ارشيف من :أخبار لبنانية

خبير قانوني يعلّق على حديث باراغوانث بشأن شهود الزور: اختصاص المحكمة لمحاكمتهم لا يحتاج لاتفاق جديد بين لبنان والأمم المتحدة

خبير قانوني يعلّق على حديث باراغوانث بشأن شهود الزور:
اختصاص المحكمة لمحاكمتهم لا يحتاج لاتفاق جديد بين لبنان والأمم المتحدة
علي الموسوي ـ "السفير"

لا توفّر المحكمة الخاصة بلبنان أيّة وسيلة للدعاية لنفسها محاولة الاستفادة من كلّ مواقع التواصل الاجتماعي أو التطوّر الهائل لوسائل الاتصال، ولم تعد تكتفي بالنصّ المكتوب، بل ركبت موجة الصوت والصورة في آن معاً، وهذا ما فعلته للمرّة الأولى عندما أطلقت عنان الحديث لمسؤولين فيها للإطلالة على الجمهور وتقديم أجوبة من وجهة نظرهم، لتساؤلات واستفسارات عن المحكمة وعملها، ثمّ تكرّر الأمر نفسه مع رئيس المحكمة الثاني القاضي السير دايفيد باراغوانث الذي رأى ضرورة أن يجيب شخصياً على أربعة أسئلة من أصل سيل من الأسئلة التي تتدفّق يومياً على المحكمة من غير جهة وشخص.


وأكثر ما لفت أنظار المراقبين واسترعى انتباههم في كلام باراغوانث الآتي على صهوة فيديو بثّته المحكمة على موقعها الإلكتروني الرسمي، أمس الأول، أيّ مع انطلاق الولاية الثانية للمحكمة والتي تمتدّ من الأوّل من آذار 2012 ولغاية 28 شباط 2015، هو ذلك المتعلّق بشهود الزور وتحديداً الفقرة الأخيرة من جوابه على سؤال عن إمكان نظر المحكمة في هذا الملفّ الضخم، حيث قال إنّه «إذا توصّلت حكومة لبنان إلى اتفاق مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يمنحنا الاختصاص للنظر في هذه المسألة، فإنّنا سنتولّى هذه المهمّة بالتأكيد، لذا لا يسعنا الفصل في هذه المسألة ما لم يتمّ ذلك الاتفاق».


وثمّة من يرى أنّ حديث باراغوانث يحتمل الخطأ، إذ أنّ اختصاص المحكمة الخاصة بلبنان لمحاكمة شهود الزور ليس بحاجة إلى أيّ اتفاق جديد بين الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية.
ويقول خبير قانوني متابع لعمل المحكمة إنّ موقف باراغوانث لجهة عدم اختصاص المحكمة لمحاكمة شهود الزور أو المفترين جنائياً، ليس موقفاً جديداً على الإطلاق، إذ سبق لرئيسها الأوّل الراحل القاضي أنطونيو كاسيزي أنّ أعلن ذلك على الأراضي اللبنانية في 5 شباط 2010، كما أنّ الناطقة السابقة باسم المدعي العام القاضي دانيال بيلمار التونسية راضية عاشوري صرّحت في مؤتمر صحافي عقدته في دار نقابة المحرّرين الصحافيين في محلّة الأشرفية في 17 تموز 2009، بأنّ السبب القانوني لعدم اختصاص المحكمة هو قاعدة عدم رجعية قانون العقوبات، كما أنّ نظام المحكمة الذي تعدّل للمرّة الأولى في 30 تشرين الأوّل 2009، أضاف الفقرة (ألف) إلى المادة 134 من قواعد الإجراءات والإثبات والتي تنصّ على معاقبة شهود الزور حتّى ولو كانت الشهادة حاصلة خارج قوس المحكمة، وقد أصبحت الفقرة (ألف) بعد التعديل الأخير في 8 شباط 2012، تحمل الرقم 60 مكرّر من القواعد المذكورة وتنصّ على التالي: «أيّ شخص يتمّ استجوابه من قبل أحد الفريقين أو نيابة عنه في ظروف لا تنصّ عليها المادة 152، يدلي عن وعي وإرادة بإفادة يعلم بأنّها كاذبة، ويعلم بأنّها قد تستعمل كدليل في إجراءات أمام المحكمة، شرط أن يُرفق بالإفادة إقرار صريح يقدّمه الشخص المُسْتَجْوَب بأنّه يدرك النتائج الجرمية المحتملة للإدلاء بشهادة كاذبة».


وبما أنّ شهود الزور، بحسب عاشوري، قد أدلوا بإفاداتهم قبل تعديل نصّ قانون الإجراءات، فإذا حفظت المحكمة اختصاصها، تكون قد أعطت النصّ الجزائي مفعولاً رجعياً، إلاّ أنّ موقف المحكمة غير متوافق مع القواعد العامة.
فشهود الزور سواء أكانوا شهوداً أم لا، بالمعنى التقني، هم أشخاص افتروا جنائياً على أربعة ضبّاط لبنانيين، وأعطوا لجنة التحقيق الدولية المستقلّة إفادات تدين هؤلاء الضبّاط بالمشاركة في اغتيال الحريري، وهذه تؤلّف جريمة الافتراء الجنائي وفقاً لقانون العقوبات اللبناني ويعاقب عليها بالمادتين 403 (فقرة 2 و3)، و408 (فقرة 2 و3) بعقوبة تصل إلى عشر سنوات سجناً.
إذن، إنّ إدانة شهود الزور بعد محاكمتهم سنداً للمادتين المذكورتين، ليس إعطاء مفعول رجعي لهاتين المادتين، لأنّ قانون العقوبات اللبناني صادر في الأوّل من شهر آذار سنة 1943، أيّ قبل أن يقوم مضلّلو التحقيق بالافتراء جنائياً على الضبّاط الأربعة، وهذا لا علاقة له بالنصّ الذي وضعته المحكمة في العام 2009.


فالمحكمة بحسب نظامها، تطبّق القانون اللبناني لجهة التجريم، أمّا بالنسبة إلى العقوبة، فإنّ نصّ المادة 60 مكرّر من قواعد الإجراءات والإثبات قد وضع عقوبة لتضليل التحقيق تصل إلى سبع سنوات، فهي إذن، أرحم من القانون اللبناني في ما يخصّ الافتراء الجنائي.
ومن المعلوم أنّه عند تنازع القوانين الجزائية في الزمن، فإنّ القاضي يطبّق على الجرم القانون الأرحم، وما دام الافتراء الجنائي مُجرَّماً في قانون العقوبات اللبناني بتاريخ إعطاء شهود الزور إفاداتهم، فإنّه يمكن للمحكمة الخاصة بلبنان أن تجرّم بعد المحاكمة، على أن تطبّق على من تدينه المادة 60 مكرّر لأنّها أرحم، من دون أن تكون قد أعطت لقانون العقوبات أيّ مفعول رجعي.


ويضيف الخبير القانوني أنّ محاكمة شهود الزور تدخل تحت الاختصاص الضمني للمحكمة التي اعتبرت نفسها صالحة وفقاً لهذا الاختصاص الثانوي، عندما اعتبرت نفسها صالحة، خلافاً لرأي القاضي بيلمار، للنظر بدعوى اللواء الركن جميل السيّد على بيلمار والرامية إلى تسليمه إفادات شهود الزور، لأنّ شهادات شهود الزور متلازمة مع جريمة الحريري لا سيّما وأنّ المحكمة الخاصة بلبنان هي الجهة الوحيدة التي تملك أصل إفادات شهادات الزور، وإذا لم تعتبر نفسها صالحة لمحاكمتهم عفواً، تكون قد منحتهم حصانة عملية ولا يستطيع أيّ قضاء وطني إدانتهم لعدم امتلاكه الأدلّة على جرائمهم، بحيث أنّ انعدام الاختصاص كما أعلنه كاسيزي ثمّ باراغوانث يؤدّي إلى خرق المحكمة للمادتين 5 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والملزم للمحكمة والذي انضمّ لبنان إليه في العام 1973، مع الإشارة إلى أنّ كلّ المواثيق الدولية ملزمة للمحكمة الخاصة بلبنان.


ويرى الخبير القانوني أنّ احتفاظ المحكمة حصرياً بإفادات شهود الزور يؤدّي عملياً إلى إفلات هؤلاء من العقاب، لأنّه في ظلّ غياب الأدلّة التي تحجبها المحكمة، فإنّه من المستحيل محاكمتهم، وتكون بذلك قد شجعت سياسة الإفلات من العقاب في ما خصّ المفترين جنائياً، بينما هي تشجّع على مكافحة ووضع حدّ للإفلات من العقاب فكيف يستوي الصيف والشتاء على سطح واحد؟
كما أنّه لا يوجد فرق من حيث قانون العقوبات اللبناني بين جريمة الاغتيال وجريمة الافتراء الجنائي، فكلتاهما جريمة ولا تفترقان إلاّ من حيث مقدار العقوبة التي يعود للمحكمة، مطلق محكمة، استنسابية تحديد مدّتها ومقدارها.


ما هو الحلّ لهذه المعضلة؟


يجيب الخبير القانوني بأنّ اختصاص المحكمة الخاصة بلبنان لمحاكمة شهود الزور ليس بحاجة إلى أيّ اتفاق جديد بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، وتستطيع المحكمة من تلقاء ذاتها أن تعيّن مدعياً عاماً خاصاً وتودعه كلّ إفادات مضلّلي التحقيق، وتكلّفه بإعداد قرار اتهامي يعرضه على قاضي الإجراءات التمهيدية، خصوصاً أنّه مضت على مطالبة اللواء السيّد بتسليمه تلك الإفادات، سنتان تقريباً وتحديداً منذ 12 أيّار 2010، ولم يستلمها كلّها لغاية الآن فعلياً، على الرغم من وضوح الحكم الصادر عن المحكمة لمصلحته في 7 تشرين الأوّل 2011، مؤيّدة قرار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين والذي يلزم بيلمار بتسليمها.
وما زال بيلمار يسعى إلى تمويت هذا الملفّ، إذ طلب في مذكّرة رفعها في 29 شباط 2012، أي في آخر يوم من ولايته، إلى غرفة الاستئناف في المحكمة، وقف تنفيذ قرار فرانسين بتسليم السيّد ما تبقّى من إفادات مطلوبة.

2012-03-03