ارشيف من :أخبار لبنانية

الثورات العربية وضرورة التعددية

الثورات العربية وضرورة التعددية

عدنان السيد - "دار الخليج"

زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي إن تسامح المسلمين مع أهل المذاهب والديانات الأخرى كان ولا يزال أرحب من تعاملهم مع بعضهم بعضاً . وإن السياسة هي مبعث الصراع على السلطة لا الدين، ذلك لغياب آليات الشورى التي يمكن أن تنقل الصراع من مستوى العنف إلى الصراع السلمي الحضاري .

مما لاشك فيه أن هذا القول مهم وجدير بالاعتبار كونه يصدر عن زعيم حزب الأغلبية التي تحكم تونس في مرحلة ما بعد الثورة،فضلاً عن بروز الإسلاميين في مصر من خلال صناديق الاقتراع، وكذلك في ليبيا كما يبدو الشارع الليبي في غير مناسبة . ومن المرجح أن ظاهرة توسّع الإسلاميين في قيادة الحكم آخذة بالانتشار في الدول العربية وعدد من الدول الإسلامية .


إن هذا التوسع من شأنه أن يضع الإسلاميين أمام امتحان واقعي، يتمثّل في مدى قدرتهم على إدارة شؤون البلاد والعباد بعيداً عن العسف والقهر . أليست دوافع الثورات العربية تتلخص في مطلبي الحرية والعدالة؟ في الحكم، يتراجع الطرح الراديكالي أو الديماغوجي القائم على فكرة المعارضة، لتتقدم الواقعية السياسية المستندة إلى موازين القوى القائمة، وإلى نوع من البراغماتية النفعية التي تنتهجها مغانم السلطة . ولا نبالغ إذا قلنا إن تجارب الإسلاميين في الحكم لا تزال فتيّة، ولم يمض الزمن عليها، ولم تخضع لعوامل مؤثّرة فيها، مع ضرورة الإشارة إلى تفاوت هذه التجارب في ظروفها وطبيعتها .


في مطلق الأحوال، من الخطأ إقحام الدين في التنازع على السلطة، فالدين يعطينا إطاراً عاماً للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، بل للخير العام الذي يُعتبر جوهر الشريعة ومقصدها . ولا يجوز التلطي بالدين للوصول إلى السلطة، فالسلطة أياً تكن عناصرها هي صنيعة بشرية، أي أنها ليست مقدسة، ولا يجوز أن ترتقي إلى مرتبة القداسة . وعليه، فإن الأخذ والرد، والمرونة والتشدد، والمساومة والإملاء، هي من شؤون السياسة وإدارة شؤون الدولة .


تأسيساً على ذلك، لا نعتقد باستبعاد فكرة التعددية السياسية والحزبية تحت ذريعة الثورة، أو تحت عباءة الدين، طالما أن الخير العام هو الهدف . بل إن التعددية المنطوية على الديمقراطية هي من صميم الفكر الإنساني، وتلتقي في شكل أو في آخر مع مفهوم الشورى . وآن للفكر الإسلامي، وتالياً الفقه الإسلامي، أن يبدعا آليات الشورى أو آليات الديمقراطية وصولاً إلى احترام إنسانية الإنسان، وحقوقه وحرياته الأساسية .


مع التعددية السياسية، أي مع وجود موالاة ومعارضة، يصح القول بوجود ثورات عربية ذات أهداف حضارية جديرة بالتضحية والصمود . فما معنى استبدال حزب واحد، أو قوة سياسية واحدة، بقوة جديدة مهيمنة؟


ربما يقول الواقعيون إن هذا الانتقال من الأحادية إلى التعددية يفترض نضالاً مريراً، ووقوع تضحيات مادية وبشرية، وإن هذا التحدي يستلزم وقتاً . . . كل ذلك جائز، شرط أن يتابع العرب والمسلمون مسارهم الحضاري بعيداً عن الفتن وأسلوب الاستئثار بالسلطة .


2012-03-01