ارشيف من :أخبار لبنانية
اختبار "القبة الحديدية" أم "حماس"؟
عصام نعمان-الخليج
كثرة في "إسرائيل" تساءلت عن الدافع إلى اغتيال قائد "لجان المقاومة الشعبية" في غزة زهير القيسي؟
الجواب الرسمي جاء من بنيامين نتنياهو: "لأنه كان يخطط لارتكاب اعتداء "إرهابي" يستهدف منطقة الحدود الجنوبية مع مصر، لكن مقتله شوّش التخطيط للاعتداء المذكور" .
نتنياهو كان استبق جريمته بإصدار أوامر تقضي بإغلاق الطريق على طول منطقة الحدود مع مصر تحسباً، كما زعم، من احتمال شن عمليات إرهابية انطلاقاً من تلك المنطقة . لكن أياماً عدة مضت من دون أن يحدث أي “اعتداء إرهابي”، لا في منطقة الحدود ولا في غيرها . ذلك دفع بعض المحللين والمعلقين والمراقبين “الإسرائيليين” إلى الظن بوجود دافع آخر لاغتيال القيسي، كما دفع بعضهم الآخر إلى التساؤل عمّا إذا كانت تكلفة “الاعتداء الإرهابي” المزعوم أكبر من تكلفة الأيام الأربعة لتساقط الصواريخ الفلسطينية على مستوطنات النقب المحتل .
قيل إن الدافع هو اختبار “حماس” . فقادة “إسرائيل” السياسون كما العسكريون كانوا يعلمون أن فصائل المقاومة سترد بالتأكيد على عملية اغتيال القيسي، لكنهم أرادوا معرفة ردة فعل “حماس” تحديداً كونها صاحبة السلطة في قطاع غزة، و”راعية” سياسة التهدئة الظرفية من جهة، ومن جهة أخرى لمعاناتها مخاضاً داخلياً بعد اضطرار قادتها إلى مغادرة دمشق والبحث عن مقر بديل . “حماس” لم تشاطر سائر الفصائل ردودها الصاروخية على العدوان، وإن كانت امتنعت عن ردعهم أو حثهم على تجنّب الرد .
قيل إن الدافع هو “تأديب” حركة “الجهاد الإسلامي” التي باتت حليف إيران الأول في غزة، وأن “إسرائيل” تريد اختبار قدراتها الصاروخية بعدما تردد أن طهران زودتها أنواعاً متقدمة منها . غير أن “الجهاد الإسلامي” اكتفت بإطلاق صواريخ غراد بغزارة وهددت بإطلاق طراز آخر من الصواريخ يصل مداه إلى نحو خمسين كيلومتراً .
قيل أيضاً إن ثمة دافعاً إضافياً وراء اغتيال القيسي والعدوان الواسع الذي أعقبه هو اختبار ردة فعل مصر بعد فوز جماعة الإخوان المسلمين، مرجعية “حماس” الأيديولوجية، بأغلبية المقاعد في مجلسي الشعب والشورى، وفعالية التنسيق القائم بين “الإخوان” والمجلس العسكري . الدافع الأكثر مقبولية في الوسطين السياسي والعسكري في “إسرائيل” هو اختبار منظومة “القبة الحديدية” المضادة للصواريخ قصيرة المدى، فماذا كانت النتيجة؟
مصادر الحكومة السياسية والعسكرية توحي بنجاح الاختبار بدعوى أن المنظومة الجديدة تمكّنت من إسقاط 85 في المئة من الصواريخ التي تساقطت على مستوطنات النقب . غير أن تعليقات المحللين السياسيين والعسكريين، وإن سلّمت بنجاح المنظومة فنياً، إلاّ أنها اعترفت بفشلها اقتصادياً . فالمعيار، بحسب آراء هؤلاء، ليس عدد الصواريخ التي أمكن إسقاطها بل التكلفة الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت عن تداعيات العدوان وتشغيل المنظومة طوال أيامه الأربعة الكالحة . في هذا المجال، جرى كشف الحقائق الآتية:
* أولاها، أن أكثر من مليون “إسرائيلي” يسكنون مستوطنات النقب المحتل اضطروا إلى ملازمة الملاجىء أربعة أيام دونما انقطاع، الأمر الذي شل الحركة الاقتصادية والاجتماعية .
* ثانيتها، أن الطلبة اضطروا إلى ملازمة منازلهم والملاجىء ما انعكس سلباً على الوضع التعليمي .
* ثالثتها، أن نتيجة اختبار “القبة الحديدية” لم تكن إيجابية بالضرورة، ذلك أن فصائل المقاومة، وفي مقدمها “الجهاد الإسلامي”، أطلقت صواريخ غراد وقذائف الهاون ذات السرعة البطيئة، الأمر الذي لم يُتح للقيادة العسكرية “الإسرائيلية” اختباراً كافياً للمنظومة . ثم إن “حماس” لم تشارك في ردة الفعل الفلسطينية ما حال دون معرفة ما تمتلكه من صواريخ أبعد مدى وأقوى سرعة . الأمر نفسه ينطبق على حركة “الجهاد الإسلامي” التي لم تطلق صواريخها الأبعد مدى وبالتالي حرمت “إسرائيل” من معرفة مدى قدرتها الحقيقية في هذا المجال .
* رابعتها، أن فصائل المقاومة الفلسطينية أطلقت خلال أيام العدوان الأربعة ما يزيد على 200 صاروخ الأمر الذي ينطق بدلالتين: امتلاكها مخزوناً ضخماً من الصواريخ، وقدرتها على الاستفادة من كثرة الصواريخ الممكن إطلاقها بحيث تنحسر معها فعالية منظومة “القبة الحديدية” . ربما لهذا السبب كثرة عدد الصواريخ المقذوفة لم تتمكن المنظومة من إسقاطها كلها . هذه الواقعة سيكون لها مردود سلبي أكبر بالنسبة ل”إسرائيل” عندما تقوم فصائل المقاومة بإطلاق صواريخ أبعد مدى وأقوى سرعةً .
* خامستها، أن صمود قطاع غزة، شعباً ومقاومة، واستمرار إطلاق الصواريخ أديا، في الواقع، إلى تراجع وزير الحرب إيهود باراك عن تهديده بإطالة مدة العدوان وبالتالي إجرائه اتصالاً مباشراً أو غير مباشر بمصر للتدخل من أجل وقف إطلاق النار، الأمر الذي استجابت له القاهرة ونجحت في حمل الطرفين على التزامه والتقيد به منذ منتصف ليل الاثنين/ الثلاثاء الماضيين . والجدير بالذكر أن “إسرائيل” شكرت مصر على توسطها بين الجانبين .
إلى ذلك، كشف اختبار “القبة الحديدية” حقيقتين إضافيتين: الأولى، أن باراك أعلن اعتزام الجيش نصب منظومة رابعة في النقب المحتل لمؤازرة المنظومات الثلاث القائمة، ما يدل على قصورها عن تأمين الحماية اللازمة للمستوطنات . الثانية، اعتراف لافت من صحيفة “هآرتس” المستقلة (13 3 2012) بأن القبة الحديدية “لا تشكّل بديلاً من وجود سياسة واضحة ( . . .) لذلك يجب أن تتوقف الحرب الدائرة في الجنوب فوراً . فهي لن تقضي على الإرهاب ولن تقلل من أهمية الخطر المتربص بنا في غزة . إن الحل يكمن في مكان آخر: في العودة إلى المفاوضات التي تتهرب منها الحكومة، محتميةً بالقبة الحديدية” .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018