ارشيف من :ترجمات ودراسات
حرب فيتنام ...أشباح ماي لاي
بقلم مارك ابشتاين
مجلة الإكسبرس الفرنسية 12 /3/ 1998
قد لا تكفي مئات وآلاف المجلدات لاستيعاب المجازر والمذابح التي ارتكبت وترتكب بحق شعوبنا العربية والإسلامية، على الأقل، منذ اغتصاب فلسطين. دير ياسين، حولا، كفر قاسم، بحر البقر، أيلول الأسود، صبرا وشاتيلا، مجزرة بئر العبد، قانا وغيرها من مجازر الصهاينة والحرب الأهلية في لبنان، والتفجيرات الانتحارية وبالعبوات المفخخة في شوارع العراق، وأخيراً في شوارع سوريا. مع هذا، لا تخلو العودة إلى الحرب الفييتنامية من عبر تستفاد عن همجية الدعاة إلى الحرية والديموقراطية
ــــــــــــ
في السادس عشر من آذار/ مارس 1968، قام 120 من جنود البحرية الأميركية بإبادة 500 شخص عزّل من السلاح في قرية ماي لاي الفييتنامية. وبعد مرور ثلاثين عاماً على العملية، لم يكن أي مسؤول أميركي قد شارك في إحياء هذه الذكرى.
بعد ثلاثين عاماً كان البنتاغون ما يزال متردداً في إعادة فتح واحد من الفصول الأكثر سواداً في التاريخ العسكري الأميركي. لننظر في الوقائع : صبيحة 16 آذار/ مارس 1868، قام 120 من جنود البحرية الأميركية في وحدة " شارلي كومباني" التابعة لفرقة المشاة الخفيفة الحادية عشرة، بالتوغل في قرية ماي لاي الفييتنامية. وعندما عادوا إلى قاعدتهم بعد أربع ساعات، لم تكن قد أطلقت عليهم رصاصة واحدة. ومع هذا تركوا وراءهم حوالي 500 جثة لرجال ونساء وأطفال. أي لمدنيين. "قتلنا حتى القطط والكلاب"، هذا ما أدلى به أحد قدامى المحاربين. أحداث ذلك اليوم، أعني المجزرة، ساهمت في لفت انتباه الرأي العام فيما وراء الأطلسي، ودفعت باتجاه إنهاء الحرب. وما أن انتهت الحرب حتى عمد القادة الفييتناميون إلى تطبيع العلاقات مع العم سام. تبادل العبارات المهذبة، تبادل السفراء ومبادلات مالية. واليوم، نشاهد في الأرياف الفييتنامية، على امتداد حقول الأرز، وإلى جانب اللافتات الرسمية التي تمجد انتصار البلاشفة عام 1917، نرى ملصقات أخرى باللون الأحمر تحتفي بوصول كوكا كولا. أما في القرية التي أبيد سكانها، نلاحظ أن السياح الأميركيين النادرين الذين يزورون المتحف الخاص بالذكرى وهم يدفعون رسم الدخول بالعملة المحلية أو بالدولار. هؤلاء السياح هم محاربون قدامى أو ناشطون سلميون يشعرون بالحنين إلى تلك الأمكنة. يكشفون فيها صوراً مصفرة اللون أكثرها منتزع من الصحف الأميركية العائدة لتلك المرحلة، والتي تروي كيفما اتفق فصول المذبحة.
الجنود العاملون في "شارلي كومباني" كانوا شباناً وصلوا إلى فييتنام قبل وقت قليل في كانون الأول/ ديسمبر 1967. كانت تجربتهم القتالية مقتصرة في الغالب على بضعة أشهر من التدريب في معسكرات هاواي. خلال الاجتماع الذي عقد عشية تنفيذ العملية، أخبرهم رؤساؤهم بشكل مجاف للحقيقة بأنهم سيقاتلون غداً وحدة من وحدات الفيتكونغ التي كانت قبل وقت قليل قد حولت حياتهم إلى جحيم. فالواقع أن أربعة من رفاقهم كانوا قد قتلوا وجرح ثمانية وثلاثون في هجمات مفاجئة تعرضوا لها خلال الأسابيع السبعة الماضية. ويوماً بعد يوم، كان الجنود يصطدمون بعدو غير مرئي يردي واحداً منهم ثم يختفي سريعاً. كان الهدف المحدد للحملة على ماي لاي هو القضاء على ذلك العدو. وعندما وصل الشباب صبيحة 16 آذار/ مارس إلى القرية، كان سكانها يتناولون فطورهم بأمان. في السماء كانت مروحيات مقاتلة "تحرس" الجنود، لكنها لم تطلق رصاصة واحدة.
إحدى المروحيات كان يقودها هوغ تومبسون. كان يومها في الرابعة والعشرين من عمره، وكان بجانبه اثنان من الملاحين. لم يكن تومبسون ورفيقاه يفهمان ما يجري: لماذا يتم تنفيذ العملية بكل هذه السهولة؟ ما الذي ينتظره الفييتكونغ للدفاع عن أنفسهم؟ لم يكن هنالك عدو في الحقيقة! لم يكن هنالك غير أناس مدنيين. وخلال الساعات التي تلت، كان تومبسون ورفيقاه هم وحدهم من جازفوا بحياتهم وحاولوا إيقاف المذبحة. على الأرض كان الجنود قد تفرقوا وبدأوا بإطلاق النار على كل شيء يتحرك. على الجواميس والخنازير والبشر. بعض الفييتناميين سلخ جلد رؤوسهم. بعضهم قطعت أعناقهم. كثيرون بقرت بطونهم. فيما بعد، كتب أحد الجنود بأنه شاهد رفيقاً له وهو يقفز إلى ظهر جاموسة ويطعنها بسكينه ويواصل طعنها حتى سقطت إلى الأرض. لقد رمى الجنود قنابل يدوية في الأنفاق التي كان يحتمي فيها السكان المذعورون. أحرقوا جميع البيوت وصبوا البنزين على مستودعات الأغذية. بقروا بطون نساء حوامل وتركوهن على قارعة الطريق. جردوا أخريات من ملابسهن واغتصبوهن ثم قتلوهن برصاصة في الرأس أو بطعنة حربة في مكان العفة...
فام ثي ثوان هي الآن في التاسعة والخمسين. كانت قد فقدت زوجها قبل خمس سنوات من المذبحة. نجت من الموت بأن اختبأت مع ابنتها في حفرة تحت جثث قرويين آخرين. قتل ستة أفراد من عائلتها: أبوها وأختها وشقيقها الأصغر وثلاثة من أبناء إخوتها. تقول فام ثي ثوان: "كنت أضم ابنتي إلى صدري بشدة لكي لا يسمع الجنود بكاءها. كنا نتمدد بصمت تحت جثث القتلى. كان ذلك حظنا الوحيد بالنجاة، لأن مشاة البحرية كانوا يطلقون النار لمجرد رؤية أي شيء يتحرك. وفي لحظة من اللحظات رأيت أبي وهو يركض عند حافة الحفرة. اقترب منه أحد الجنود الأميركيين وقتله برصاصة في رأسه. لا أذكر كم بقيت في تلك الوضعية. خرجت من الحفرة مع ابنتي بعد رحيلهم وركضت نحو قرية مجاورة. وهناك قدم لنا القرويون طعاماً من الأرز ونظفوا ثيابنا الملطخة بالدم... لا أعرف السبب لمجيء الأميركيين. كانت قريتنا هادئة تماماً. وعندما ذهبوا لم يبق فيها شيء".
فام دونغ، قروي آخر في الرابعة والسبعين، فقد تسعة من أفراد عائلته بينهم ابنته وشقيقه وعمه وخصوصاً زوجته دو ثي ثيو التي أطلقوا عليها الرصاص بينما كانت تحاول حماية طفلها الرضيع. يقول فام دونغ: "ألقانا مشاة البحرية في الحفر وهم يضربوننا بأعقاب البنادق. وأخذوا يطلقون الرصاص. تظاهرت بالموت. قتل كثير من الآباء والأمهات أمام أبنائهم. كان هنالك أطفال يصرخون :ماما، ماما! وعندما سمع جنود البحرية صراخهم عادوا وأجهزوا عليهم. كانت الأرض مجبولة بالدم. كان ذلك فظيعاً".
وقدم قادة الحملة تقارير تافهة لرؤسائهم. وفي الأيام التالية، صدرت بيانات رسمية مجدت "نجاح" العملية. وأرسل الجنرال ويليام وستموريلاند ، قائد القوات الأميركية في فييتنام، برقيات تهنئة إلى مرتكبي المذبحة. ولم تتكشف الحقيقة إلا بعد عام كامل. والغريب أن الفضل في ذلك يعود إلى أحد مشاة البحرية الأميركية المدعو رون ريدنهاور. لم يكن هذا الجندي بين المشاركين في المذبحة في ذلك اليوم. لكن عدداً من رفاقه كانوا بينهم وأخبروه بما فعلوه في ماي لاي.
عندها، لخص ريدنهاور ما حصل عليه من معلومات في رسالة من أربع صفحات وبعث بها إلى كل من البيت الأبيض والبنتاغون وعدد من أعضاء الكونغرس. وفي 23 نيسان/ أبريل أمرت قيادة الجيش بفتح تحقيق حول الموضوع. وبعد أربعة أشهر، أدين قائد العملية، الملازم ويليام كالي بجرم قتل 109 "كائن بشري شرقي".
لكن كان لا بد من الانتظار حتى 20 تشرين الثاني/ نوفمبر عندما قامت صحيفة محلية بنشر صور من المذبحة التقطها صحفي ملحق بالقوات المسلحة. وهكذا أصبحت القضية في عهدة وسائل الإعلام. وقد شكل ذلك منعطفاً في تطور الملف. قبل ماي لاي، كان الصحافيون الأميركيون يغضون النظر عما يرتكب من فظاعات. لكن، واعتباراً من شتاء العام 1969، أصبحوا أكثر ميلاً إلى الكلام. ومع أن فرانك ماك كولوش، وهو مراسل لصحيفة "تايم"، كان قد عاد من الهند الصينية قبل ذلك بعامين، فقد كتب بأنه رأى فيتناميين يرمى بهم من الطائرات، ويعذبون، ويتم إغراقهم. روى كيف أن الشباب أطلقوا كلباً من فصيلة "دوبرمان" على رجل متقدم في العمر وأخذوا يتسلون بالنظر إلى الكلب وهو ينهش ذلك الشيخ المسكين ويقطعه إرباً. كانت الانتصارات تقاس بأعداد الضحايا: كانوا يكافئون الأفراد والوحدات والمجموعات بعدد ما يوقعونه من قتلى في صفوف الفييتكونغ.
ويبدو أن بعض الجنود الأميركيين من الشبان المفتقرين إلى التجربة قد شجعتهم هذه المزايدات على القتل وجعلتهم يطلقون العنان لغرائزهم المكتومة. فما لا يقل عن 46 جندياً ممن شاركوا في عملية ماي لاي خضعوا للتحقيق بتهم القتل ومحاولة القتل والاغتصاب. ولكن جندياً واحداً لوحق وثبتت عليه التهمة: إنه الملازم ويليام كالي، قائد العملية. وقد حوكم أمام لجنة من المحلفين العسكريين ضمت محاربين قدامى في فييتنام واعتبر مذنباً ومسؤولاً عن قتل 20 مدنياً فييتنامياً. ومع ذلك، حصل على دعم قسم من الرأي العام والعديد من السياسيين ( بينهم جيمي كارتر الذي أصبح رئيساً فيما بعد، وكان يومها حاكماً على ولاية جورجيا).
وفي أيلول/ سبتمبر 1975، وبعد عدة دعاوى استئناف، حكم على ويليام كالي، بكل بساطة... بالإقامة الجبرية... في شقته الخاصة. لم يمض في السجن يوماً واحداً. أما هوغ تومبسون، قائد المروحية فقد رفض الانصياع للأوامر وحمل على مروحيته 10 مدنيين فييتناميين فأنقذهم من المذبحة. وقد نفد وقود المروحية فحطت مرة ثانية لتنقذ طفلاً بعمر ثلاث سنوات كان لا يزال حياً في حفرة تكدست فيها الجثث.
ولإحياء الذكرى الثلاثين للمذبحة، توجه هوغ تومبسون وعدد من رفاقه إلى ماي لاي في 16 آذار/ مارس (1998). وبالمناسبة سيلتقي هوغ بالطفل الفييتنامي الذي أنقذه وأصبح اليوم شاباً في مقتبل العمر. انها احتفالية متواضعة لإحياء ذكرى من قضوا في المذبحة. لكن أحداً من المسؤولين الأميركيين لن يشارك فيها.
ترجمة : عقيل الشيخ حسين
مجلة الإكسبرس الفرنسية 12 /3/ 1998
قد لا تكفي مئات وآلاف المجلدات لاستيعاب المجازر والمذابح التي ارتكبت وترتكب بحق شعوبنا العربية والإسلامية، على الأقل، منذ اغتصاب فلسطين. دير ياسين، حولا، كفر قاسم، بحر البقر، أيلول الأسود، صبرا وشاتيلا، مجزرة بئر العبد، قانا وغيرها من مجازر الصهاينة والحرب الأهلية في لبنان، والتفجيرات الانتحارية وبالعبوات المفخخة في شوارع العراق، وأخيراً في شوارع سوريا. مع هذا، لا تخلو العودة إلى الحرب الفييتنامية من عبر تستفاد عن همجية الدعاة إلى الحرية والديموقراطية
ــــــــــــ
في السادس عشر من آذار/ مارس 1968، قام 120 من جنود البحرية الأميركية بإبادة 500 شخص عزّل من السلاح في قرية ماي لاي الفييتنامية. وبعد مرور ثلاثين عاماً على العملية، لم يكن أي مسؤول أميركي قد شارك في إحياء هذه الذكرى.
بعد ثلاثين عاماً كان البنتاغون ما يزال متردداً في إعادة فتح واحد من الفصول الأكثر سواداً في التاريخ العسكري الأميركي. لننظر في الوقائع : صبيحة 16 آذار/ مارس 1868، قام 120 من جنود البحرية الأميركية في وحدة " شارلي كومباني" التابعة لفرقة المشاة الخفيفة الحادية عشرة، بالتوغل في قرية ماي لاي الفييتنامية. وعندما عادوا إلى قاعدتهم بعد أربع ساعات، لم تكن قد أطلقت عليهم رصاصة واحدة. ومع هذا تركوا وراءهم حوالي 500 جثة لرجال ونساء وأطفال. أي لمدنيين. "قتلنا حتى القطط والكلاب"، هذا ما أدلى به أحد قدامى المحاربين. أحداث ذلك اليوم، أعني المجزرة، ساهمت في لفت انتباه الرأي العام فيما وراء الأطلسي، ودفعت باتجاه إنهاء الحرب. وما أن انتهت الحرب حتى عمد القادة الفييتناميون إلى تطبيع العلاقات مع العم سام. تبادل العبارات المهذبة، تبادل السفراء ومبادلات مالية. واليوم، نشاهد في الأرياف الفييتنامية، على امتداد حقول الأرز، وإلى جانب اللافتات الرسمية التي تمجد انتصار البلاشفة عام 1917، نرى ملصقات أخرى باللون الأحمر تحتفي بوصول كوكا كولا. أما في القرية التي أبيد سكانها، نلاحظ أن السياح الأميركيين النادرين الذين يزورون المتحف الخاص بالذكرى وهم يدفعون رسم الدخول بالعملة المحلية أو بالدولار. هؤلاء السياح هم محاربون قدامى أو ناشطون سلميون يشعرون بالحنين إلى تلك الأمكنة. يكشفون فيها صوراً مصفرة اللون أكثرها منتزع من الصحف الأميركية العائدة لتلك المرحلة، والتي تروي كيفما اتفق فصول المذبحة.
الجنود العاملون في "شارلي كومباني" كانوا شباناً وصلوا إلى فييتنام قبل وقت قليل في كانون الأول/ ديسمبر 1967. كانت تجربتهم القتالية مقتصرة في الغالب على بضعة أشهر من التدريب في معسكرات هاواي. خلال الاجتماع الذي عقد عشية تنفيذ العملية، أخبرهم رؤساؤهم بشكل مجاف للحقيقة بأنهم سيقاتلون غداً وحدة من وحدات الفيتكونغ التي كانت قبل وقت قليل قد حولت حياتهم إلى جحيم. فالواقع أن أربعة من رفاقهم كانوا قد قتلوا وجرح ثمانية وثلاثون في هجمات مفاجئة تعرضوا لها خلال الأسابيع السبعة الماضية. ويوماً بعد يوم، كان الجنود يصطدمون بعدو غير مرئي يردي واحداً منهم ثم يختفي سريعاً. كان الهدف المحدد للحملة على ماي لاي هو القضاء على ذلك العدو. وعندما وصل الشباب صبيحة 16 آذار/ مارس إلى القرية، كان سكانها يتناولون فطورهم بأمان. في السماء كانت مروحيات مقاتلة "تحرس" الجنود، لكنها لم تطلق رصاصة واحدة.
إحدى المروحيات كان يقودها هوغ تومبسون. كان يومها في الرابعة والعشرين من عمره، وكان بجانبه اثنان من الملاحين. لم يكن تومبسون ورفيقاه يفهمان ما يجري: لماذا يتم تنفيذ العملية بكل هذه السهولة؟ ما الذي ينتظره الفييتكونغ للدفاع عن أنفسهم؟ لم يكن هنالك عدو في الحقيقة! لم يكن هنالك غير أناس مدنيين. وخلال الساعات التي تلت، كان تومبسون ورفيقاه هم وحدهم من جازفوا بحياتهم وحاولوا إيقاف المذبحة. على الأرض كان الجنود قد تفرقوا وبدأوا بإطلاق النار على كل شيء يتحرك. على الجواميس والخنازير والبشر. بعض الفييتناميين سلخ جلد رؤوسهم. بعضهم قطعت أعناقهم. كثيرون بقرت بطونهم. فيما بعد، كتب أحد الجنود بأنه شاهد رفيقاً له وهو يقفز إلى ظهر جاموسة ويطعنها بسكينه ويواصل طعنها حتى سقطت إلى الأرض. لقد رمى الجنود قنابل يدوية في الأنفاق التي كان يحتمي فيها السكان المذعورون. أحرقوا جميع البيوت وصبوا البنزين على مستودعات الأغذية. بقروا بطون نساء حوامل وتركوهن على قارعة الطريق. جردوا أخريات من ملابسهن واغتصبوهن ثم قتلوهن برصاصة في الرأس أو بطعنة حربة في مكان العفة...
فام ثي ثوان هي الآن في التاسعة والخمسين. كانت قد فقدت زوجها قبل خمس سنوات من المذبحة. نجت من الموت بأن اختبأت مع ابنتها في حفرة تحت جثث قرويين آخرين. قتل ستة أفراد من عائلتها: أبوها وأختها وشقيقها الأصغر وثلاثة من أبناء إخوتها. تقول فام ثي ثوان: "كنت أضم ابنتي إلى صدري بشدة لكي لا يسمع الجنود بكاءها. كنا نتمدد بصمت تحت جثث القتلى. كان ذلك حظنا الوحيد بالنجاة، لأن مشاة البحرية كانوا يطلقون النار لمجرد رؤية أي شيء يتحرك. وفي لحظة من اللحظات رأيت أبي وهو يركض عند حافة الحفرة. اقترب منه أحد الجنود الأميركيين وقتله برصاصة في رأسه. لا أذكر كم بقيت في تلك الوضعية. خرجت من الحفرة مع ابنتي بعد رحيلهم وركضت نحو قرية مجاورة. وهناك قدم لنا القرويون طعاماً من الأرز ونظفوا ثيابنا الملطخة بالدم... لا أعرف السبب لمجيء الأميركيين. كانت قريتنا هادئة تماماً. وعندما ذهبوا لم يبق فيها شيء".
فام دونغ، قروي آخر في الرابعة والسبعين، فقد تسعة من أفراد عائلته بينهم ابنته وشقيقه وعمه وخصوصاً زوجته دو ثي ثيو التي أطلقوا عليها الرصاص بينما كانت تحاول حماية طفلها الرضيع. يقول فام دونغ: "ألقانا مشاة البحرية في الحفر وهم يضربوننا بأعقاب البنادق. وأخذوا يطلقون الرصاص. تظاهرت بالموت. قتل كثير من الآباء والأمهات أمام أبنائهم. كان هنالك أطفال يصرخون :ماما، ماما! وعندما سمع جنود البحرية صراخهم عادوا وأجهزوا عليهم. كانت الأرض مجبولة بالدم. كان ذلك فظيعاً".
وقدم قادة الحملة تقارير تافهة لرؤسائهم. وفي الأيام التالية، صدرت بيانات رسمية مجدت "نجاح" العملية. وأرسل الجنرال ويليام وستموريلاند ، قائد القوات الأميركية في فييتنام، برقيات تهنئة إلى مرتكبي المذبحة. ولم تتكشف الحقيقة إلا بعد عام كامل. والغريب أن الفضل في ذلك يعود إلى أحد مشاة البحرية الأميركية المدعو رون ريدنهاور. لم يكن هذا الجندي بين المشاركين في المذبحة في ذلك اليوم. لكن عدداً من رفاقه كانوا بينهم وأخبروه بما فعلوه في ماي لاي.
عندها، لخص ريدنهاور ما حصل عليه من معلومات في رسالة من أربع صفحات وبعث بها إلى كل من البيت الأبيض والبنتاغون وعدد من أعضاء الكونغرس. وفي 23 نيسان/ أبريل أمرت قيادة الجيش بفتح تحقيق حول الموضوع. وبعد أربعة أشهر، أدين قائد العملية، الملازم ويليام كالي بجرم قتل 109 "كائن بشري شرقي".
لكن كان لا بد من الانتظار حتى 20 تشرين الثاني/ نوفمبر عندما قامت صحيفة محلية بنشر صور من المذبحة التقطها صحفي ملحق بالقوات المسلحة. وهكذا أصبحت القضية في عهدة وسائل الإعلام. وقد شكل ذلك منعطفاً في تطور الملف. قبل ماي لاي، كان الصحافيون الأميركيون يغضون النظر عما يرتكب من فظاعات. لكن، واعتباراً من شتاء العام 1969، أصبحوا أكثر ميلاً إلى الكلام. ومع أن فرانك ماك كولوش، وهو مراسل لصحيفة "تايم"، كان قد عاد من الهند الصينية قبل ذلك بعامين، فقد كتب بأنه رأى فيتناميين يرمى بهم من الطائرات، ويعذبون، ويتم إغراقهم. روى كيف أن الشباب أطلقوا كلباً من فصيلة "دوبرمان" على رجل متقدم في العمر وأخذوا يتسلون بالنظر إلى الكلب وهو ينهش ذلك الشيخ المسكين ويقطعه إرباً. كانت الانتصارات تقاس بأعداد الضحايا: كانوا يكافئون الأفراد والوحدات والمجموعات بعدد ما يوقعونه من قتلى في صفوف الفييتكونغ.
ويبدو أن بعض الجنود الأميركيين من الشبان المفتقرين إلى التجربة قد شجعتهم هذه المزايدات على القتل وجعلتهم يطلقون العنان لغرائزهم المكتومة. فما لا يقل عن 46 جندياً ممن شاركوا في عملية ماي لاي خضعوا للتحقيق بتهم القتل ومحاولة القتل والاغتصاب. ولكن جندياً واحداً لوحق وثبتت عليه التهمة: إنه الملازم ويليام كالي، قائد العملية. وقد حوكم أمام لجنة من المحلفين العسكريين ضمت محاربين قدامى في فييتنام واعتبر مذنباً ومسؤولاً عن قتل 20 مدنياً فييتنامياً. ومع ذلك، حصل على دعم قسم من الرأي العام والعديد من السياسيين ( بينهم جيمي كارتر الذي أصبح رئيساً فيما بعد، وكان يومها حاكماً على ولاية جورجيا).
وفي أيلول/ سبتمبر 1975، وبعد عدة دعاوى استئناف، حكم على ويليام كالي، بكل بساطة... بالإقامة الجبرية... في شقته الخاصة. لم يمض في السجن يوماً واحداً. أما هوغ تومبسون، قائد المروحية فقد رفض الانصياع للأوامر وحمل على مروحيته 10 مدنيين فييتناميين فأنقذهم من المذبحة. وقد نفد وقود المروحية فحطت مرة ثانية لتنقذ طفلاً بعمر ثلاث سنوات كان لا يزال حياً في حفرة تكدست فيها الجثث.
ولإحياء الذكرى الثلاثين للمذبحة، توجه هوغ تومبسون وعدد من رفاقه إلى ماي لاي في 16 آذار/ مارس (1998). وبالمناسبة سيلتقي هوغ بالطفل الفييتنامي الذي أنقذه وأصبح اليوم شاباً في مقتبل العمر. انها احتفالية متواضعة لإحياء ذكرى من قضوا في المذبحة. لكن أحداً من المسؤولين الأميركيين لن يشارك فيها.
ترجمة : عقيل الشيخ حسين
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018