ارشيف من :أخبار لبنانية

إســــرائيـــل وبدائل الحرب الصاخبة ضد إيران

إســــرائيـــل وبدائل الحرب الصاخبة ضد إيران


مأمون الحسيني - صحيفة "الوطن" السورية

لم يحل الترحيب «الحذر» الذي أبدته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على لسان كل من هيلاري كلينتون وكاترين آشتون بالـ«خطوة المهمة» التي اتخذتها إيران في رسالتها إلى الأوروبيين حول استعدادها لاستئناف المفاوضات في شأن برنامجها النووي، وإعلان وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ، في مقابلة نشرتها صحيفة «ديلي تلغراف»، عدم تأييد بلاده فكرة «شن هجوم على إيران في هذا الوقت من أي جهة»، دون تصاعد حدَة النقاش في إسرائيل والولايات المتحدة حول إمكانية توجيه ضربة عسكرية لتقويض البرنامج النووي الإيراني الذي سجَل إنجازاً إضافياً من خلال تشغيل ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي جديد في منشأة نطنز الرئيسية لتخصيب اليورانيوم لها قدرة تخصيب بسرعة تبلغ ثلاثة أضعاف النموذج القديم، وتوجيه الرئيس أحمدي نجاد ببناء أربعة مفاعلات أبحاث جديدة لإنتاج نظائر مشعة لمرضى السرطان، كما لم يتمكن هذا الترحيب من التأثير على الضجيج الذي خلفه ارتفاع منسوب ما يمكن تسميته «حرب السفارات» وعمليات التفجير التي طالت نسختها الأخيرة مسؤولين إسرائيليين في عواصم الهند وجورجيا وتايلاند، والتخفيف من تداعيات عمليات استعراض منازلات القوة في مياه الخليج وبحر العرب والمتوسط الذي عبرت إليه مؤخرا، وللمرة الثانية خلال عام، سفينتان حربيتان إيرانيتان اتجهتا إلى الشواطئ السورية، في خطوة أثارت حفيظة إسرائيل، ودفعت وزارة الحرب فيها إلى الإعلان بأنها «تتابع من كثب مسار تنقلهما والتحقق من أنهما لن تقتربا من السواحل الإسرائيلية».

ومع أن القادة في إسرائيل حاولوا التقليل من أهمية الإنجاز الإيراني الأخير من خلال الزعم بأن إيران «تبالغ» في تصريحاتها بشأن الإنجازات النووية التي تعلن عنها، وأن ما تم «كان عبارة عن استعراض، وجزء منه لردع العالم عن ملاحقتهم»، وأنه ما زال أمام الإيرانيين «الكثير لفعله للوصول إلى الجيل الثاني أو الثالث من آلات الطرد المركزي»، إلا أنهم، في المقابل، جردوا حملة سياسية ودبلوماسية وإعلامية هستيرية ضد إيران التي اتهمت بتدبير عمليات التفجير، عبر «قوة القدس» التي تعتبر وحدة العمليات الخاصة في الحرس الثوري الإيراني، رغم اعتبار العديد من المحللين الإسرائيليين أن منفذي العمليات، أو أحدها على الأقل (تفجير نيودلهي) «ليسوا من الخبراء، وهم ليسوا من رجال «حزب اللـه» أو رجال «قوة القدس» الإيرانية، بل هم محليون ينتمون إلى مجموعات مساعدة محلية، بينما حرص وزير الحرب إيهود باراك، خلال زيارته طوكيو، على تكرار عدم استبعاد تل أبيب أي خيار ضد إيران، ودعوة المجتمع الدولي إلى «تسريع وتيرة تشديد العقوبات» على طهران قبل أن تدخل ما سماه «منطقة حصانة» تجعلها منيعة أمام أي ضربة تستهدف برنامجها النووي.

وبصرف النظر عن التداعيات المحتملة لعمليات الشد والجذب ما بين إيران وجبهة أعدائها على ضفتي الأطلسي وفي قلب الشرق الأوسط (الكيان الإسرائيلي)، فإن ثمة من يرجح الدخول في مرحلة جديدة من الصراع بين طهران وتل أبيب عنوانها عودة الاغتيالات والهجمات على مصالح الجانبين في الخارج. وإذا كان الاتهام الموجه لإيران بأنها بدأت هذا النمط العمليات للمرة الأولى في 18 تموز 1994 عندما تم تفجير السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين وتسويتها بالأرض، فإن لإسرائيل باعاً طويلاً في هذا المضمار بدأ منذ عقود عدة، وطال رموزاً وقيادات فلسطينية وعربية بالجملة، بما في ذلك اغتيال أبو جهاد الوزير والشيخ أحمد ياسين وفتحي الشقاقي وأبو علي مصطفى وسواهم، ناهيك عن عمليات التفجير والتخريب، رغم مرور فترات تهدئة وهدنة غير معلنة سرعان ما كانت تل أبيب تخترقها باستمرار. ولعل الأحدث، في هذا السياق، كان اغتيال القائد العسكري في «حزب اللـه» عماد مغنية في العاصمة السورية دمشق قبل أربع سنوات، والقيادي في «حماس» محمود المبحوح في دبي.

أما بخصوص إيران التي أعلنت الإدارة الأميركية عن امتلاكها زوارق سريعة يمكن أن تستخدم في عمليات انتحارية، سواء ضد معامل التحلية الخليجية، أم ضد السفن البحرية وحاملات الطائرات الأميركية، أو حتى في محاولة إغلاق مضيق هرمز، وتعطيل تصدير نحو 17 مليون برميل من النفط إلى العالم المستهلك، فبالإضافة إلى اغتيال إسرائيل أربعة علماء نوويين إيرانيين، تحت عنوان محاولة عرقلة البرنامج النووي الإيراني. يعتقد العديد من الخبراء أن مقتل الجنرال الإيراني حسن تهراني مغدم في الثاني عشر من تشرين الثاني الماضي في قاعدة عسكرية إيرانية جرى تفجيرها، كان من عمل الاستخبارات الإسرائيلية، وهو ما تداولته صحف عبرية قالت إن الموساد له يد في التفجيرات. والجنرال مغدم كان مسؤولاً في «الحرس الثوري» عن برنامج تطوير الصواريخ، وهو ما جعله يُصبح أهم رجل في المؤسّسة العسكرية الإيرانية. حيث يعود إليه الفضل في امتلاك إيران صواريخ باليستية يصل مداها إلى ألفي كلم. ونقلت صحيفة «زود دويتشه» الصادرة في ميونيخ الألمانية، عن مصادر استخباراتية غربية، أن تهديد الصواريخ الإيرانية بلغ مستوى تهديد الصواريخ في زمن الاتحاد السوفييتي، وأن نظام صواريخ «شهاب» تم بناؤها بالتقنية ذاتها، وهي جاهزة للاستخدام في أي وقت، بالإضافة إلى سهولة نقلها من موقع إلى آخر.

فضلاً عن ذلك، لم يقم أحد في إسرائيل بنفي المعلومات التي تضمنها تقرير بثته شبكة «إن بي سي» الأميركية حول تمويل وتدريب وتسليح الاستخبارات الإسرائيلية لمنظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة والمصنفة أميركياً وأممياً ضمن لائحة «المنظمات الإرهابية»، وذلك بعلم واشنطن التي كان مسؤولون فيها قد أعلنوا أن هذه المنظمة تنفذ الهجمات التي استهدفت علماء نوويين إيرانيين بدعم من إسرائيل، وأن إدارة الرئيس باراك أوباما على علم بحملة الاغتيالات ولكن لا علاقة مباشرة لها فيها. وهو ما يؤكد ما نقله تقرير الشبكة نفسها عن مستشار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية محمد جواد لاريجاني من أن ثمة علاقة قوية و«قريبة جدا» بين «مجاهدي خلق» وإسرائيل، وإشارته إلى أن الإسرائيليين يدفعون للمنظمة، وأن بعض عملاء هؤلاء يزودون إسرائيل بالمعلومات، كما يجندون ويديرون الدعم اللوجستي، فضلاً عن قيام جهاز الموساد بتدريب عناصر من هذه المنظمة في إسرائيل على استخدام الدراجات النارية والعبوات الصغيرة.

ما يمكن تلخيصه، هو أن تل أبيب تتهم إيران بشن «حرب اغتيالات» ضد مسؤوليها ومؤسساتها ومصالحها في الخارج، وطهران تتهم إسرائيل وحلفاءها الغربيين، ولاسيما الولايات المتحدة، بإدارة وتنفيذ أنشطة تجسس وعمليات سرية داخل إيران، كبديل للعمل العسكري الذي يمكن أن يتسبب بكارثة في المنطقة والعالم. وما يعزز توقع الجنوح أكثر فأكثر نحو هذا الطراز من المواجهات هو تلك المؤشرات البالغة الدلالة التي أثارتها قضية طائرة الشبح التجسسية التي أسرتها إيران، وضعف رد الفعل الأميركي خلال الاحتكاكات العسكرية التي حصلت بين الجانبين في الخليج، بما في ذلك إسقاط طائرات تجسس أميركية، وإرسال طائرات تجسس إيرانية لتصوير الأساطيل الأميركية، ونجاح طهران في تعطيل قمر اصطناعي أميركي، وفق ما نقل عن مصادر أوروبية، ناهيك عن مناورات الولاية ٩٠ البحرية الإيرانية وما جرى خلالها من تجارب وأحداث.

2012-02-29