ارشيف من :أخبار لبنانية

أسس التآزر بين مصر وإيران

أسس التآزر بين مصر وإيران

سمير كرم ـ صحيفة "السفير"

اذا كنت مصرياً وتعرضت لما تعرضت له مصر في الآونة الأخيرة من إهانة وطنية وقومية على يد النفوذ السياسي الاميركي على بلادك، فيما حدث من استهانة بالسيادة المصرية وبالاستقلال القضائي المصري، من اجل حرية عدد يقل عن العشرين من الاميركيين، فإنك لا بد ان تشعر بأن الولايات المتحدة استخدمت نفوذها على من يحكمون بلادك في ممارسة اعلى درجة من الفجور السياسي.

أياً كان ما ظننت، فإن الولايات المتحدة ربما تكون قد تعمدت إذلال الثورة المصرية ومؤسسات الحكم التي تمارس الحكم باسمها، ابتداء من القضاء الى المجلس الاعلى للقوات المسلحة الى مجلس الشعب الذي انتخبه المصريون حديثاً الى الاعلام المصري، وحتى الى الجماهير المصرية فرداً فرداً. وربما تكون قد اعتقدت ان الولايات المتحدة انما مارست ما اعتادت ان تمارسه على مصر طوال نحو اربعين عاما من حكم انور السادات وبعده حسني مبارك، فلم تعر اهتماماً بالتغيير الذي جرى في 25 يناير 2011، ومضت الى إجراء ما كان ليلفت نظر الحكام او المحكومين. وربما تكون قد اعتقدت ان الولايات المتحدة اكتفت - كما اكتفت منذ توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» برعايتها بين مصر واسرائيل- فاعتبرت ان العلاقة بينها وبين المؤسسة العسكرية المصرية، ممثلة في اعلى اجهزة السلطة فيها، تكفي لتجاوز كل مبادئ السيادة ومعانيها وضوابطها، لتجبر مصر على إطلاق سراح الاميركيين المتهمين باستخدام المال لشراء مجموعة من شباب المجتمع المدني ومنظماته، بينما بقي الشبان المصريون المتهمون بقبول هذا الترتيب القبيح غير القانوني في قفص الاتهام.

او لعلك اعتقدت، ان الولايات المتحدة ترى في حجمها الدولي الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي ما يبيح لها ان تضغط على اي كيان وطني قومي بحجم مصر، لتمكين مواطنين اميركيين من الإفلات من عقاب مستحق او غير مستحق، ففعلت ما فعلت بالضغط والتهديد او بالتلويح بالمكافأة، مالية او سياسية من اي حجم او نوع.

إن الولايات المتحدة مارست عدواناً مباشراً على سيادة بلادك. وإن الطرف او الاطراف التي قبلت بهذا العدوان الاميركي تبقى في حالة استحقاق للعقاب بحجم الجريمة، لا اقل ولا اكثر. والجريمة متعددة الاوجه. لكن الاخطر من هذا كله يتمثل في غياب -اوما يمكن ان نعتبره غياب - اسرائيل عن المشهد برمته. اذ لم يبد في اي لحظة من هذه اللحظات الحرجة التي انتهت بـ«تهريب»- أليس ما جرى اقرب الى التهريب -؟ الاميركيين بطائرة حربية اميركية الى خارج مصر، ان اسرائيل لعبت دوراً في هذه الماساة/المهزلة. فهل هذا صحيح؟ ولكن الحقيقة ان اسرائيل تابعت وبكل اهتمام هذا الحدث، وكان لها تأثيرها في اتخاذ القرار الاميركي بتوجيه صفعة الى مصر.

نتبين هذا من خلال الاتصالات الاميركية - الاسرائيلية التي جرت في هذا التوقيت الحرج بهذا الشأن، ونتبينه من خلال حرص اسرائيل على متابعة ما يجري في مصر من زاوية الاهتمام الاسرائيلية، وهي الزاوية المتعلقة اساسا بعلاقات مصر الثورة بمجريات الامور في المنطقة العربية. كان المحرك الرئيسي لاهتمام اسرائيل بالعلاقات المصرية - الاميركية يتعلق بما يمكن ان تتطور باتجاهه هذه العلاقات، وبالتالي ما تتطور نحوه مواقف مصر الثورة بالنسبة لقضايا المنطقة، ابتداءً من سوريا وإيران، وصولا الى علاقات مصر بما يجري في بلدان ما اسمي «ثورات الربيع العربي».

لقد تابعت اسرائيل باهتمام الضغط الاميركي على السلطات المصرية صاحبة القرار بشأن ما يجري في سوريا معتبرة ان مصر تأخرت كثيرا في اتخاذ موقف يرضي واشنطن بشأن احداث سوريا، الى ان صدر القرار المصري بسحب السفير المصري في دمشق. وهو القرار الذي ردت عليه دمشق بسحب السفير السوري من مصر وهو رد تلقائي ومتوقع. على اي الاحوال فإن اسرائيل أبدت لكل من القاهرة وواشنطن ارتياحها الى هذا القرار. ولم يكن رد الفعل الاسرائيلي هذا متعلقاً بسوريا قدر تعلقه بإيران. فالتقدير الاسرائيلي للخطوة المصرية اعتبرها تأكيداً لقرب موقف القاهرة من موقف واشنطن وتل ابيب إزاء إيران. فقد كانت تل ابيب في حالة توتر من احتمالات استئناف العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وطهران. وتدل مناقشات مؤتمر «لجنة الشؤون العامة الاسرائيلية الاميركية»- المعروفة باسم «الإيباك»، على ان الشأن الايراني كان يلعب دور الموجّه لهذه المناقشات. ان اسرائيل مقتنعة بأن احداث سوريا تقلق إيران وتأخذ من اهتمامها الكثير، ولكنها كانت تنظر بدرجة عالية من الايجابية الى ما بدا من احتمالات التقارب بين مصر وإيران. الامر الذي بدا في معالجات الاعلام المصري وفي تصريحات دبلوماسيين مصريين. ومن الطبيعي والمفهوم، ان هذه الاحتمالات الايجابية كانت تقلق اسرائيل وبالتالي اميركا. وبالتالي فكان تركيز الضغط الاسرائيلي - وضمنه ضغط اللوبي الصهيوني في اميركا ـ على الرئاسة الاميركية وعلى الخارجية الاميركية لدفع مصر بعيدا عن هذا القرار باستئناف العلاقات مع إيران.

وقد اعتبر المشاركون في مؤتمر «الإيباك» في واشنطن ان القرار المصري بشأن سوريا هو تأكيد لنتيجة مرجوة لضغط اميركي على صانع القرار في القاهرة بتأجيل - على الأقل - قرار العلاقات مع إيران. ومن الواضح، ان سيطرة الشأن الايراني على اسرائيل، ادت الى احتواء هذا الشأن لمناقشات اللوبي الصهيوني في اميركا في اقوى اجنحته التي تتمثل في «الإيباك». وبطبيعة الحال فإن الشأن الايراني في مؤتمر «الإيباك» كان اوسع مدى من العلاقات بين مصر وإيران. اذ لم تستطع هذه المناقشات ان تخفي حقيقة الاختلاف والخلاف بين اميركا واسرائيل، فيما يتعلق بتقدير كل منهما لضرورة او عدم ضرورة توجيه هجوم عسكري الى إيران، بهدف نسف البرنامج النووي الإيراني مدنياً كان او عسكرياً.

واذا كنت إيرانياً فلا بد أن يبدو لك هذا الحوار، نصف السري نصف العلني، بين واشنطن وتل ابيب بشأن ضرورة توجيه مثل هذا الهجوم الى ايران ذروة الفجور السياسي الاميركي - الاسرائيلي. ليس فقط لأن لعبة الخلاف بين أميركا وإسرائيل حول هذه النقطة الحرجة للغاية تبدو في بعض الأحيان جدية وتبدو في أحيان اخرى تمثيلية سقيمة، خاصة في وقت يبلغ فيه النفوذ الصهيوني على الحياة السياسية الاميركية في نقطة الذروة بسبب حملة انتخابات الرئاسة الاميركية. هذا هو الوقت الذي تحرص فيه الإدارة «الديموقرطية» الأميركية والمعارضة «الجمهورية» على إبداء أقصى درجات الميل الى قبول كل شروط اسرائيل، خاصة فيما تعتبره اسرائيل أمراً مصيرياً، او بتعبير السياسيين الابرز في حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية الاسرائيلية «الخطر الوجودي الايراني على اسرائيل».. اي الخطر الايراني على الوجود الاسرائيلي.

قد لا يتقرر مصير الخلاف بين اميركا وإسرائيل حول مسألة توجيه ضربة عسكرية الى إيران في مناقشات مؤتمر «الإيباك» في واشنطن. ولكنه قد يتقرر في اهم لحظات حملة انتخابات الرئاسة الاميركية. وأياً كان القرار - بالإيجاب او السلب - فإن اسرائيل تلح منذ شهور طويلة على معرفة موقف مصر من هذه الخطوة ضد إيران، تؤيدها او تعارضها. وقد كانت هذه النقطة محل مناقشات وثيقة بين القادة العسكريين الاميركيين الكبار، الذين زاروا مصر في الشهور الماضية، وبين المجلس الاعلى للقوات المسلحة المصرية. وبطبيعة الحال فإن هؤلاء القادة قد ابلغوا المجلس العسكري المصري بوجهة النظر الاميركية في هذا الشأن، وأبلغوه ايضاً بوجهة نظر اسرائيل.

ومن المؤكد ان يكون موضوع تأثير الازمة المصرية - الاميركية الاخيرة على موقف مصر في دائرة الاهتمام الاميركي والاسرائيلي خلال الفترة المقبلة. إلا أنه لن يفوت أياً من الاطراف إدراك حقيقة ان الموقف الرسمي المصري - كما يتمثل في المجلس العسكري - سيختلف بالتأكيد عن الموقف الشعبي لجماهير المصريين الذين تصاعد عداؤهم لأميركا وسياساتها في الأسابيع الأخيرة الى مستويات لم يبلغها منذ ستينيات القرن الماضي، منذ سنوات زعامة جمال عبد الناصر.

إن من المؤكد ان تتفاعل احداث العلاقات المصرية - الاميركية وأحداث الصدامات الاميركية - الايرانية الى اقصى درجاتها. وبالتالي فإن الهوة الواسعة بين الموقف الرسمي المصري من اميركا والسياسات الاميركية والموقف الشعبي المصري منهما مرشحة لأن تلعب دوراً مهماً في العلاقات بين مصر واسرائيل وفي تكوين الموقف المصري بوجهيه الرسمي والشعبي اذا تحققت التهديدات الاميركية - الاسرائيلية بتوجيه هجوم عسكري على ايران. ولقد قالت شبكة «بلومبرغ» الاخبارية الاميركية انه على الرغم من رفع حظر سفر الاميركيين العاملين في منظمات المجتمع المدني ومغادرتهم مصر فإن التوترات التي لم تحل بين البلدين لا تزال مرتفعة... وفي الوقت الذي حذر فيه المسؤولون الاميركيون من تداعيات محتملة زاد نظراؤهم في مصر من حدة الانتقادات الموجهة للولايات المتحدة بشأن تدخلها في مسألة تخص السلطة القضائية المصرية». وقالت وكالة «اسوشييتدبرس» الاميركية «إن قادة المجلس العسكري المصري يواجهون رد فعل عنيفاً بسبب سفر المتهمين الاميركيين في قضية التمويل الاجنبي».

وباستطاعة اي محلل سياسي او دبلوماسي ان ينظر الى الازمة الراهنة بين القاهرة وواشنطن باعتبارها وسيلة لتقدير حجم - وشدة - الازمة التي يمكن ان تنشأ بينهما في حال اقدمت الولايات المتحدة و/أو اسرائيل على مهاجمة ايران عسكرياً. قد يبدو الامران متباعدين، لكن ليس من زاوية الهوة بين موقف مصر الرسمي كما تعبر عنه قرارات المجلس الاعلى للقوات المسلحة والموقف الشعبي كما تعبر عنه ردود الفعل المتوقعة من جانب الجماهير الشعبية. ويتساوى هذا التقدير في حالة ما اذا وقع الهجوم على إيران قبل نهاية الفترة الانتقالية التي يمارس السلطة العليا خلالها المجلس العسكري او وقع بعد انتهاء هذه الفترة الانتقالية. ذلك ان نفوذ الولايات المتحدة على السياسة المصرية لن ينقضي تماماً بنهاية هذه الفترة الانتقالية في نهاية شهر حزيران/يونيو القادم.

إن رضوخ الولايات المتحدة للنفوذ الصهيوني فيما يتعلق بسياسات اميركا في هذه المنطقة يدفع بكثير من المصالح الاميركية فيها الى مآزق شديدة الحرج بحيث يبدو مستقبل النفوذ الاميركي معلقاً بالتخلص من هذا النفوذ الاسرائيلي على القرارات الاميركية. فإن اسرائيل تبدو وقد تبادلت المواقع مع الولايات المتحدة. نشأت اسرائيل في اواخر اربعينيات القرن الماضي كقاعدة عسكرية للنفوذ الاميركي في المنطقة. اما الآن فإنها تلعب الدور معكوساً، اذ تبدو اميركا في دور قاعدة للنفوذ الاسرائيلي في هذه المنطقة.

([) كاتب من مصر

2012-03-09