ارشيف من :أخبار لبنانية

تصعيد الحرب الباردة لتفادي الحرب الساخنة

تصعيد الحرب الباردة لتفادي الحرب الساخنة


عصام نعمان ـ صحيفة "البناء"

يشتد الصراع في الشرق الاوسط وعليه. اطراف الصراع في داخله ومن خارجه. لكلٍ منهم اهدافه ومصالحه ومخططاته. غير ان عناوين خمسة تلخّص موضوعات الصراع : النفط، امن "اسرائيل"، ايران "النووية"، مناطق النفوذ والإسلام السياسي.

في موضوع النفط، كل الاطراف معنيون: اميركا، اوروبا، الصين، اليابان، الهند، روسيا، ايران، تركيا، «اسرائيل» ودول العرب المنتجة للذهب الاسود. هم حريصون على ضمان انتاج النفط ونقله وتسويقه والإفادة منه كمورد للطاقة وللمال. غير انهم مختلفون حول جواز استعمال النفط في السياسة. اكثرهم حاجة اليه كمورد للطاقة : الصين واليابان والهند. اشدهم عزيمة على استعماله وسيلةً سياسية : ايران ودول الخليج. أقدرهم على استعمال الحرب وسيلةً للدفاع عن المصالح النفطية : الولايات المتحدة.

في موضوع امن "اسرائيل"، تعتبر اميركا الكيان الصهيوني جزءاً من امنها القومي. اوروبا الاطلسية، ولاسيما فرنسا وبريطانيا والمانيا، لا تتوانى عن دعمه سياسياً وعسكرياً، والتنسيق مع اميركا في كل ما يتصل بالدفاع عنه ضد اعدائه بما فيهم قوى المقاومة الفلسطينية والعربية.
في موضوع ايران، تتصدر اميركا واوروبا و"اسرائيل" مناهضي تحوّلها قوةً اقليمية مركزية واحتمال تطورها الى دولة نووية بقدرات علمية وتكنولوجية للسلم او بأسلحة صاروخية متطورة للحرب. في السياق، تشاطر بعض الدول العربية النفطية تخوّفات اميركا واوروبا من "ايران نووية" وتدعم اجراءات تحجيمها سياسياً واقتصادياً وايديولوجياً.
في موضوع مناطق النفوذ، تتنافس اطراف الصراع على اسواق دول الشرق الاوسط ذات الكثافة السكانية والطاقات الاستهلاكية الواسعة، وفرص الاستثمار الاقتصادي الواعد، كما تتنافس على مواقعها الاستراتيجية الحاكمة من مضيق جبل طارق غرباً الى قناة السويس وباب المندب شرقاً الى مضيق هرمز شمالاً.
في موضوع الإسلام السياسي، تنظر معظم الاطراف، ولاسيما دول الغرب الاطلسي و"اسرائيل"، الى وصول بعض الحركات الإسلامية الى السلطة بريبة وقلق. فهي، وإن كانت نجحت في احتواء معطم الانتفاضات التي عصفت بدول العرب الافريقية، إلاّ انها تتخوف من احتمالات تبدّل مواقف قادة هذه الحركات والعودة الى تركيز اهتمامها على القضايا الوطنية والقومية التي تمثل، بأهدافها وبالقوى الراديكالية التي تحمل لواءها، تحديات مقلقة لها جميعاً. اكثر القضايا الوطنية مدعاة للقلق قضية فلسطين واتصالها، سياسياً واستراتيجياً، بتحديين بارزين هما المقاومة الفلسطينية والعربية للكيان الصهيوني من جهة، ومن جهة اخرى التحالف القائم بين قوى المقاومة وسورية وايران وانعكاساته على القضايا الاقليمية الاخرى.

يتصل بهذين التحديين، مستقبل العلاقات المصرية – «الإسرائيلية» في ظل صعود الاخوان المسلمين الى السلطة، وموقفهم من معاهدة السلام مع «اسرائيل»، ونمط تعاطيهم مع حركة حماس الإسلامية ونهجها الكفاحي في قطاع غزة وانعكاساته على مصر.

تنتظم هذه الصراعات في الشرق الاوسط وعليه حربٌ باردة متجددة ومتصاعدة بين روسيا واميركا. السبب ؟ شعورُ روسيا، (والى حد ما الصين)، بأن اميركا تمارس سياسة توسعية في المنطقة من شأنها النيل من مصالحها. لعل تجربة روسيا مع اميركا ودول الغرب الاطلسي في ليبيا قدمت لموسكو الدليل الساطع والدافع القوي لإعادة النظر في سياستها حيال اميركا في الشرق الاوسط. فقد ايدت روسيا قراراً لمجلس الامن بفرض حظر جوي على ليبيا القذافي، ظناً منها ان ذلك الموقف يؤمّن مشاركتها في ادارة الازمة وحماية مصالحها في مرحلة ما بعد القذافي، لتكتشف ان الحظر الجوي تحوّل حرباً مفتوحة على نحوٍ ادى الى اقامة نظام في ليبيا موالٍ للغرب الاطلسي، حُرمت معه روسيا سوقاً واسـعة لأسلحتها تُقدر بمليارات الدولارات. وعليه، قررت موسكو، مع اندلاع الازمة السورية وتخوّفها من ان يكرر الغرب الاطلسي في سورية ما فعله في ليبيا، الدخولَ على خط الازمة بقوةٍ الى جانب نظام الرئيس بشار الاسد. بذلك تحافظ على قاعدتها البحرية الوحيدة (طرطوس) في البحر المتوسط، كما تحافظ على سورية كسوق واسعة لصادراتها من الاسلحة، وكموقع استراتيجي لمنافسة اميركا واوروبا، سياسياً واقتصادياً، في المنطقة.

نشأت عن الحرب الباردة ظاهرة جديدة وفريدة هي التأثير البالغ لصراعات الشرق الاوسط في الاوضاع الداخلية للاطراف المتصارعين. تداعيات هذه الظاهرة تتجلى اكثر ما يكون في اميركا وفرنسا وروسيا وايران و«اسرائيل» ومصر.
في اميركا، يحاول الرئيس باراك اوباما الفوز بولاية ثانية في غمرة ازمة اقتصادية ومالية مازالت تعصف بالبلاد وتُضعف حظوظ حزبه الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية والتشريعية. ومع اضطرار اوباما الى إعطاء اولوية لمتطلبات المعركة الإنتخابية، يضيق هامش المناورة لديه في مجالات السياسة الخارجية وخاصةً في مناطق الازمات والتحديات، كالشرق الاوسط، حيث تخشى واشنطن ان تتطور الازمة مع ايران وفي سورية وفلسطين المحتلة الى مواجهات عسكرية. فلا اميركا قادرة على تحّمل تكلفة حروب مكلفة في كلٍ من الساحات آنفة الذكر، ولا الساحة الاميركية الداخلية تحتمل انشغالات خارجية ونفقات حروب مكلفة في عام الانتخابات.
حال اميركا، من الناحية الإقتصادية، تكاد تنطبق بصورة عامة على حال فرنسا ما حمل الرئيس نيكولا ساركوزي، في غمرة معركته الانتخابية، على احتواء تأثيرات صراعات الشرق الاوسط في اوضاع فرنسا الداخلية بإقصاء الخيار العسكري في تعامله مع الازمة السورية، وبالتركيز على خيار المفاوضات في التعامل مع ايران.
خلافاً لحال اميركا وفرنسا، تنعكس صراعات الشرق الاوسط بصورة ايجابية على فلاديمير بوتين الذي يستثمرها في معركته الرئاسية، مطلعَ الشهر المقبل، لتعزيز حظوظه. كيف ؟ بمواقف متشددة من اميركا واوروبا دفاعاً عن مصالح روسيا في الشرق الاوسط ما يثير إعجاب الناخبين الروس.
حال ايران تحاكي حال روسيا. ذلك ان القادة الإيرانيين يستميلون الجمهور، عشية الانتخابات التشريعية في الشهر المقبل، بمواقف متشددة حيال اميركا واوروبا و"اسرائيل" وذلك في التمسك بالبرنامج النووي من جهة، وبدعم سورية والمقاومتين الفلسطينية واللبنانية من جهة اخرى.

في "اسرائيل"، يقوم بنيامين نتنياهو باستغلال الصراعات الخارجية لتحقيق "انجازات" داخلية بابتزاز اميركا. كيف ؟ بإرجاء شن الحرب على ايران الى ما بعد انتهاء انتخابات الرئاسة لقاء سكوت واشنطن عن توسيع "اسرائيل" دائرة الاستيطان في القدس والضفة الغربية ما يؤدي الى نسف "حل الدولتين".
في مصر، تُربك صراعات المنطقة، ولاسيما في فلسطين وسورية، الإسلاميين عموماً والاخوان المسلمين خصوصاً. ذلك انهم ملتزمون ايديولوجياً بدعم قوى المقاومة الفلسطينية وفي مقدمها "حماس"، لكنهم يخشون من تداعيات هذا الدعم على علاقاتهم بالمجلس العسكري وبأميركا، وبالتالي تأثيرهما في مسألة بقائهم في السلطة وفي انتخاب رئيس الجمهورية المقبل.

هذه الحرب الباردة وصراعاتها المتفاقمة تؤثر بشدة في الاوضاع الداخلية للاطراف المتصارعين وتحملهم على احتواء التداعيات والاضطرابات بتصعيد الحرب الباردة لتفادي الحرب الساخنة.


2012-02-27