ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا لو شُكلت لجنة تحقيق برلمانية بالمليارات الضائعة؟
نبيل هيثم -"السفير"
لن يقدم الرئيس فؤاد السنيورة قطع حساب أو أية كشوفات تحدد وجهة صرف الأحد عشر مليار دولار، وما زال متمسكاً بالمقايضة بينها وبين الـ8900 مليار ليرة المصروفة من وجهة نظره وفق القاعدة نفسها، وهو طرح لا يلقى قبولاً عند الطرف الآخر، ويعني ذلك أن الــسنيورة وفريق 14 آذار سيسعيان لتطيير نصاب جلسة الخامس من آذار النيابية، فيما يضع فريق الأكثرية أمامه تحدي إعادة اثبات الذات بتوفير النصاب في الجلسة نفسها.
لماذا يطرح السنيورة المقايضة في الوقت الذي يعلم فيه علم اليقين أنها مرفوضة سلفاً من قبل الفريق الآخر، ولماذا واكب محاولة رئيس المجلس النيابي نبيه بري إيجاد مخارج وتأليف لجنة مشتركة وزارية ـ نيابية بتصعيد سياسي استفزازي؟
من اللافت للانتباه أن البعض في الفريق المعارض يقر سرًّا بأن السنيورة لم يحسن إدارة معركته، وربما ارتكب خطأ تكتيكياً بالربط بين الاحد عشر مليار دولار والـ8900 مليار ليرة. وينقل عن احد النواب البارزين في 14 آذار قوله: «لقد كان هذا الأمر نائماً، فلماذا أيقظه الآن ليسلـِّف الاكثرية ربحاً مجانياً هي في أمس الحاجة اليه»؟
ازاء ذلك، يسجل قطب في الاكثرية ملاحظتين:
الاولى، «الهجوم الودي المفاجئ» من المعارضة على نبيه بري، والاحتكام الى «حكمته وحنكته» وما الى ذلك من اوصاف خلافاً لمنطق سعد الحريري الهجومي، في محاولة واضحة لاحتواء خطأ «ايقاظ المليارات» في اللحظة السياسية والحكومية والنيابية غير المؤاتية.
الثانية، محاولة «المستقبل» أخذ المعركة الى مكان بعيد عن ساحة المليارات والكشوفات والحسابات، وتجلى ذلك في مسارعة هذا الفريق للعب دور المفترى عليه في هذه المسألة، وتقديم نفسه بريئاً من دم «المليارات» وضحية «اتهام سياسي» من قبل الاكثرية.
وقد ظهر ذلك جلياً في اجتماع رؤساء ومقرري اللجان النيابية حيث عزف نواب «14 آذار» على هذا الوتر بضرورة وقف هذا الاتهام، خشية أن يرسخ في الذهن اللبناني صورة «فريق مرتكب وفريق شريف». واعتمدوا منطقاً إغرائياً عاطفياً شديد الهدوء في مقاربة هذه المسألة، ووصل الى حد إطلاق إشادة قواتية بـ«حزب الله» ودوره الوطني والمسؤول!
يقول القطب الاكثري نفسه إن لا وجود لاتهام سياسي على الاطلاق، وجل ما في الامر هو المطالبة بإيضاح وجهة صرف المليارات لا اكثر ولا اقل، وإنه لم يبدر عن اي مكون من مكونات الاكثرية، اي اتهام مباشر لا للسنيورة ولا اي احد آخر، وكل ما يقال لهم «إن كنتم تملكون الحجج والمستندات والكشوفات فلماذا لا تبرزونها».
ويستغرب القطب نفسه شكوى فريق «14 آذار» من الاتهام السياسي، خاصة انه لم تمح من ذاكرة اللبنانيين لا الاتهام السياسي الذي اطلقه هذا الفريق على سوريا بقتل الرئيس رفيق الحريري، ولا الاتهام السياسي لـ«حزب الله» بالجريمة ذاتها وما يزال البلد يعاني من تبعات هذا الاتهام انقساماً وتحريضاً وتوتيراً..
اذا كانت فرصة ايجاد مخرج قانوني مستحيلة، هل يستطيع السنيورة ان يبقى مصراً على عدم تقديم قطع الحساب، وهل ثمة إجراء قانوني ودستوري يلزمه بتقديمه، وهل يستطيع ان «يتمرّد» على المجلس النيابي؟
يقول احد الخبراء الدستوريين إن السنيورة ملزم دستوراً وقانوناً وعرفاً وسياسة واخلاقاً بتقديم الكشوفات للمجلس النيابي خاصة من موقعه الذي كان يشغله كرئيس للسلطة الإجرائية، اذ لا يجوز ان تتمرد سلطة على سلطة او تدير سلطة المال العام بمعزل عن السلطة الثانية، خاصة أن تقديم الكشوفات يقع في صلب الواجبات، والتمنع عن تقديمها يخضع الرئيس المتمنع لتهمة الإخلال بالواجبات المترتبة عليه (المادة 70 دستور)، إلا أن التركيبة الحالية للمجلس النيابي تحول دون إصدار قرار اتهام يتطلب غالبية ثلثي أعضاء المجلس النيابي.
ويحدد الخبير المذكور سبيلاً آخر، ملقياً الكرة بذلك على المجلس النيابي اذ بمقدور المجلس إذا ما قرر ان يتابع هذه المسألة ويكشف خفاياها، عقد جلسة نيابية خاصة حول المليارات، او جلسة استماع الى كل من السنيورة ووزير المالية في عهده جهاد أزعور ووزيرة المالية في عهد سعد الحريري ريا الحسن، بالإضافة الى وزير المالية الحالي محمد الصفدي للإدلاء بشهادته عن واقع الوزارة الذي ورثه، او تشكيل لجنة تحقيق برلمانية بصلاحيات قضائية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018