ارشيف من :أخبار لبنانية

كوفي أنان يُباشر مفاوضات صعبة حول سوريا بأفكار بريطانية في بدايةالربيع

كوفي أنان يُباشر مفاوضات صعبة حول سوريا بأفكار بريطانية في بدايةالربيع

جوني منيّر - صحيفة "الديار"

«طائف سوري» مستوحى من التجربة اللبنانية
الحلول باتت تحت سقف بقاء الأسد


منذ انتهاء مؤتمر تونس والمواقف الدولية تتوالى وتصبح اكثر وضوحا، ليس هنالك من امكانية لحل عسكري ضد النظام السوري ما يعني ضمنا وجوب البحث عن حلول سياسية مع النظام.
في مؤتمر تونس انسحب وزير الخارجية السعودي ما يعكس عدم رضاه عن المناخ العام السائد.

فالسعودية وقطر اعلنتا بوضوح تأييدهما لفتح ابواب تسليح المعارضة السورية. والمقصود هنا «شرعنة» هذا التسليح بعدما كان يحصل بصورة غير رسمية والسماح بإدخال نوعية جديدة من السلاح تصل الى سلاحي المدفعية والصواريخ اي السماح بإدخال سلاح نوعي.

وفي المقابل رفضت واشنطن بوضوح هذا التوجه، واعلنت على لسان وزيرة خارجيتها ان ولوج هذه المرحلة سيؤدي الى حرب اهلية وسط وجود القاعدة في صفوف المعارضين. ويعكس هذا الموقف الاميركي وجود قرار ضمني بعدم السماح بأخذ الوضع السوري الى حدود الفوضى وبالتالي التمزق ودخول المنطقة كلها في لعبة التفتيت وهو ما كان يخشاه كثيرون مع اندلاع الاحداث في سوريا.

وبذلك، بات الموقف الدولي اكثر وضوحا تجاه الازمة السورية. فالهجوم العنيف الذي كانت تتولاه فرنسا بشخص وزير خارجيتها ألان جوبيه، تراجع كثيرا مع دخول فرنسا في «غيبوبة» معركتها الرئاسية وسط تراجع خطوط اعادة انتخاب الرئيس نيكولا ساركوزي وهذا يعني ان باريس ستبقى منشغلة باستحقاقها الرئاسي الى نهاية شهر ايار فيما سيطلب الرئىس الفرنسي الجديد مهلة بضعة اشهر يقوم خلالها بتعيين اعضاء ادارته، وهذه المدة تبدو طويلة قبل العودة لمواكبة الاحداث السورية اي ان تأثير الضغط الفرنسي سيغيب طوال الاشهر القادمة. وفي موازاة ذلك عادت باريس وارسلت سفيرها الى دمشق الى مقر عمله، في خطوة هي الثانية من نوعها خلال الاحداث السورية ما يوحي ان ما تسعى اليه في هذه المرحلة هو ابقاء خطوط التواصل مع دمشق بعدما كانت اوحت مع خطوة سحب سفيرها ان زمن الكلام انتهى.

والكلام الاميركي الذي اعلن بعد انتهاء قمة تونس، لا سيما في موضوع القاعدة اعطى ما يشبه «التطنيش» الدولي على العمليات العسكرية التي كان يقوم بها الجيش السوري في حمص، وافقد المعارضة بعضا من التعاطف الدولي معها.

وبالتأكيد فإن لذلك خلفياته السياسية. ذلك ان الاوساط الديبلوماسية تروي بأن الدول الغربية التي وجدت نفسها امام اصطفاف دولي جديد بسبب الازمة السورية اعادت حساباتها بسبب المعادلة التي ارستها ايران: الخليج مقابل سوريا. لا بل ان طهران وجهت انذارات ميدانية في هذا الإطار رفضا لما كان يراهن عليه بعض الغرب بأن ايران ستنقذ انعطافتها وتبحث عن تسوية مع الغرب على حساب النظام السوري.

وتروي هذه المصادر ان لندن دخلت على خط الاحداث عندما ضغطت على واشنطن بوجوب عدم تجاوز الخطوط الحمر في الصراع السوري. ذلك ان الديبلوماسية البريطانية والتي تحظى بصوت مسموع في دوائر القرار الاميركية دقت ناقوس الخطر حيال المستوى العنفي الذي وصلت اليه الامور في سوريا وسط تعقيدات سياسية اقليمية ودولية. فلندن التي اشرفت على تقسيم حدود بلدان المنطقة يشكل فيه الكثير من الدهاء والمكر، وجاورت ما بين دول غنية ولكن صغيرة ودول فقيرة ولكن كبيرة، وجمعت ما يكفي من التناقضات الطائفية والمذهبية والقبلية والاثنية داخل كل دولة رأت ان المرحلة التي وصلت اليها الازمة السورية قد تدفع الى الغرق في فوضى الحرب الاهليةما سيؤدي الى سقوط الحدود القائمة بين البلدان ونشوء كيانات جديدة وفق تقسيمات جغرافية غير واضحة. وان معظم هذه الكيانات سيقع تحت سيطرة المتطرفين ما يُدخل المنطقة في أتون من العنف سيطال من دون شك منابع النفط في الخليج وبشكل يصعب معها السيطرة على الوضع.

وتكشف هذه الاوساط ان الديبلوماسية البريطانية بقيت على تواصل دائم مع موسكو وبدت متفاهمة معها، على ضرورة عدم ترك «الامور تذهب في اتجاهات اكثر تصعيدية». او بكلام اوضح عدم الانجرار وراء المطالبين بفتح ابواب تسليح المعارضة السورية بأسلحة نوعية، كون ذلك سيؤدي الى نشوء خطوط تماس داخلية وبالتالي المباشرة فورا في تفتيت سوريا.

وحثت لندن الادارة الاميركية بفتح ابواب التفاوض مع دمشق. ولم تتأخر اشارات التفاوض بالظهور، حيث جرى تعيين الامين العام السابق للامم المتحادة كوفي أنان مبعوثاً خاصاص للأزمة السورية. وفي لبنان جرى تعيين البريطاني ديريك بلاميلي كممثل الامين العام للامم المتحدة حيث سيلعب دوراً على مستوى الازمة السورية.

الاوساط الديبلوماسية ترجح ان يبدأ مشوار المفاوضات الصعب خلال اسابيع معدودة او في شهر نيسان كحد اقصى. لكنها ترى أن هذه المفاوضات ستطول، وحيث ستدور على وقع استمرار الاضطرابات في سوريا ولو وفق وتيرة محددة.

وانسجاما مع هذا الواقع، فان العاصمة البريطانية ترى ان العنوان الممكن للحل في سوريا لا بد أن يلحظ التجربة اللبنانية، بما يعني ذلك انجاز «طائف سوريا» لناحية توزيع السلطة في سوريا بين الطوائف بشكل مدروس ومعقول، وهي باتت تدرك ان اي حل بات تحت سقف بقاء الرئيس الأسد الذي يتمسك بالابقاء على سيطرته على الوزارات الامنية والعسكرية اضافة الى وزارة الخارجية.

وهو سيرسل اشاراته المعبرة في هذا المجال، من خلال التشكيلة الحكومية الجديدة المتوقعة، والتي ستضم للمرة الاولى وجوها من المعارضة السورية.
ولكن العواصم الغربية تسعى الى نظام سياسي جديد في سوريا يلحظ في بعض جوانبه مزيداً من اللامركزية. وفي المحصلة فان هذه العواصم تعتقد ان «الطائف السوري» من الممكن ان يرى النور قبل نهاية هذه السنة.

وفي حال سلوك الاحداث في سوريا هذا المنحى، فان التوقعات تشير الى انخفاض مستوى التوتر في بلدان الخليج، والى دخول لبنان مرحلة اكثر استقراراً، حيث يراهن البعض ان يلي «الطائف السوري» عمليةجراحية تجميلية للطائف اللبناني، بات بأمسّ الحاجة اليها، ينتج عنها نظاماً سياسياً جديداً يلحظ هامشاً اوسع للامركزية ادارية وسياسية.

اما في حال العكس، والشرق الاوسط يختزن في العادة مفاجآت غير محسوبة، فان المنطقة ستدخل في صراع مخيف، لن تكون الساحة اللبنانية بعيدةعنه، هذا اذا لم تكن في طليعته.

2012-03-01