ارشيف من :أخبار لبنانية
شعاع المقاومة يصل إلى قبرص
زيارة وزيرة الخارجية القبرصية إيراتو كوزاكو ماركوليس للبنان تحمل في طيّاتها رسائل ودلالات مهمة، يفترض بلبنان أن يتلقفها ويبني عليها، حيال مصالحه النفطية والغازية، وخصوصاً أن الجزيرة القبرصية هي إحدى الجهات الثلاث الأساسية التي تقاسم لبنان مخزوناً هائلاً من الغاز والنفط، في الحوض الشرقي للمتوسط.
تأتي زيارة ماركوليس في أعقاب زيارة رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، لقبرص مطلع الشهر الجاري، حيث عرض الملاحظات اللبنانية على الاتفاق البحري المبرم بين الجزيرة وإسرائيل في قطاع النفط والغاز، وتحديداً اتفاق الحماية والإنقاذ المتعلق بالمنشآت الغازية في عرض المتوسط، والذي جرى تفسيره إسرائيلياً على أنه نوع من الشراكة الاستراتيجية غير المسبوقة بين إسرائيل وقبرص، على حساب لبنان. المؤشرات الدالة في وسائل الإعلام القبرصية تشير الى أن زيارة ماركوليس تأتي ضمن سلسلة خطوات ستعمد إليها نيقوسيا في هذه المرحلة، لتنأى بنفسها عن أي نزاع أو مواجهة على الحقوق الغازية بين إسرائيل ولبنان، وخصوصاً أن مسؤولي تل أبيب استطاعوا في الأشهر القليلة الماضية، وتحديداً في أعقاب زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لقبرص، تحميل زيارته والاتفاقات الثنائية المبرمة بين البلدين، وإن كانت بالحروف الأولى، معاني ومضامين وصلت الى حد وصفها بالشراكة الاستراتيجية التي تتجاوز البلدين، باتجاه الدخول الى الأسواق الأوروبية، كوحدتين اقتصاديتين متلازمتين، في مجالات التنقيب والاستخراج والتخزين والنقل.
بالطبع، موقف وزير الطاقة والمياه، جبران باسيل، بأنه لا يمكن التوصل الى اتفاقيات مشتركة جديدة مع قبرص حول النفط والغاز، من دون حل مشكلة الحدود البحرية الخالصة، تعدّ إشارة جيدة ستلقي بظلالها على الموقف القبرصي، من أي نزاع محتمل، وتدفع نيقوسيا كي تسرّع إنهاء الملفات العالقة بين البلدين، وتحديداً خط النزاع «الثلاثي الأبعاد» بين لبنان وقبرص وإسرائيل، بعدما كادت رعونة الحكومة اللبنانية السابقة تضيّع الحقوق في منطقة لبنانية يقدر أنها تحتوي على مخزون كبير من الغاز والنفط.
تدرك قبرص أن الحقول النفطية والغازية الموزعة والمفترض أنها متداخلة على ضفتي الخط الفاصل بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص ولبنان، أكثر أهمية وفائدة اقتصادية من الحقول المتداخلة بين منطقتها الاقتصادية وإسرائيل. وإذا كانت نيقوسيا معنية بالتوصل الى اتفاق تعاون مع إسرائيل على حقول البلوك 12، المتداخل مع الحقول الإسرائيلية، إلا أنها معنية أيضاً بالتوصل الى اتفاق مع لبنان، إزاء تداخل حقوله مع ثلاثة بلوكات قبرصية كبيرة جداً، هي: البلوك 13 و9 و3، حيث يقدر المخزون الغازي والنفطي فيها بأضعاف المخزون المقدر في البلوك 12 وحقل لفيتان الإسرائيلي المتداخل معه. من هنا، كان الموقف اللبناني صحيحاً في ربط الاتفاقات المستقبلية مع الجزيرة بموقف قبرصي يتيح للبنان إنهاء نزاعه مع إسرائيل، حول الخط الإسرائيلي المائل الذي يقضم مساحة معتبرة من مياهه الإقليمية، ومنطقته الاقتصادية الخالصة، وما تتضمنه من ثروات نفطية دفينة.
مع ذلك، يبدو أن تحليل المواقف والتصريحات التي رافقت زيارة الوزيرة القبرصية للبنان وأعقبتها أهملت أهم ورقة في يد لبنان، والتي كانت كافية لدفع القبارصة إلى التزام سياسة النأي بالنفس عن إسرائيل، والاجتهاد في تبديد الصورة التي كوّنها الإسرائيليون عن شراكتهم الاستراتيجية مع قبرص، على حساب لبنان. إمكانات لبنان وقدراته، وتحديداً الدور الذي تلعبه المقاومة وسلاحها في الدفاع عن مصالحه حيال أي اعتداء خارجي، تعطي مفاعيل إيجابية وحاسمة لتحقيق المصلحة اللبنانية وصونها، ومنها ما هو ناتج من نظرة الآخرين الى قدراته الدفاعية، الأمر الذي يدفع الجميع الى مراعاة هذا المعطى، في أي مقاربة للبنان، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية. وبالطبع، لا تشذ عن ذلك قبرص، التي وإن كان لا يمكن وصفها بالدولة المعتدية، فهي صديقة تاريخية للبنان، لكنها، كما أي دولة أخرى، تبقى محكومة لمنطق المصالح القومية، مهما كانت مقدماتها ونتائجها، وبالتالي ما كانت لتعتني بالموقف اللبناني، كاعتنائها الحالي به، لو لم يكن قادراً على الدفاع عن مصالحه، تجاه أي اعتداء عليه، أو تجاه أي شراكة في الاعتداء عليه.
وجود سلاح المقاومة يكفي في بعض الأحيان، من دون الحاجة الى استخدامه، أو حتى التلويح به، كي يحقق مفاعيله الدفاعية، استناداً الى حضوره لدى الطرف الآخر، سواء كان عدواً أو صديقاً أو حليفاً أو محايداً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018