ارشيف من :أخبار لبنانية
رسالة الاستاذ ميشيل كيلو الى سماحة السيد حسن نصرالله .. مناشدة أم فخ ؟
سمر محمد سلمان(*)
على الرغم من رفعة الخطاب ومن التواري خلف تواضع المثقف الحقيقي في حضرة عالي المقام سماحة السيد حسن نصرالله فقد أثار الاستاذ ميشال كيلو استغراباً في نفوسنا مشوباً ببعض الاستهجان ..ونبّه فينا دهشة كادت تموت في زمن أصبحت فيه العمالة وجهة نظر…والتبعية بصيرة وبصراً…
قدرة فائقة على خلط الأوراق ببراعة الساحر ورشاقة يديه.. استحضار لبعض الحقائق واغفال أكثرها مع توزيع للمسؤوليات بخفة قلم المتمرس في إلباس الكلمات معانيها القريبة والبعيدة بسهولة لا تكلف من يجلس في موقع المعارضة الأخّاذ سوى بضع كلمات ترشق السلطة بحجارة تخطئ أهدافها في كثير من الأحيان ويسقط من جرائها مئات القتلى من المدنيين ..
يحمّل الأستاذ ميشيل كيلو المسؤولية كاملة للنظام السوري (وهو مسؤول بلا شك عن أخطاء ارتكبت في الماضي والحاضر وفي أسلوب المعالجة ربما أو في ايقاعها باعتراف الرئيس بشار الاسد) , و يتحدث عن "السلاح والسلاح المضاد " على حد سواء و عن "تفشي السلاح في كل بيت"…كأن السلاح ينتقل بالعدوى لا عن طريق أجهزة المخابرات وأعوانها التابعة للدول الغربية المعنية بتدمير سوريا خدمة لاسرائيل وحلفائها من صهاينة الأعراب ، السعودية وقطر على وجه الخصوص وعملائهم الصغار في لبنان …
لم يخبرنا الاستاذ ميشيل كيلو كيف يتدفق السلاح الى سوريا .. كما لم يخبرنا عن عشرات المسلحين من جنسيات غير سورية يقاتلون على أرض سوريا حين عجزت "المعارضة" المسلحة لقلتها وشرذمتها عن القيام بالمطلوب منها …
كان الأجدى بالكاتب المرموق الأستاذ ميشيل كيلو أن يتحدث عن تدفق السلاح عبر الحدود من دول الاخوة الأعداء وتحديد هوية هذا السلاح وكيف رفع ومن رفعه أولاً وفي وجه من …
يقول الأستاذ ميشيل كيلو ” …إنني لا أستطيع قبول الزعم بأن الحراك كان مسلحاً ومخططاً له من الخارج، وأن رد الفعل الرسمي، العنيف والمتعاظم الاتساع عليه، كان الرد المناسب على مسلحين اغتالوا ضابطاً هنا أو جندياً هناك، وأنه لم يكن هناك من وسيلة أخرى للتصدي لهؤلاء غير إطلاق آلة القمع والعنف ضد الشعب، في مدنه وأريافه، وزج الجيش في مواجهات دامية مع الشعب،”
هكذا ببساطة .. بجرة قلم يمحو الاستاذ ميشيل كيلو عشرات المجازر التي ارتكبتها العصابات المسلحة في حق الجيش والشعب بدءاً من مجزرة جسر الشغور التي راح ضحيتها عشرات الجنود الذين قطعت أوصالهم وشوهت جثثهم مروراً بخطف وقتل العديد من الكوادر الطبية واستهداف الطياريين ..وقتل سارية أحمد حسون ابن سماحة المفتي الشيخ أحمد بدر الدين حسون .. وصولاً الى ما تكشفت عنه حواري بابا عمرو وأزقتها من مجازر..
هكذا يختصر الاستاذ ميشيل كيلو تلك الجرائم بالحديث عن “قتل ضابط هنا أوجندي هناك “..ويحاول أن يجعلنا نصدق أن دائرة العنف قد توسعت في وقت متأخر مع أن مجزرة جسر الشغور قد حدثت في وقت مبكر في السادس من حزيران الماضي..
لكن الأغرب في هذه الرسالة هو استخدامه لكلمة "الشعب" في كل موضع يتحدث فيه عن المعارضة متغافلاً المظاهرات الحاشدة التي خرجت وما زالت تخرج منذ بداية الأزمة حتى يومنا هذا مؤيدةً لاصلاحات الرئيس بشار الاسد …..
لا أحد يختلف على عدالة المطالب وأحقيتها ونضوج ثمارها التي أينعت وحان قطافها والتي دفعت الناس الى الخروج شاهرين حناجرهم الصادقة من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية.. لكن الأستاذ ميشيل كيلو يتغاضى عن حقيقة أن هذه الجماهير المخلصة لوطنها هي التي انكفأ جلها عن الخروج بعد أن أدركت حجم المؤامرة التي تحيق بوطنها الغالي والتي تحاول الاستفادة من الحراك الشعبي لركوب الثورات وتغيير مسارها وبوصلتها باتجاه اسرائيل كما اثبتت تصريحات برهان غليون وبسمة قضماني والبيانوني وسواهم …
لقد أدركت هذه الجماهير أن المستهدف الحقيقي هو الدولة وليس النظام وأن المطلوب أميركياً واسرائيلياً وخليجياً هو سوريا الدور والتاريخ العروبي …وأن المعركة ليست معركة سوريا بل معركة فلسطين والقومية العربية على ارض سوريا …
انكفأ الناس وانحسرت التحركات ولم يبق سوى شراذم المسلحين والعصابات من شذاذ الآفاق ودعاة "حي على الجهاد في أرض النصرة"…ومع ذلك يصر الاستاذ ميشيل كيلو على الحديث عن خروج "الشعب" في مواجهة آلة القتل النظامية …معتبراً أن بضعة تحركات “هنا ” وتجمعات “هناك ” ممثلة للشعب السوري بأكمله…متعامياً عن مئات الآلاف المحتشدة كل حين في ساحة السبع بحرات وفي ساحة الامويين وعلى امتداد الوطن …
هذا اضافة الى اغفاله المتعمد أي حديث عن اصلاحات جدية انطلق قطارها منذ الغاء حالة الطوارىء في بداية الأحداث مروراً بقانون الأحزاب وصولاً الى الغاء المادة الثامنة وانجاز الدستور الجديد الذي تجاوز في حداثته دساتير الدول العربية جمعاء بشهادة اهل الاختصاص ..
هكذا تتوالى العبارات التي لا تخلو من التعميم المضلِّل مما أفقد رسالة الأستاذ ميشيل كيلو خصوصية كاتبها وبعض تميزه عن معارضات الخارج …
أما ما انطوت عليه سريرة المناشدة لسماحة السيد من نوايا حسنة … فانها لا تخلو من عبارات قد يلبسها الخبثاء لبوساً غير الذي قصده الاستاذ ميشيل كيلو …كأن يقول مخاطباً السيد حسن ” لا مصلحة لكم ولنا في الاِنكشاف و في انتصار المذهبية والتطرف. “..
وكأنها محاولة لاقناع ذلك السيد المهموم أبداً بوحدة الأمة بما هو مقتنع به أصلاً ويعمل لدرئه ليل نهار..ومن أجله يبذل الجهد ويضحي بفلذات الأكباد…
في هذه المناشدة كلمات تحتها كلمات تشي بمسؤولية ما يتحملها سماحة السيد ..فهل تكون مناشدة الا لمن يملك قدرة أو سلطاناً على اطراف متنازعة ؟ ..ومن هو الطرف الذي سيصغي الى سماحة السيد …؟هل هو النظام أم أطراف أخرى ؟ لا يوضح الاستاذ ميشيل كيلو بل يكتفي بدعوته الى القيام بـ”مبادرة ” هي لن تخرج بالتأكيد عن دعوة السيد حسن في خطابه الأخير الى القاء السلاح والذهاب الى الحوار والحوار وحده ..وهي دعوة اطلقها الرئيس بشار الأسد في بداية الأحداث ..
ثم ما معنى هذه الاشارة اللافتة الى موقف السيد من ضرورة التفاف الشعب حول النظام العراقي درءاً للتدخل الاجنبي وماذا قصد من وراء التذكير بها في هذا السياق ؟ هل يضعها في موضع المدح أم الذم ؟
لم يوضح الأستاذ ميشيل كيلو بما يكفي لمنع الالتباس والتفسيرات المغرضة التي تنتظرتحرك الآلة الاعلامية الضخمة التي يقودها وكلاء أميركا واسرائيل في المنطقة …
مع احترامنا لشخص الاستاذ ميشيل كيلو كمناضل قديم ومثقف كبير ..ومع تأكيدنا اننا لسنا هنا في صدد محاكمة النوايا والأخذ بالشبهة أو بالظن غير أننا لم نستطع أن نمنع أنفسنا من اعتبار هذه الرسالة ملغومة وفيها احراج متعمد لسماحة السيد ورداً خبيثاً على خطابه الأخير الذي استطاع فيه ببراعة مذهلة وبصدق معتاد أن يحدد ويجدد ثوابته من الأزمة السورية.. هذه الثوابت النبيلة التي لا تبتغي سوى أن تخرج سوريا العظيمة دولة ونظاماً وشعباً منتصرة على مؤامرة العصر الكبرى بتحويل الأمة العربية الى دويلات طائفية واثنية متناحرة تعيدنا الى عصر ملوك الطوائف ولا يتأتّى لها ذلك الا بسقوط غرناطة العصر.. بوابة القومية العربية وقلعتها الاخيرة سوريا..
هذه الثوابت هي التي يتبناها سماحة السيد حسن ويعمل جاهداً من أجلها وليس من أجل أن يخرج النظام السوري ” منتصراً على شعبه” كما يقول الاستاذ ميشيل كيلو في معرض المناشدة بما يوحي بأن موقف سماحة السيد لا يخرج عن هذه الفرضية وان حاول الاستاذ ميشل كيلو أن يزركش خبث الموقف بطيِّب العبارات مثل ” وأعلم أنكم تراهنون على الدول والمجتمعات أكثر مما تراهنون على نظم وأشخاص”..
كان حرياً بالاستاذ ميشيل كيلو أن يوجه النداء الى زملائه في المعارضات المتناحرة على الغنائم والتي ولغت في دماء السورين حتى الثمالة …والى صناع القرار في دول النفط والقحط الأخلاقي والتبعية والعمالة لعلها تحرك فيهم ما بقي من ضمير …
(*) من بريد "الانتقاد"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018