئلة على هامش المؤتمر الصحفي لرئيس الروتاري العالمي في لبنان

منذ أيام زار لبنان الرئيس العالمي للروتاري كاليان بانرجي للإطلاع على نشاطات الروتاري فيه، وفي 2012/2/20 عقد بانرجي مؤتمراً صحافياً في دار نقابة الصحافة، عرض خلاله خلاصة زياراته للمسؤولين اللبنانيين وكيفية مساهمة الروتاري في ترسيخ مفهوم "السلام" في المنطقة والعالم.
إلى توضيحه المنهجية المستقبلية للمؤسسسة الروتارية وشرح أهدافها بخطوطها العريضة، أشار بارنجي الى برنامجين أساسيين من برامج الروتاري التعليمية والإنسانية:
الأول: برنامج الروتاري للمنح الدراسية في جميع أنحاء العالم الذي يهدف الى إرساء السلام وتسوية الخلافات، هذا الأخير يساعد على تزويد الجيل المقبل بالقادة المناسبين للمجتمع المحلي والعالمية وضمن المهارات اللازمة بغية تجنب الصراعات.
الثاني: مبادرة استئصال الشلل الكلي للأطفال.

أسئلة على هامش المؤتمر الصحفي لرئيس الروتاري العالمي في لبنان
بانرجي خلال مؤتمره في نقابة الصحافة في بيروت


الثقافة السائدة لدى السواد الأعظم من الناس عن أندية الروتاري والليونز وبنات العهد وغيرها، تربط بين هذه الأندية والحركة الماسونية واستطراداً الصهيونية العالمية، وهذه الثقافة لا تتغذى فقط بكتابات توثق هذا الربط خصوصاً أنها صادرة عن أشخاص كانوا أعضاء فيها، إنّما هي أيضاً ناجمة عن ارتياب بعض المرجعيات الدينية منها خصوصاً في الديانتين الإسلامية والمسيحية وإصدار فتاوى بحظر نشاطها، على اعتبار أن هذه المنظمات تستهدف اختراق المجتمعات الإسلامية والمسيحية لغاية تشويه معتقداتها والمس بقيمها وقواعدها الأخلاقية.
مسألة رمي الشبهة على نشاطات هذه المنظمات هي مبررة، وبغض النظر عما تحفل به وسائل الإعلام من دراسات ومقالات وشهادات تؤكد هذه الشبهة، إلا أنّ ما يعززها أمران، الأول هو الطريقة التي تعتمدها هذه المنظمات لاستقطاب الأعضاء، فعملية الانتساب إليها تتم وفقا لآليات معقدة تتحكم بها في كل المراحل جهات مجهولة وموجودة في أمكنة مظلمة من المستحيل معرفتها فضلاً عن الوصول إليها.
أما الأمر الثاني، فهو في أهداف هذه المنظمات، حيث يختلط فيها السياسي والإيديولوجي مع النشاطات الخيرية والإنسانية، وبشكل ما يبدو الصنف الثاني من هذه النشاطات وكأنه جواز مرور إلى الخوض في الصنف الأول.

أي دور للمنظمات غير الحكومية في العالم؟
ما يستوقف في مؤتمر بانرجي في بيروت، ليس نشاط منظمته في استئصال الشلل الكلي للأطفال أو غير ذلك من النشاطات الإنسانية، إنّما مبادرته في تزويد الجيل المقبل بالقادة المناسبين للمجتمع المحلي والعالمي بغية تجنب الصراعات.
وبعيداً عن الشبهات الآنفة الذكر، في ظل القوانين التي تتحكم بالعالم اليوم بعد ما يسمى بثورة الاتصالات التي أدّت إلى تراجع في دور الدول وانحسار قدرتها في الضبط والسيطرة على النشاطات البشرية، مقابل تنامي دور المنظمات غير الحكومية في تسويق السياسات الدولية، يجدر التحسس والتنبه من أدوار هذه المنظمات التي تزعمها لنفسها، وإذا كانت المنظمات المذكورة اشترطت على المنتسبين إليها عدم مساءلتها والاكتفاء بقدر بسيط من الشفافية، إلا أن هذا لا يسري على الغير عندما تنشط على ساحاتهم في وقت هم مستهدفون بأجندات دولية تسعى لمصادرة مستقبلهم والسيطرة على ثرواتهم وخيراتهم، كما الحال في البلدان العربية والإسلامية.

 يكثر الكلام عن علاقة الروتاري بالماسونية. ويبدو ان نفي الروتاري لهذه العلاقة غير قابل للتصديق إذ إن هيئة التاريخ المئوي للروتاري ذكّرت أن الصلات بين الروتاري والماسونية هي صلات قديمة. كما أن هناك محفلاً ماسونياً يعرف بالمحفل الروتاري جميع أعضائه هم من أعضاء الروتاري. فضلاً عن ذلك فإن الماسونية والروتاري يتشابهان في كثير من الشعارات المرسومة والمكتوبة وفي استعمال العديد من الأدوات.
لن نستعيد ما فعلته بعض المنظمات غير الحكومية في صربيا وجورجيا وأوكرانيا، فما حدث في هذه الدول أمثلة ساطعة للعلن، عن قدرة مثل هذه المنظمات على خداع الشعوب وسوقها طائعة إلى ما تريده من سياسات دولية معينة لتترك فيما بعد هذه الشعوب بعد أن أكلت الطعم، نهباً للندم والتحسر.
لقد استطاعت كل من مؤسسة الحرية الأمريكية، والمعهد الديمقراطي الأمريكي والاتحاد الأوروبي ومؤسسة المنح الديمقراطية الأمريكية ومعهد الديمقراطية الدولي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية والمجلس الأوروبي، عبر التمويل وعبر دورات لتدريب قيادات محلية وتنمية التعاون مع منظمات المجتمع المدني، من اختراق مجتمعات الدول المذكورة، وفي جورجيا مثلاً دفعت الشعب إلى الانقلاب على رئيسهم إدوارد شيفارنادزة بذريعة إثرائه من المال العام، وبعد أن تمكن دمية الأميركيين ساكشفيلي من الحكم، تثبت للجورجيين تجنيهم على رئيسهم السابق شيفارنادزة الذي يعيش حياة متواضعة جداً في ألمانيا باعتباره لاجئاً سياسياً.

كذلك، لاحظ الجميع كيف جن جنون واشنطن عندما حاول المجلس العسكري في مصر من الحدّ من نشاطات المنظمات غير الحكومية في مصر، عندما أثار قضية تمويلها، واللافت أن السلطة المصرية في إطار لعبة الضغوط المتبادلة مع الإدارة، لم تجد من وسيلة أنجع تؤلم فيها واشنطن سوى مثل هذه المنظمات، حيث استنفر الأميركيون من وزارة الخارجية إلى الكونغرس وانتهاء بالبنتاغون لتسوية الأمر مع القاهرة لتفك القيود عن المنظمات المذكورة.

بعد مؤتمر الرئيس العالمي للروتاري، يصح السؤال، وهو ليس موجهاً إلى هذه المنظمة تحديداً، هل قضية السلام مرتبطة بكفاءة القيادات وتدريبها؟ أو هل تدريب القيادات في ما يسمى في العالم الثالث سيؤدي إلى انتشار السلام في العالم؟
لقد شنّت الولايات المتحدة الأميركية خمس حروب في أقل من عقدين، قتل فيها ملايين الناس ودمرت أربعة بلدان هي العراق ويوغسلافيا وأفغانستان وليبيا. لماذا الروتاري لا ينظم إذاً دوراته في واشنطن لتنشئة القيادات هناك على السلام؟ خصوصاً وأن الأصوات ما زالت تتصاعد هناك داعية لشن حرب كارثية على إيران وسوريا ولبنان؟

ويبقى سؤال كذلك مستوحى من المؤتمر المذكور، وهو أن لا أحد ضد التعاون الإنساني، لكن ما المقصود بتعاون الشعوب بالرغم من الخلافات السياسية؟ هل المقصود أن نتعاون مع "إسرائيل" بالرغم من اغتصابها فلسطين واحتلالها الجولان ومزارع شبعا؟
بغض النظر عن الإجابة، فإن الروتاري لا يقصد من خلال دعوته الى القفز فوق الخلافات السياسية واشنطن لإنهاء حصارها على كوبا، أو وقف العقوبات على إيران بقصد تجويع شعبها، ففي مثل هذه الحالات لا "قفز فوق الخلافات السياسية".

هيلدا المعدراني

2012-02-25