ارشيف من :أخبار لبنانية

بري يعلن "انتفاضة" مفاجئة على رئيس الحكومة

بري يعلن "انتفاضة" مفاجئة على رئيس الحكومة

إبراهيم بيرم - "النهار"

لم يكن مفاجئاً لراصدي الوضع الحكومي والعلاقة المشوبة بالالتباس والحذر بين أقطاب الاكثرية ان يسمعوا رئيس مجلس النواب نبيه بري يرفع صوته باعلاء الشكوى من مسار العمل الحكومي، ومن قوله ان هذه الحكومة بدأت تأكل من "رصيد الاكثرية".

فثمة مقربون من رئيس المجلس سألوه في الآونة الاخيرة عن سر عزوفه عن اداء دور المدافع المتحمس عن الحكومة ورئيسها. فكان جوابه لهم مختصراً من خلال حكمة ذات منشأ ديني فحواها انك اذا ابتليت بداء فعليك أن تسير به الى حيث يقودك ويسير بك، وهي حكمة فحواها الصبر على ما ابتليت.

وهكذا ينضم رئيس المجلس ولو متأخراً اشهراً عدة الى حليفيه "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" في شكوى الاول المكتومة وفي شكوى الثاني المرتفعة الى اقصى الحدود من رئيس الحكومة وادائه.

واللافت في الموضوع أن بري كان منذ البداية مؤيداً بقوة لتولي ميقاتي مهمة رئاسة الحكومة، خلافاً للرغبات المضمرة لحليفيه وتولى (أي بري) مهمة كسح الالغام من امامه في كل مرة تتعثر الأمور ويدب الخلاف داخل الحكومة، لا بل أن بري ذهب في دفاعه عن ميقاتي وتبنّيه لوجهة نظره الى حد حصول قطيعة بينه وبين العماد ميشال عون في كثير من المحطات.

متعددة هي الاسباب التي تدفع بالرئيس بري الى اعلان "الانتفاضة" العلنية على اداء الرئيس ميقاتي وبالتالي فتحه الأبواب "لمواجهة" معلنة معه، يعرف ميقاتي قبل غيره نتائجها وتداعياتها واستطراداً اثمانها وخصوصا انها تجعل ميقاتي شبه وحيد في الميدان لا سيما اذا صحت المعلومات التي سرت اخيرا وتحدثت عن تصدعات في العلاقة بينه وبين حليفه الأوثق وزير المال محمد الصفدي بفعل خلافات متراكمة حول طريقة ادارة أمور الدولة والمؤسسات.

الاكيد ان ثمة من يعزو اشهار بري "حرده" من ميقاتي الى قضايا ومسائل محصورة ابرزها عدم مجاراة ميقاتي استعجال بري لاقراره المراسيم التطبيقية لموضوع هيئة ادارة قطاع النفط، وهي المسألة التي يعرف الجميع مقامها العالي عند بري الذي يسعى الى تكريسها كواحدة من "انجازاته التاريخية" في الادارة والاقتصاد.

وربما ان البعض يتحدث عن ان القشة التي قصمت ظهر العلاقة بينهما عدم حماسة ميقاتي لرغبة بري في توسيع ملاك ديوان المحاسبة. والأكيد ايضا ان بري كان حذر رئيس الحكومة ضمناً بأنه في طريقه نحو التصعيد معه عندما لوّح له بالسيف الذي يملك صلاحية اشهاره وهو سيف تعيين جلسة المساءلة النيابية للحكومة، والتي تعني ضمنا "عملية جلد" على الملأ للحكومة وأدائها والذي لا يمكن الدفاع عن تقصيرها وعجزها عن الانتاجية. ومع "وجاهة" كل تلك الاسباب والدوافع المباشرة الا ان بري ما كان يمكن ان يفتح النار بهذه الطريقة المكشوفة والحادة على رئيس حكومة تولى حتى الأمس القريب مهمة الدفاع عنه وتجنيب حكومته العديد من العثرات وليس آخرها الحل "السحري" لمرسوم النقل لو لم يكن على يقين من ان سياسة التأجيل وتقطيع الوقت لم تعد جواز المرور الصالح بالنسبة الى المرحلة المقبلة.فثمة، وفق الدائرة المحيطة ببري، متغيرات ومستجدات على صعيدي معالجة الملفات الداخلية وعلى مستوى مواجهة التداعيات الناجمة عن الازمة العاصفة في سوريا.

في الاشهر المنصرمة كان الرئيس بري في بعض مراحل التوتر داخل الحكومة على اقتناع احياناً بأن وزراء تكتل التغيير والاصلاح ربما كانوا يبالغون في طريقة طرح الامور وسبل معالجتها لاعتبارين اثنين، الاول رغبتهم الجامحة في تحقيق العديد من النقاط التي من شأنها ان تترجم بشكل عملي شعارات قد لا يرفعها تيارهم.
والثاني ان ثمة "سوء تفاهم" بين نهج ميقاتي في المعالجة الهادئة المنطلقة من هواجس عارمة تتصل بموقعه في الساحة السنية فبدا في نظر غالبية الساحة انه "يغتصب" مكانا سواه أحق به.

وكان بري يأمل ان يكون الوقت عاملاً اساسياً في تبديد هواجس ميقاتي وجعله ينتقل الى مرحلة الاقدام بعد مغادرة منطقة التردد والمراوحة، وفي كبح جماح وزراء التكتل العوني وفي دفعهم نحو انتهاج سياسة العقلنة والتهدئة والاقتراب من الواقعية خصوصا ان بري مر بمثل هذا الوضع وكان على هذه الوتيرة العالية من الحماسة عندما انتقل من "المتراس" الى دست الحكم في منتصف عقد الثمانينات.

لكن كل هذا المسار الذي طال لأشهر عدة دهمه التغيير والتحول خصوصا بعد انقشاع جلي للرؤية في سوريا اذ صار معلوما ان المدرجين في خانة حلفاء النظام في دمشق باتوا اخيراً اكثر اطمئنانا الى وضع هذا النظام خصوصاً بعدما رأوا العالم يهرع الى ارسال مفاوض يفتح معه ابواب التفاوض وبعدما شاهدوا أن الذين رفعوا سابقاً راية تنحي الرئيس بشار الاسد قد كفوا منذ فترة عن تردادها. المهم ان هؤلاء داخلهم شعور جديد في الآونة الاخيرة باتوا معه لا يقبلون بكثير من شروط اللعبة في الأشهر القليلة الماضية على المستويات كافة.

لذا ثمة في عداد هذا الفريق من بات ضمناً يجد روابط خفية بين سلوك قيادة الجيش في الآونة الاخيرة وبين ارتفاع وتيرة الضغوط على الرئيس ميقاتي. ولا ريب ان هؤلاء يعتبرون ان كشف قيادة الجيش الخلية السلفية داخل المؤسسة العسكرية بمثابة رد من قيادة هذا الجيش على الضغوط المكثفة التي مورست عليه في الآونة الاخيرة لكي يقف موقفاً محايداً على الحدود اللبنانية - السورية، وثمة من يعتبر ايضاً ان الكشف عن الخلية ثم الاجراءات والتدابير الجديدة التي أقدمت عليها قيادة الجيش على الحدود، هي ايضاً رسالة الى السياسيين اللبنانيين الذين رفضوا ضمناً عدم اعطاء غطاء رسمي لحراك قيادة الجيش وتوجهاتها السابقة المعروفة، والتي كانت سبباً شجع ضمناً الذين رفعوا عقيرتهم بانتقاد المؤسسة العسكرية، وشككوا بخطواتها.

الثابت ان بري عندما انتقل الى موقع آخر مغاير حيال ميقاتي والحكومة، لا يعني اطلاقاً ان ثمة تفكيراً جدياً قد بدأ لديه ولدى فريقه السياسي، يرمي الى اسقاط عقد التفاهم غير المكتوب الذي أبرم مع ميقاتي في بداية السنة المنصرمة عندما قبل بالتصدي لمهمة تأليف الحكومة الجديدة، على انقاض حكومة الرئيس سعد الحريري التي تلقت ضربة قاضية، لكن الأكيد ان بري وفريقه قد انتقلوا الى مرحلة مختلفة، وبالتالي لم يعودوا معها يقبلون بشروط ميقاتي وبقواعد لعبته والتي اتكأت كثيراً على المماطلة والمراوحة وعدم التجرؤ على اتخاذ القرارات الحاسمة.

وعليه فكلام بري غير المسبوق بحق الحكومة هو بمثابة رسالة مشفرة لميقاتي، والسؤال الملح هو ليس ماذا لدى هذا الفريق من بدائل وخيارات ما لم يسمعوا الاجابات المقنعة، ولكنه ما هو جواب ميقاتي، واستطراداً هل سيقبل بما أتاه من رسائل. وهل سيغير أداءه بعدما بات يدرك بأن سياسة "اللاموقف" التي انتهجها ضمناً في السابق لم تعد مؤاتية ومناسبة للمرحلة المقبلة؟


2012-03-24