ارشيف من :ترجمات ودراسات

الموقف الأمريكي المزدوج في الأزمة السورية

الموقف الأمريكي المزدوج في الأزمة السورية
بقلم الدكتور سيد حسين موسوي
صحيفة إطلاعات الإيرانية


يستند موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية إزاء موجة الصحوة الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط الممتدة من شمال أفريقيا وحتى الحوض الجنوبي للخليج "الفارسي" منذ بداية الأحداث حتى اليوم على مبدأ مواجهة ردود الأفعال المتباينة لدول المنطقة والدول الغربية لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وردود الأفعال المتعلقة بالأزمة التي طالت سورية، إذ بمجرد أن وصلت إليها حتى أخذت شكلاً بارزاً، وإذا ما أردنا أن نصف ردود الأفعال هذه فإننا سنخلص إلى نقطتين: الأولى هي أن الدول العربية التي توصف بأنها معتدلة سعت حثيثاً منذ بداية التطورات السياسية السريعة في تونس ومصر كي تنسخ التسميات المصنوعة في الغرب، وأن تصف ما حدث بأنه ربيع عربي ضد الاستبداد بعدما تأكد لهذه الدول ـ ضمن تعاطي وسائل إعلامها ـ عدم وجود تشابه أو نقاط مشتركة بين الأهداف المخططة لهذه الأحداث مع المواقف والإستراتيجية الإقليمية للثورة الإسلامية الإيرانية.
لقد اغتنمت الدول الغربية وما تبقى من المحور المعتدل من الدول العربية فرصة بدء التطورات الداخلية في سورية، ذاك البلد المهم والعضو في محور المقاومة والحليف الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية كي تعوض عما لحق بالمحور المعتدل للشرق الأوسط من أضرار بالغة مع التركيز على الأوضاع الداخلية السوريّة حتى تضع ناتج هذه التطورات بصورة كل الأطراف لمحور المقاومة الذي تقوده إيران.
وفي تقويم للأسس النظرية التي تستند اليها إيران في دعمها ووقوفها إلى جانب سورية في أزمتها الحالية نقول التالي:
أولا: إن منطق الجمهورية الإسلامية الإيرانية من دعمها للحكومة والشعب السوري يستند إلى أسس هي في مجموعها جوانب متعددة للإستراتيجية الإيرانية خلال العقود الثلاثة الأخيرة حيث كانت الحكومة والشعب السوريان في الصف الأول من بين الدول والشعوب الذين دعموا الثورة الإسلامية وجوهرها المعادي للاستكبار والصهيونية، فضلاً عن كون الحكومة والشعب السوريين من أوائل الذين وقفوا إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الحرب المفروضة عليها من قبل نظام صدام حسين، ووقوفهم إلى جانب إيران رسمياً وعملياً في المحافل العالمية والإقليمية.

ولا ينبغي إغفال ان موقف سورية في الحرب المفروضة هو بمثابة صفعة مؤلمة لنظام صدام حسين، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، قَبِلَ الشعب السوري باستراتيجية المقاومة والتصدي إزاء سياسات المنطقة، كما لعبت الحكومة والشعب السوري دوراً مهماً في إيجاد وتقوية تيار المقاومة المناهض للصهيونية في فلسطين ولبنان، كما قادت جبهة المقاومة ضد السياسات التوسعية للكيان الصهيوني والولايات المتحدة وذلك بمساعدة وعون كل الأطراف في إيران.

هذه الحقيقة لا ينبغي تجاهلها، ولو أنه لم يكن ثمة جبهة مقاومة في المنطقة، فإن الكيان الصهيوني كان سيبسط أطماعه التوسعية حتى الخليج "الفارسي"، كما إن الحكومة والشعب السوريين بعد إخراج حركات المقاومة الفلسطينية من لبنان في الحرب الإسرائيلية فتحوا أحضانهم للمنظمات والحركات الفلسطينية المقاومة، فضلاً عن معارضتهما أيضاً لعملية "أوسلو" في العقد التاسع من القرن الميلادي السابق حيث تتابع 17 منظمة وفصيلة فلسطينية نشاطها في العاصمة السورية دمشق.

لقد كانت الاستراتيجيات والسياسات الإقليمية والدولية للحكومة السورية خلال العقود الأخيرة إزاء كثير من التطورات والأحداث مشابهة إلى حد التطابق المطلق لاستراتيجيات والسياسات الإقليمية الإيرانية، وفي المحصلة وبالنظر إلى المصالح الوطنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن وقوف طهران إلى جانب الحكومة السورية في أزمتها الحالية ضرورة إستراتيجية مع الأخذ بعين الاعتبار الآراء الموجودة بين اللاعبين العالميين والإقليميين.

ثانياً: إن الاختلاف الموجود بين تطورات الأوضاع في مصر وتونس وليبيا مع الأزمة الداخلية السورية، اختلاف جوهري وبنيوي من حيث المصير وما يتعلق منها بأهداف الشعوب المسلمة في المنطقة، لأن لا وجود لمنظمات أو أحزاب أو توجهات واضحة للدول مثل تونس ومصر بمثابة بديل لأنظمة زين العابدين بن علي وحسني مبارك، بل إن ثورة الشعبين التونسي والمصري كانت تتمتع بخصال شاملة ومحلية وغير مرتبطة، في حين أن الأزمة الداخلية السورية ليس لديها ميزة شاملة ولا محلية وذلك في ظل دعوة المجس الوطني السوري المعارض أيضا للتدخل في سورية بشكل مشابه للنموذج الليبي، فضلاً عن الحديث الواضح لجامعة الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية والمنظومة الغربية بضرورة تنحي بشار الأسد، ورسمها لسيناريوهات متعددة للتدخل في هذا البلد، في حين أن الجامعة العربية في حالة سكوت مطلق إزاء ثورة الشعب البحريني فضلاً عن دعمها لنظام آل خليفة، في حين أنها سلمت الأمور لعملية انتقال السلطة في الثورة الشعبية في اليمن، كما أنها وقفت إلى جانب نظام بن علي وحسني مبارك حتى اللحظات الأخيرة في وقت غير بعيد.

ولا يخفى على أحد سياسة الكيل بمكيالين للولايات المتحدة الأمريكية وعدم حيادية المنظومة الغربية لما يجري من تطورات في منطقة الشرق الأوسط، وتكفي الإشارة إلى أن زبيغنيو برجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر اعتبر أن سياسة واشنطن إزاء سورية والبحرين منافقة وباعثة للخجل، وأنها محصلة للمؤسسات المسيطرة على السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية.

في النتيجة يمكن القول إن ما يحدث في سورية ما هو إلا نتاج لسيناريو معد مسبقاً في العواصم الغربية وبموافقة ودعم مالي، وتغطية من الدول المتبقية من المحور المعتدل وبقيادة المملكة العربية السعودية، وذلك بقصد تعويض النتائج المتحصلة عن الخروج العملي لتونس ومصر من محور الاعتدال.

ثالثا: إن الجمهورية الإيرانية منذ الأيام الأولى لبدء الثورات العربية ومن لسان أعلى مقام إيراني، أي القائد آية الله خامنئي، بينت بشكل واضح أنها تدعم موجه الصحوة الإسلامية في المنطقة شريطة التمتع بصفة الاستقلالية والمعاداة للصهيونية ومناهضة التدخلات الخارجية، وفي هذا الإطار وطبقاً لهذه الرؤية فإن إيران ترحب بالتطورات التي حدثت في تونس ومصر وليبيا والبحرين باعتبارها ملتزمة ببعض أو كل من هذه الصفة المذكورة، وكما أنها تقف إلى جانب هذه المجتمعات ولكن استناداً إلى ما تم الحديث عنه ولأسباب سيتم ذكرها فإنها لن تقوّم الأحداث الداخلية السورية وذلك في إطار المزايا المذكورة.
في المقابل فإن جميع الدول الغربية وكل الدول العربية العضو في محور الاعتدال، قسمت بشكل واضح الثورات وموجات الصحوة الإسلامية في الشرق الأوسط إلى مجموعتين، الأولى سيئة والثانية جيدة! حيث قوّمت أمريكا ومجموعة من الدول الخليجية العربية أحداث تونس ومصر والبحرين على أنها سيئة وغير مفيدة ومضرة، وكما قالت السيدة كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية إنها أعلنت بشكل رسمي بعد أسبوع من ثورة الشعب المصري المسلم أن أسس نظام مبارك تتمتع بثبات يمكّنها من تجاوز الأزمة.

في حين أن وزير خارجية الإمارات أعلن أيضاً عن دعم مجلس التعاون الخليجي للنظام المصري، وذلك عقب لقائه حسني مبارك في القاهرة، ونفس الدول قوّمت الأحداث التي جرت في سورية وليبيا على أنها مفيدة وبناءة وديمقراطية فضلاً عن سعيها بكل ما أوتيت من قوة لأن تقطف ثمار هذه التطورات في تلك البلدان حتى بالتدخل العسكري، فإن أمريكا ودول مجلس التعاون الخليجي تطلب من المعارضة البحرينية أن تتساهل مع الحكومة وتقبل بالامتيازات في حين أنها تطلب من المعارضة السورية ألا تجلس الى الطاولة لتتفاوض مع الحكومة السورية!
النقطة المثيرة للسخرية في موقف أمريكا، أن واشنطن تعتبر نفسها محقة عند توصيفها للثورات بالجيدة والسيئة، وفي الحقيقة فإن موقف كل من طهران وموسكو وبكين ودلهي إزاء الأوضاع في سورية يشبه كثيراً موقف الولايات المتحدة الأمريكية إزاء ثورات الشعب المسلم في البحرين واليمن وفي وقت سابق غير بعيد لشعوب تونس ومصر، في حين أن أمريكا تعارض ثورة الشعب البحريني المسلم ضد ديكتاتورية آل خليفة حيث إنها تعتبر أنه في حال نجحت ثورة هذا الشعب، فإنه لن يكون بمقدورها أن تستضيف الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين؟

من ناحية أخرى فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولهذا السبب تعارض صفة وأسلوب التطورات في سورية لأنها تعتبر أنه في حال سقوط حكم بشار الأسد فإنه ستنهار إحدى القواعد المهمة والإستراتيجية لمحور المقاومة، وسيكون لهذه المسألة ـ لكونها إستراتجية ـ نتائج مدمرة على مستقبل المنطقة، لأنه وبناءً على ما ذكر آنفا فإن صراع سورية ليس صراعا من أجل الديكتاتورية أو الديمقراطية، بل إنه يعد صراعاً بين إستراتيجيتين في المنطقة، وصراعاً بين منطقين.
النقطة اللافتة أن الدول الخليجية العربية وقفت في صف واحد في دفاعها عن الديمقراطية بشأن سورية، ويكفي أن نشير بشأن السعودية، الى أنه بالتزامن مع موجه الصحوة الإسلامية في المنطقة فإنهم اعتقلوا بعض النسوة السعوديات بجرم قيادة السيارة، وينبغي هنا أن تكون كلّ من السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين جزءاً آخر من دول العالم بشأن دفاعها عن الديمقراطية.

ترجمة علي العبد الله ـ سوريا

2012-02-28