ارشيف من :أخبار لبنانية

عقدة الأسد

عقدة الأسد
محمد سعيد إبراهيم - صحيفة الوطن السورية

في العلوم الإنسانية والسيكولوجية هناك ما يسمى العقد النفسية التي تصيب الأفراد وتسيطر على عقولهم وعلى سبيل المثال (عقدة أوديب أو عقدة اليكترا) إلى آخر ما هنالك من عقد يفهمها المحللون النفسيون ويعرفون دوافعها وأبعادها. في بداية القرن الحادي والعشرين ظهرت عقدة جديدة لم تكن معروفة سابقاً اسمها (عقدة الأسد). بدأت تؤثر في عقول بعض زعماء وقادة العالم الحديث، وتقض مضاجعهم لدرجة أنهم أصيبوا بنوع من القلق المستديم والتوتر الشديد وتعرضهم للهستيريا أحياناً أخرى. فاستعانوا بأشهر الأطباء النفسيين في العالم علهم يجدون حلاً لهذه العقدة التي تؤرقهم، فكان الرد دائماً بأن الحل الوحيد هو استئصال هذه العقدة النفسية ولا علاج بغير ذلك.

دعونا نستجلِ أبعاد هذه العقدة وندخل في تفاصيلها لنستطيع فهمها بشكل واضح، بكل صراحة نقول: إن هذه العقدة هي الرئيس بشار الأسد التي أصابت أصحاب القرار في عدد من دول الاستكبار مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرهم من القادة الأوروبيين، وكذلك أصابت بعض الرؤوس العفنة في بعض الدول العربية وعلى رأسهم السعودية وقطر، فتعقدوا من هذا الرجل منذ أن تسلم زمام الحكم في سورية وبدءاً من أول خطاب وطني ألقاه في مجلس الشعب السوري، ثم ما تلاه من خطابات قومية في مؤتمرات القمم العربية المتعددة ما أثار حفيظة هؤلاء بما كانت تحمله هذه الخطابات من بعد قومي وعربي وفكر ثقافي واجتماعي وحضاري ونهج سياسي مخالف لتلك السياسات العربية الفاسدة والبعيدة كل البعد عن تطلعات وآمال الشعوب العربية والمرتهنة للنهج الامبريالي والصهيوني.

بدأ القلق يساور عقول هؤلاء وكأن عبد الناصر جديداً دخل المعترك السياسي على الساحة العربية وهذا يعني تغير إستراتيجيات المنطقة وكبح نفوذ الدول الامبريالية وانحسار دور الدول العربية الرجعية. فبدؤوا يتوجسون ريبة من هذا القادم ويضمرون الشر في نفوسهم. إذاً لابد من كبح جماح بشار الأسد قبل أن يتغلغل في عقول العرب ويوقظهم من سباتهم.

بدأت الولايات المتحدة الأميركية بالتحرك تجاه هذا الخطر عام 2003 عندما أرسلت وزير خارجيتها كولن باول إلى دمشق ليقدم له شروط الإذعان ويحد من عنفوانه، فكان الرد حاسماً وجريئاً بأننا لا نركع إلا لله تعالى ولا نقبل إملاءات من أحد.

صدمت الولايات المتحدة بهذا الرد الذي لم يتجرأ عليه أحد من قبل فبدأت تكيد له كيداً. في العام 2005 جرت عملية اغتيال رفيق الحريري في لبنان من قبل تلك الدوائر الغربية الصهيونية وكان أهم هدف من هذه العملية إلصاق تهمة الاغتيال بالرئيس بشار الأسد فمنذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها اغتيال الحريري خرجت الأبواق المعادية لتعلن أن بشار الأسد هو مرتكب الجريمة دون أي دليل يذكر فتدخلت الولايات المتحدة لتقتص من القاتل، بسرعة قياسية أنشئت محكمة دولية لمحاكمة مرتكبي جريمة الاغتيال فوجهت التهمة إلى الرئيس السوري مباشرة وبدأت التحقيقات والمشاورات والتهديدات علها تصيب مقتلاً. ولكن بحكمته المعهودة وبسياسته الحكيمة وقدرته على معالجة الأمور بكل روية أسقط ما بأيديهم من حجج واهية لدرجة أن الابن سعد الحريري اعترف بأن بشار الأسد بريء من هذا العمل الدنيء. فتراجع المدعون بعد إخفاق مؤامراتهم ليبحثوا في اتجاه آخر ينفذون منه إلى غاياتهم.

وبدأ الصراع يأخذ شكلاً مغايراً للعنف والتهديد والوعيد فجرى التفاهم بين ساركوزي وأوباما على استقطاب بشار الأسد والتقرب منه والعمل على تغيير نهجه وسياسته بما يخدم المصالح الغربية والصهيونية.

فكان الانفتاح الكبير على سورية وأصبحت دمشق محجاً للقادة ورجال السياسة في العالم وعلى رأسهم فرنسا ودعت الرئيس إلى زيارتها أكثر من مرة ودعته للانضمام إلى المنتدى الدولي لدول حوض المتوسط. وكذالك فعلت تركيا وارتمت بأحضان سورية الدولة الجارة والشقيقة والحليفة وبإيعازات أميركية انخرطت دول الخليج باللعبة وعلى رأسها قطر حيث أصبح أميرها ملازماً للرئيس الأسد وفي كل المحافل الدولية وهكذا جرت الأمور من حسن إلى أحسن كما يبدو للمتابع.

بهذه الفترة نفسها تحرك الرئيس بشار الأسد نحو العالم ليرفع من شأن سورية وعزتها وليجعل منها مركزاً للإشعاع الحضاري والفكري وموئلاً لدول العالم الصديقة التي تدعو إلى التحرر والتعايش السلمي بين الشعوب فخرج بنظرية ربط البحار الخمسة في القارة الآسيوية وهذا يعني التعاون بين الدول المحيطة بهذه البحار والتي تضم دولاً كالصين وروسيا والهند وإيران وتركيا وسورية وبعض الدول الأخرى.
وعلى الجانب الآخر من العالم وتحديداً أميركا اللاتينية وطد الرئيس الأسد علاقاته السياسية والدبلوماسية والتجارية مع هذه الدول وأصبحت رديفاً لسورية في توجهها.

فماذا كانت النتيجة من كل هذا الحراك العالمي. لم تستطع أميركا وأوروبا من أن تغير من مسار بشار الأسد قيد أنملة بل زادته تمسكاً بالمبادئ والقيم التي ينادي بها وأكثر عنفواناً في حل قضاياه الوطنية والقومية وهذا ما جعل قادة هذه الدول تتخبط في سياستها ومخططها المرسوم، وما زاد في استفزازها تلك السياسة التي يرسمها بشار الأسد من خلال نظرية البحار الخمسة هذه السياسة التي ستقود إلى تحالف عالمي جبار اقتصادي وسياسي وربما عسكري لاحقا فيكون مناهضاً لكل التحالفات الغربية الأميركية.

لذلك لم يطل شهر العسل مع سورية فانتفضت تلك الدول المتآمرة لتعيد حساباتها تجاه بشار الأسد، وهنا كان الربيع العربي قد بدأت تباشيره تلوح في الأفق وكان لزاما لتلك الدول أن تخطط من جديد لإدخال سورية إلى دائرة الربيع العربي وعندها ستصفي حساباتها مع رئيسها.

في ليلة وضحاها انقلبت تلك الدول المتآمرة رأساً على عقب، فبدأت فرنسا بمهاجمة بشار الأسد على أنه قاتل لشعبه والولايات المتحدة أصبح شغلها الشاغل سورية وأصبحت منابرها الإعلامية مخصصة للتهجم عليها وتركيا قلبت ظهر المجن وكأنها عدو لدود لسورية منذ عشرات السنين وضربت عرض الحائط بكل هذه العلاقات الأخوية، أما قطر فهي الأشد عدوانية، حيث سخرت جزيرتها لضرب سورية إعلامياً وفتحت خزائنها لتمويل الحرب القذرة عليها.

وهكذا ظهرت النيات الخبيثة لتلك الدول ضد سورية ورئيسها فبدأت بتغيير مسارها وسياستها وأخذت تحشد كل قواها السياسية والدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية دفعة واحدة لتكون الضربة القاضية التي تتخلص فيها من بشار الأسد ومن سورية القلعة الصامدة الشامخة وبدأت حرباً كونية لتتخلص من هذا الهاجس الذي يسيطر على عقولها ويؤرق تفكيرها، لكن صمود سورية بقيادة رئيسها أذهل المتآمرين وأوقعهم في حيرة وقلق رغم كل ما فعلوه من أعمال إرهابية وسفك للدماء السورية وتدمير للبنى التحتية ورغم كل ما قدموه من مال وسلاح وعتاد ورغم كل التجييش العالمي لمحاربة سورية لم يفلحوا بإسقاط سورية ولا بالقضاء على رئيسها لدرجة أنهم وصلوا أخيراً إلى مطالبته بالتنازل لنائبه وحتى لو بقي النظام قائماً، وهذا ما يشعرك بمدى حقدهم وكرههم لبشار الأسد الذي سبب لهم ( عقدة الأسد ) وبإذن اللـه ستبقى هذه العقدة تنخر في عقولهم إلى أن تقضي عليهم.
2012-03-11