ارشيف من :أخبار لبنانية
الجيش للمزايدين: لا لتصدير «الفتنة العابرة للحدود»
نبيل هيثم - "السفير"
لم تكن «النشرة التوجيهية» الصادرة عن قيادة الجيش اللبناني، يوم الجمعة الماضي، نشرة عادية، بل تميزت بصياغتها الدقيقة ولغتها غير المألوفة، ولم تتخذ طابعاً دفاعياً عن المؤسسة العسكرية ودورها، بل ذهبت أبعد من ذلك، بتقديمها شهادة حسن سلوك بالحكومة الميقاتية، حيال تعاطيها مع التطورات الاخيرة، ولا سيما الحدودية، حيث قالت قيادة الجيش ما كان ينبغي أن تقوله الحكومة عن الجيش وربما ما كان يجب على الحكومة ان تقوله بحق نفسها.
قدمت قيادة الجيش في نشرتها، تبريراً بدّد الالتباسات التي أحاطت بسياسة «النأي النفس» التي انتهجتها الحكومة حيال الحدث السوري، حيث أكدت قيادة المؤسسة العسكرية «ان السياسة التي اتبعتها الحكومة حيال التطورات الاخيرة انما تنبع من إدراكها حجم التحديات الطائفية والمذهبية التي باتت تحرّك الشارع العربي، وعواقبها الوخيمة في ما لو استفحل الامر وتطور الى صراع مذهبي».
وتعكس «النشرة التوجيهية»، استشعارا لحجم الأخطار الخارجية، وبالتالي كان لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها انطلاقا من نقطة القوة الكبرى التي تملكها المؤسسة العسكرية، والتي تتمثل في كونها «المؤسسة الجامعة»، لا بل عنصر الجمع الأبرز بين اللبنانيين، ما يعطيها الشرعية الوطنية والشعبية للتصدي لما يمكن أن يشكل خطرا على الوحدة الوطنية، لذلك، جاءت الصياغة محملة برسالة موجهة الى الأقربين كما الى الأبعدين، وتتضمن ترسيما واضحا لموقع الجيش إزاء تداعيات الحدث السوري سواء الآنية أو اللاحقة، وحدود الممكن والمقبول وحدود ما هو غير ممكن وما هو غير مقبول. وحدود ما يمكن السكوت عنه وتمريره وحدود ما لا يمكن السكوت عنه وتمريره، وصولا الى تحديد مجموعة خطوط حمر لا يمكن تجاوزها لأنها تمس بالامن القومي اللبناني.
ففي حدود الممكن، تدرك المؤسسة العسكرية تعقيدات النسيج اللبناني وتشعباته السياسية والمذهبية، وموجبات السير بين النقاط و«الإحراجات» حيال ما يجري من حول لبنان، كما أنها تعي جيدا أن هناك انقساما سياسيا في البلد حول الحدث السوري، وثمة تفهم لهواجس بعض القلقين داخليا وان هناك قوانين مرعية الإجراء تصون حرية الرأي والتعبير ضمن حدود القانون والمصلحة الوطنية، إلا أنها في المقابل تجد نفسها محكومة بالمسلمات والثوابت التي ارتكزت عليها «الرسالة العسكرية»، وهي:
اولا، ان العقيدة الوطنية للجيش اللبناني هي الخط الاحمر الاول والاخير بالنسبة الى المؤسسة العسكرية، وليس مقبولا أبدا المس بها تحت أية ذريعة أو عنوان.
ثانيا، ان التطورات الراهنة «كما التطورات المحتملة» كما جرى التعبير عنها في «النشرة التوجيهية»، جعلت الجيش يحذر من الأخطار الداهمة «بعدما صارت كلفة مراعاة هذا الطرف أو ذاك، أكبر على الجيش»... ولأن البلد اولا، لا مراعاة على حساب البلد وأمنه واستقراره، وما كان مسموحا بالامس، صار ممنوعا اليوم. وهذا هو عنوان حركة الجيش في المرحلة المقبلة، ومن هنا جاء تأكيد القيادة «ان الجيش لن يتراجع عن مسلّماته الوطنية ودوره الجامع، وأنه سيقوم بالخطوات الاستباقية كلها، ليضرب بيد من حديد اية محاولة لاختراقه أو للنيل من تماسك جنوده».
ثالثا، لن تقبل المؤسسة العسكرية أو تمرر أو تسكت على أي استهداف لهيبتها أو بنيتها أو التعرض لجنودها على غرار ما حصل في الآونة الاخيرة، وخاصة ممن يحتمون خلف حصانات لا تجيز لهم أصلا التعرض للجيش أو تنظيم عمليات التحريض والتعبئة والتجييش ضد المؤسسة العسكرية وقيادتها لمجرّد أن الوحدات العسكرية قامت بواجبها في ملاحقة المخلين بالامن وتوقيفهم، أو الكشف عن عمليات تهريب أو تسلل تتم عبر الحدود من شأنها أن تؤدي الى تمدد سريع للنار السورية في اتجاه لبنان.
رابعا، ان الخطر على لبنان مصدره الدائم إسرائيل، ومن موقعه كأحد أضلاع مثلث المقاومة يضطلع الجيش بدوره في حماية الحدود الجنوبية في مواجهة العدو الاسرائيلي، لكن ما لا يقل خطورة عن التهديد الاسرائيلي، هو الفتنة الداخلية التي حذر الجيش منها، فأولوية منع هذه الفتنة وترسيخ الامن الداخلي وحمايته، تعادل، لا بل ربما تفوق في أهميتها وضرورتها أولوية اضطلاع الجيش بدوره في حماية الحدود الجنوبية في مواجهة الخطر الاسرائيلي. ولعل ما دفع الجيش الى دق جرس الإنذار من جديد، تلك الظواهر التي تتبدى على مسرح الحدث الداخلي من مجموعة النافخين في النار أو النفاثين في العقد السياسية والمذهبية التي تطلق شرارات الشحن والتحريض والتعبئة من جهة، وكذلك «الفتنة العابرة للحدود»، إن على شكل تهريب سلاح ومسلحين وإيواء فارين من ألوان وأشكال مختلفة كما حصل بعد معركة بابا عمرو في حمص من جهة ثانية.
ولكن ماذا عن سوريا؟
لقد كان لسوريا موقعها الطبيعي في متن بيان الجيش بوصفها «الجار الأقرب»، مع ما لهذا العنوان من أبعاد، سواء على مستوى البلدين أو على مستوى الجيشين اللبناني والسوري. وثمة «ثوابت أساسية ومشتركة»، تندرج تحت هذا العنوان، يلخصها معنيون بالآتي:
ـ ان العلاقة المتداخلة بين لبنان وسوريا كما بين الجيشين اللبناني والسوري، في السنوات الاخيرة، سواء على مستوى التنسيق وتبادل المعلومات بما يحمي أمن البلدين، وكذلك المساعدة المباشرة كالتي تجلت في أحداث مخيم نهر البارد، والتي شكلت فيها سوريا السند الاساسي للجيش في هذه المعركة، فيما تمنَّع سائر العرب، ومن سُمح له بتقديم المساعدة آنذاك قبض ثمن القذائف والذخائر عداً ونقداً، فكل ذلك يوجب على الجيش اللبناني ان يكون معنيا بالقيام بما عليه من التزامات ثنائية وأخلاقية، وألا يقف متفرجا ومكتوف الايدي أمام سلسلة الظواهر التي تشهدها الحدود اللبنانية السورية، ولا سيما ما يحكى عن تهريب سلاح وتسلل مسلحين في الاتجاهين.
ـ كما ان الجيش اللبناني يرفض استيراد مسلحين من الأراضي السورية أو بالاحرى قنابل موقوتة متحركة، مثلما يرفض ايضا ان تكون الأرض اللبنانية محطة تصدير مسلحين للنيل من الامن السوري. وفي هذا السياق، تندرج الإجراءات الاحترازية التي نفذتها وتنفذها الوحدات العسكرية والتي تسفر عن توقيف كثيرين وضبط شحنات من الاسلحة المهربة.
ـ ان الجيش اللبناني يرفض أي تشريع لفوضى السلاح والمسلحين في لبنان، والخشية الكبرى لديه هي من تكرار سيناريوهات أمنية سابقة في هذا البلد كتلك التي حصلت في زمن الحرب الأهلية، وبالتالي فإن السكوت أو التراخي أمام تدفق المسلحين معناه توفير كل الظروف الموضوعية لكي تتدحرج «كرة النار» عبر الحدود في اتجاه لبنان، لتطيح، ليس الأمن الحدودي فقط، بل الامن الوطني اللبناني بأسره.
ـ ان القاصي والداني يعلم أن قرار الجيش هو مكافحة الارهاب وبالتالي أمام ما يقال عن طلبات أميركية أو غير أميركية فلا يجد الجيش نفسه إلا في موقع المواجهة لهذا الارهاب أيا كان مصدره أو شكله أو الاطار الذي ينضوي تحته، ولا مراعاة لأحد في هذا المجال.
لعل الفقرة الأهم في «النشرة التوجيهية» تلك التي تضمنت تحذيرا بالضرب بيد من حديد أي محاولة لاختراق الجيش أو النيل من تماسك جنوده وولائهم، وربما كان هدف البيان تمرير هذه العبارة غير المسبوقة في تاريخ بيانات الجيش منذ العام 1990 حتى يومنا هذا... هذه العبارة لا تأتي من الفراغ، ولكن الجيش قرر أن يكتفي بهذا القدر، في انتظار، مناسبة أخرى، يفضل ألا تأتي، «لقول كلام أكثر وضوحا».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018