ارشيف من :ترجمات ودراسات

عندما يبلع باراك.. لسانه

عندما يبلع باراك.. لسانه

حسان ابراهيم
منذ أشهر طويلة، وعد وزير الحرب الاسرائيلي، إيهود باراك، الاسرائيليين والعالم، بان "ايام الرئيس السوري بشار الاسد باتت معدودة"، وشدد في حينه، على ان سقوط الاسد "مسألة اسابيع"، ليس الا. مرت الاسابيع، بل والاشهر ايضا، تخللها إعادة إطلاق الوعد، من قبل باراك نفسه، وأكثر من مرة، رغم اتضاح الشك في حديثه، حتى لدى الاسرائيليين انفسهم. لكن بدا باراك مصرا اصرارا غير مسبوقا لجهة اطلاق تقديراته، الا ان الوعد لم يتحقق، وها هي الاسابيع تمر، بل والاشهر ايضا، على استحقاق الوعد، في حين ان باراك عاد والتزم الصمت ولم يتحدث عن الموضوع، وكأن "القطة قضمت لسانه" في الموضوع السوري.
طوال العام الماضي، ومنذ ان بدأت الازمة السورية، كان العدو الصهيوني السباق الى لعب دور المحلل السياسي والمستشرف للوضع في سوريا. ويكاد لم يبق مسؤول او محلل او "خبير" في الكيان الغاصب الا وادلى بدلوه في اطلاق التقديرات، المتفائلة بطبيعة الحال من ناحية "اسرائيل"، قياسا بالامال المعقودة على
 "هآرتس" كشفت فيه ان خلافا داخل المؤسسة الامنية الاسرائيلية، وتحديدا داخل محافل التقدير فيها، حول ما يجري في سوريا ومآلاته..الاغلبية ترى بان سقوط الاسد بات واقعا ومحافل ترى ان النظام في سوريا سيتجاوز الازمة
الهجمة ضد النظام في سوريا. وتخلل العام الماضي ثلاث هبات اعلامية في "اسرائيل"، على أقل تقدير، مصحوبة بتصريحات ومواقف، نعت النظام بشكل نهائي، ولم يبق الا "رحيل الاسد"، بحسب تعبير احد التقارير الاسرائيلية في حينه. لكن الهبة كانت تخمد لتعود لتثور من جديد، ثم لتعود لتخبو. وفي هذا المشهد، بدى واضحا ان  جهة تحريك الاعلام الاسرائيلي وإطلاق المواقف، هي واحدة في كل مرة، ولا يبعد ان تكون المؤسسة الامنية الاسرائيلية هي التي تقف ورائها، خاصة انها تخدم، بصورة او باخرى، الهجمة ضد سوريا، وتساهم الى حد ما، في اعطاء جرعات معنوية اضافية عما تتلقاها ما تسمى بالمعارضة السورية، وتحديدا في الاوقات التي شهدت عراقيل سياسية وميدانية، تلقتها هذه المعارضة من الداخل ومن الخارج على حد سواء.
لم يشذ عن السياق الاسرائيلي، سوى عدد قليل جدا من "الكتبة" الاسرائيليين، الرافضين للقراءة الاسرائيلية شبه الرسمية، بأن النظام السوري ساقط لا محالة. لكنها بقيت كتابات شاذة لم تلق اهتماما، وجرى ردها الى صفحات الاراء، منعا لها من ان تكون ناطقة او معبرة، عن وجهة نظر الاعلام الاسرائيلي.
سبق وعود باراك المتكررة، خبرا اورده صحيفة "هآرتس" في شهر أيار/ مايو الماضي، كشفت فيه ان خلافا داخل المؤسسة الامنية الاسرائيلية، وتحديدا داخل محافل التقدير فيها، حول ما يجري في سوريا ومآلاته. بحسب الصحيفة، فان الاغلبية ترى بان سقوط الاسد بات واقعا وذي معقولية مرتفعة، الا ان جهات ومحافل واصلت، ودائما بحسب الصحيفة، الاصرار على ان النظام في سوريا سيتجاوز الازمة، مع التشديد على ان الاسد سيخرج منها سالما، بل واقوى مما كان عليه.
هذا "الكشف"، عاد وطُمس، ولم يأت على ذكره أي مراسل اسرائيلي، بل ان جرت المحافظة على السياق العام، والوعد، كما باراك، بسقوط النظام. الكلمات والعبارات الشائعة، الى حد الملل، لم تكن تحيد عن عبارات باتت روتينية، في اي تقرير او تحليل، بل وايضا التقارير الاخبارية، التي كانت تشبه الى حد التطابق، مع عدد من الوسائل الاعلامية العربية التي اعلنت العداء للنظام في سوريا.. من هذه العبارات: المسألة في سوريا ليس ان كان النظام سيسقط، بل متى يسقط؟؛ انها مسألة وقت وحسب، تفصل الجميع عن سقوط النظام في سوريا؟ الاسد فقد شرعيته، وهو في منحدر سيودي به الى ما حل بالقذافي؟... بل ان التحليل الاسرائيلي تجاوز بالفعل مسألة سقوط النظام، باعتبارها تحصيل حاصل، باتجاه استشراف التداعيات السلبية على محور المقاومة، والاسهاب كثيرا في شرح الفوائد العائدة لاسرائيل، نتيجة لسقوط الاسد.
في المرحلة الحالية، وتحديدا منذ اسابيع معدودة جدا، اختلفت المقاربة الاسرائيلية حيال ما يجري في سوريا.. عدد من المسؤولين الاسرائيليين، ومن بينهم باراك، بلع لسانه، وكل المقابلات التي اجراها اخيرا، كانت تخلو من المسألة السورية، الامر الذي يشير الى ان الابتعاد عن سوريا في هذه المقابلات، كان مقصودا، خاصة ان اول سؤال قد يخطر ببال اي صحافي يجري معه مقابلة، هو السؤال عن الموضوع السوري، وعن الاسابيع الموعودة التي اطلقها واصر عليها في السابق.
في المرحلة الحالية، وتحديدا منذ اسابيع معدودة جدا، اختلفت المقاربة الاسرائيلية حيال ما يجري في سوريا.. عدد من الخبراء والمحللين، حولوا مقاربتهم للمسألة السورية من تبني التقدير بان النظام ساقط لا محالة، الى البحث عن الاسباب التي منعت سقوطه..
عدد اخر من المسؤولين الاسرائيليين، وايضا الخبراء والمحللين، حولوا مقاربتهم للمسألة السورية من تبني التقدير بان النظام ساقط لا محالة، الى البحث عن الاسباب التي منعت سقوطه.. وفي ذلك تحوُّل، يشير الى ردة الى الخلف، وتبني تقدير اكثر معقولية عن التقدير السابق.. علما ان في ذلك، كثير من الرؤية غير التحليلية للامور، لا اكثر.
في تحليل اكثر تعمقا للمقاربة الاسرائيلية للازمة في سوريا، قد يكتشف المراقب جملة من العناوين، المغايرة تماما لما ارادت "اسرائيل" ان تظهره خلال الاشهر الماضية.. ومنها:
رغم ان المقاربة الاسرائيلية، بدت، او اريد لها ان تبدو، على انها مقاربة تحليلية بامتياز، تستند على مجموعة من المعيطات والبناء على السوابق، وتحديدا في ساحات عربية اخرى اودت بالانظمة، الا انها كانت في نفس الوقت، مبنية على كثير من الامال، وخاصة ان عدد من الساحات العربية لم تكن تشبه او تقرب، في معطياتها من الواقع السوري.
بدت اسرائيل وكأنها تسقط امالها على تقديراتها، مركزة على المصلحة الاسرائيلية من اسقاط النظام في سوريا، اكثر من كونها تركز على تحليل المعطيات، وفي ذلك تجاوز لركائز اساسية في التقديرات والمآلات، على نقيض لكثير من التقديرات الاسرائيلية السابقة، ما يشير الى نوع من القصد في اظهار هذه المواقف.
بدى واضحا ان السياق الاسرائيلي، كإطلاق المواقف "المتفائلة" حيال المشهد السوري، بما يجمع ايضا التقارير المبثوثة والمكتوبة، جُلعت اداة طيعة في أيدي المعارضين، علها تؤدي قسطا من المساعدة والدعم لاعلاء شأنهم، وتوفير جرعات معنوية تفيد في الهجمة التي يخوضونها ضد النظام في سوريا.
في كثير من المحطات، خلال العام الماضي، كانت "اسرائيل" تسارع الى تضخيم الوقائع، واختلاق الكثير منها، بشكل يزيد كثيرا عما يجري تضخيمه وفبركته في المحطات العربية المناوئة للمحور المقاوم.. الامر الذي كان واضحا جدا في مقاربة الجهتين، بحيث ان كل منهما (المحطات العربية المناوئة)، والوسائل الاعلام الاسرائيلية، غذت بعضها البعض، وبطبيعة الحال، من دون الاعلان عن ذلك، لكنها كانت واضحة لمتابع الشاشات في كلا المشهدين، بين "اسرائيل" وبعض الدول العربية المعادية للنظام في سوريا.
الى اين وصلت المقاربة الاعلامية الاسرائيلية في زمن توضّح انكسار الهجمة على سوريا؟ السؤال ما زال مطروحا، لكن الاجابة عليه قد تبدو واضحة، وتحديدا في الايام القليلة الماضية، رغم ان الانكسار العلني، انطلق في اعقاب سقوط المسلحين في حمص.. اذ ان المسؤولين الاسرائيليين، والمحللين والمراسلين والخبراء، باتوا اشبه بمن سقط على رأسه صاعقة، مع وضع اليد على الصدر، وطأطأة الرأس، والتحول من مبشر بسقوط النظام والبحث عما يليه من تداعيات جيدة وذات فائدة لتل ابيب، الى البحث عن مسببات الانكسار، وكثير من الصراخ والعزاء، لامال باتت مفقودة.
الأمل بلا أفعال، غير مقدور عليها للتعذر، ليست الا سراب، لن يجديها نفعا

هذا هو المشهد الاسرائيلي الاخير.. فهل تبدأ المشاهد المعادية الاخرى، وتحديدا لدى عدد من الدول العربية بمحاكاة الاسرائيليين؟
سؤال مشروع، وواقعي جدا، فمن قام بتقليد ومحاكاة في كلا الاتجاهين، بين وسائل إعلام تل أبيب ومواقف مسؤوليها، وبين وسائل إعلام عدد من الدول العربية ومواقف مسؤوليها، لن يستغرب ان تنتقل عدوى الاحباط في المرحلة المقبلة، لدى عرب الخليج تحديدا، من السر الى العلن، ليبقى المشاهد العربي من على الضفتين، في مشهد آخر، يشبه مشاهد العزاء والنحيب على ماضي وآمال ذهبت أدراج الرياح.. في زمن فقدان الخيارات والقدرات الفعلية على تغيير البيئة الاستراتيجية السيئة لـ"اسرائيل"، لا يبقى امام تل أبيب سوى الأمل، الا ان الأمل بلا أفعال، غير مقدور عليها للتعذر، ليست الا سراب، لن يجديها نفعا.
2012-03-19