ارشيف من :ترجمات ودراسات

الغرب في الاختبار السوري

الغرب في الاختبار السوري
بقلم أبو القاسم زاده
صحيفة اطلاعات الإيرانية

تعبتر الأزمة السورية بالنسبة للدول الغربية مسألة معقدة، وفي حال أننا أخذنا بعين الاعتبار آراء الطرفين في بحثنا للشأن السوري، فإننا سنجد بأنه ثمة طرف مع حكومة مستقرة لـ"بشار الأسد" التي ما زالت إلى الآن تحظى بدعم أكثرية الشعب السوري، وطرف آخر يرى أن حكومته ناشئة من نظام ذي حزب واحد (حزب البعث السوري) الذي ليس لديه برنامج عمل يمكن القبول به في احترام الحريات المدنية للشعب، إضافة إلى تمتعه بسلطة أمنية أوسع من قانون إدارة الدولة السورية.
يعرف عن سورية بأنه بلد مواجه ومقاوم لإسرائيل، وهذا ما يعتبر أصل وأساس إيمانها ومبادئها "الكرامة الوطنية"، ولا يزال جزء من أراضي الشعب السوري محتلاً (مرتفعات الجولان) من قبل الكيان الصهيوني، وما زال الشعب يؤمن أيضا بأنه قدم الكثير من الشهداء في السنوات الطويلة في مجابهته لإسرائيل كي يدافع عن هويته العربية ووطنيته.
إن المقاومة ليست شعاراً سياسياً للحكم في سورية، بل إنها اعتقاد وإيمان لشعبها السوري في مواجه عدو سرعان ما جعل دولا مجاورة له موضع تهديد واعتداء على أرضه، ومن ناحية أخرى عاد دعم الشعب السوري لبشار الأسد في برنامج عمله السياسي بعد وفاة والده حافظ الأسد ليتقدم بشار الأسد بنزعة شبابية تحكمها إرادة التغيير خطوة بخطوة نحو الإصلاحات في سورية ووضع الشعب السوري في رفاه أفضل مقارنة بالماضي.
خلال السنة الماضية تشكل لدى الشعب السوري نظرتان لما يجري من حركات نهوض وتحرك شعبي في البلدان العربية، الأولى نظرة إيجابية، تتمثل باختيار الحركات الشعبية للديكتاتوريات والانقلاب عليها وبدء فصل الحريات المدنية في المجتمعات العربية، إلا أن الحملات العسكرية التي قام بها حلف الناتو على ليبيا والذي حولها إلى " أرض محروقة" فإن البعض من الشعب تشكلت لديه نظرة سلبية من هذه التجربة التي أرعبته خصوصاً أن سورية ليست بلداً غنياً كي يتمكن شعبها من تحمل تكاليف الحرب والدمار.
وأما الطرف الآخر من هذه الأزمة فهو مجموعة القوى المعارضة لبشار الأسد، إلا أن الشعب السوري لا يرى في هذا التيار المعارض شخصيات أو قادة يمكن الاعتماد عليها والقبول يها لمستقبل سورية ويرون في التيار المعارض أنه غارق بالدعم الغربي لتحقيق مصالحه الإستراتيجية في المنطقة، فضلاً عن المنفعة المتحققة لإسرائيل، هذا بالإضافة إلى أن كلاً من النظامين السعودي والقطري يريدان أن يفرضا على سورية حربا داخلية من خلال السلاح والدولار.
وأما الدولة التركية فلديها منذ عهد حافظ الأسد وما قبله خلافات حدودية مستمرة مع سورية حتى إنها تطورت إلى درجة التهديد بحرب عليها ولم يكن مطلوباً من الشعب السوري آنذاك أن يكون لديه علاقات جدية مع جارته تركيا وذلك في ظل معاداة الحكومات التركية لـ"العلويين" سواء من هم داخل أراضيها أو من هم في سورية، وكل ذلك يعد فصلاً آخر من التجربة التاريخية المرة والقديمة لسورية مع تركيا، وبناءً عليه فإن الشعب السوري يعتبر أن تغيير النظام في بلده يأتي ويتمخض من الحرب وسفك الدماء الناشئة من تصفية الحسابات الغربية مع المقاومة في سورية ولبنان.

لقد أدت الحرب وأعمال القتل في الشريط الحدودي لسورية مع تركيا ولبنان إلى تشرد الشعب السوري في هذه المناطق، وفي حين أن "تكتيك" بسط الهجوم إلى داخل المدن واتساع نطاقها باء بالفشل، في تلك الظروف كان بشار الأسد يعمل على تطبيق شعاراته الإصلاحية خطوة خطوة وأجرى الاستفتاء لتغيير بنود من الدستور السابق لا سيّما المتعلق منها بإلغاء نظام حكم الحزب الواحد فضلا عن السماح بحرية تشكيل الأحزاب.

وفي الوقت الذي فشل الغرب في اختبار سورية من حيث عدم تمكنه من الإطاحة بـ"بشار الأسد" بشكل سريع فإن الغرب في المشهد السياسي جوبه بمعارضة شديدة من الدول من ضمنها الدولتان الروسية والصينية، في حين أن بشار الأسد يتقدم بمسارين في سورية، الأول يتمثل بـ"الرد على الرصاصة بالرصاصة"، حيث إنه يعتبر أن الهجمات المسلحة ضده هي تيار إرهابي وأنه سيرد على أي نوع من التهديد العسكري للناتو ضد سورية بوابل من الصواريخ على إسرائيل، وأما المسار الثاني فيتمثل باستمراره في الإصلاحات مع الأخذ بعين الاعتبار آراء كل التيارات السياسية الداخلية في سورية، وإضافة إلى مراعاة نتيجة الانتخابات الرئاسية المبنية على أساس الدستور الجديد، وقد قطع وعداً للشعب السوري بتنفيذها.
يقول الغربيون إن فصل الإصلاحات في سورية قد انتهى، في حين قال رئيس الوزراء البريطاني وكلٌ من الرئيس الأمريكي والفرنسي بشكل واضح إنه "ينبغي على بشار الأسد أن يتنحى أو أننا سنجبره على التنحي!". لقد سار الغرب في امتحان سورية بمنهج تغيير النظام فضلا عن عملهم على عدم استقرار المدن الأساسية في سورية كي يشعلوا حرباً أهلية في هذا البلد للتعجيل في سقوط بشار الأسد، كما إن الحركة المطلوبة للدول الغربية في الاختبار السوري هي تكرار النموذج الليبي حتى تدفع المجموعة المعارضة بمساعدة تنظيم مجموعات للحرب المسلحة في منطقة متطرفة من الحدود السورية وتشكل دولة مؤقتة حينها تعترف الدول الغربية بها رسمياً كدولة وطنية وشرعية لسورية، وليسقطوا أيضاً بشار الأسد عن طريق نموذج تحرير بنغازي في ليبيا والذي أدى في المحصلة إلى سقوك الرئيس الليبي معمر القذافي.
أعدوا حملة دعم مادي وتسليحي لمعارضي بشار الأسد كما تقدموا بمشروع قرار في مجلس الأمن لتغيير النظام في سورية لكنهم فوجئوا بالمعارضة والفيتو الروسي والصيني في هذه الحركة السياسية، كما أن الحرب أيضاً على أطراف الحدود السورية مع تركيا ولبنان مقيدة ونتيجتها قتل ودمار وتشريد الشعب السوري في هذه الأجزاء، لذلك فإن الرئيس السوري بشار الأسد وجد نفسه أمام مؤامرة منظمة أحد أطرافها دول عربية تطعنه بالخنجر من الخلف ومن قلب الجامعة العربية ومن جهة أخرى، قامت الدول الغربية بفرض عقوبات عليه من خلال الأعمال المسلحة والقتل؛ هذه الحرب وحسب إدعاء بعض الخبراء تكلف الحكومة السورية قرابة المليار دولار شهرياً؛ حرب وجهت هذا البلد نحو محنة الموت والدمار وذلك بمساندة من دولتين عربيتين هما قطر والسعودية وكذلك تركيا في سبيل تحقيق السياسة الأمريكية ضد سورية.
إن إخفاق الاختبار الغربي في سورية أدى إلى أن يدخل الصليب الأحمر ومنظمة الأمم المتحدة في مجريات الأحداث ليطلبوا وقف إطلاق نار مؤقتاً كي يتمكنوا من جمع أشلاء جثث القتلى وليوصلوا المساعدات العاجلة والضرورية للمتضررين، كما احتل مؤخراً خبران صدارة الأحداث السياسية في سورية، الأول يتعلق بزيارة "كوفي عنان" الأمين العام السابق للأمم المتحدة لسورية ولقائه بشار الأسد وذلك لقبول وقف إطلاق النار، في هذا اللقاء بيّن بشار الأسد أنه لن يقبل بوقف إطلاق النار مع الإرهابيين وأنه سيكون على استعداد بقبول ذلك بعد الانتهاء من قتالهم وذلك للقبول بتوجه عنان لحل الأزمة سياسياً، والخبر الآخر هو مشاركة وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" في جلسة مع وزراء الخارجية لجامعة الدول العربية في القاهرة والتي اقترح فيها " لافروف" مرة أخرى حلاً سلمياً للخلافات وذلك ضمن رده على المواقف السعودية والقطرية للإطاحة ببشار الأسد.
موقف وزير الخارجية الروسي أدى إلى أن يرفض كل من وزيري الخارجية القطري والسعودي ببرودة كلام وزير الخارجية الروسي، بمعنى أن عجلة الأزمة السورية بدأت تتجه من "العسكرة" إلى حل سياسي في المجتمعات السياسية الغربية الأوربية والأمريكية، ولكن من غير الواضح حتى الآن فيما إذا ستتبع هذه المواقف بصدور قرار معدل وجديد في مجلس الأمن أو أنها ستتجه نحو مرحلة أخرى أشد من سابقتها من حيث العداء العسكري لسورية.
لم ينجح الغرب في الاختبار السوري حتى الآن لأن فكرة الإطاحة بـ"بشار الأسد" عن طريق حرب أهلية وصلت إلى طريق مسدود، إلا أن مستقبل سورية ما زال يلفه هالة من الإبهام والغموض، وهذا ما دعا بعض المحللين السياسيين إلى التوقع أو التكهن بإمكانية تغيير نظام بشار الأسد عن طريق الانقلاب أو الاغتيال.
في خضم هذه العاصفة فإن الذي يدفع التكلفة الأساسية هو الشعب السوري الذي لا يرى مستقبلا واضحاً لبلده، فضلاً عن أن ضغوط العقوبات من كل جانب ضد سورية تزيد من مشكلات الشعب السوري يوماً بعد يوم. خلاصة القول لقد كان الغرب في الاختبار السوري يظهر ويبرز القتل والدمار وتشريد الشعب وذلك لحفظ وتعميق مصالحه الإستراتيجية.
ترجمة: علي العبدالله ـ سورية
2012-03-20