ارشيف من :أخبار لبنانية
إخـوان سـوريا: يقظـة مـن غفـوة؟
إدمون صعب - "السفير"
«تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى»
قرآن كريم
كادت الوثيقة السياسية التي أعلنها «الإخوان المسلمون» في سوريا الأحد الماضي، من اسطنبول، تحقق وإن نظرياً وعلى الورق، ما طمح إلى تحقيقه فريق كبير من اللبنانيين، لهم ولوطنهم، من مثل «عقد اجتماعي جديد يؤسس لعلاقة وطنية معاصرة وآمنة بين مكونات المجتمع، عهد يصون لحقوق، وميثاق يبدد المخاوف ويبعث على الطمأنينة والثقة والرضا».
وإذ شرح الإخوان، وسط توجّس من المكونات الأخرى غير الإسلامية في سوريا، وخصوصاً المسيحية منها التي نطق باسمها أخيراً البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي محذراً من أخطار وصول جماعات إسلامية متطرفة إلى السلطة في دمشق على التعايش الإسلامي ـ المسيحي هناك ـ شرحوا في العهد المذكور «رؤيتهم الوطنية» لحلم سوريا، في حال وصولهم إلى السلطة ـ، وأعلنوا التزامهم «دولة مدنية حديثة، ودستورا مدنيا يحمي الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات (...) ويضمن التمثيل العادل لكل مكونات المجتمع، دولة ديموقراطية تعددية، تداولية (...) ذات نظام جمهوري نيابي يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه عبر صناديق الاقتراع، في انتخابات حرة، نزيهة وشفافة». كما دعوا إلى «دولة مواطنة ومساواة (...) يحق فيها لأي مواطن الوصول إلى أعلى المناصب، استناداً إلى قاعدتي الانتخابات والكفاءة، كما يتساوى فيها الرجال والنساء في الكرامة الإنسانية»، مبدين أقصى درجات الانفتاح على «جميع إخواننا في وطننا الحبيب...».
وصادف صدور وثيقة الإخوان من تركيا، انعقاد لقاء تشاوري مسيحي ـ إسلامي في بكركي، في اليوم نفسه، شارك فيه رؤساء الطوائف الرئيسية إلى جانب ممثلي رؤساء الطوائف الأخرى، وقد ظللتهم جميعاً انتفاضات «الربيع العربي»، وخصوصاً أحداث سوريا، فأكدوا «حق الشعوب في خياراتها»، مشاركين القلقين على تداعيات التغيرات في البلدان التي شملها ذلك الربيع وأوصل إسلاميين إلى السلطة، «مما قد يحصل إذا طال الوقت في البحث عن الطريق السليم لإرساء دولة القانون والعدالة والمساواة في تلك المجتمعات»، وهذا كان من أبرز مطالب البطريرك الماروني وقد حمله في سفراته الخارجية بدءاً بفرنسا وطرحه على المسؤولين الكبار في الدول التي زارها.
وفي موازاة وثيقة الإخوان التي قد يصح فيها مثل «اقرأ تفرح، جرّب تحزن»، أشار بيان لقاء بكركي إلى ما يجري في سوريا، وذكر ان المجتمعين «أعربوا عن شجبهم العنف المتمادي، وحزنهم الشديد على الضحايا التي تسقط كل يوم».
والواقع أن إخوان سوريا لم يقدموا إلى الجمهور السوري ومعه الجمهوران العربي والأجنبي، طوال سنة، سوى «الشارع الجهادي» الإسلامي في الدرجة الأولى، الذي يضج بالشعارات المثيرة والمقلقة لغير المسلمين، إضافة إلى السلاح والمسلحين، والتفجيرات في الأحياء السكنية الآمنة والعبوات الناسفة على الطرق، وما يرافقه من دمار وجثث. وكان موقف البطريرك الماروني حيال هذا المشهد: «نحن مع الربيع العربي لكن ليس مع الربيع بالعنف والحرب والدمار، لأنه بهذه يصبح شتاء».
ولا بد لوثيقة الإخوان من ان تستوقف المسيحيين وسائر الطوائف الإسلامية، وخصوصاً الجماعات السلفية التي لا تشارك الإخوان في تصورهم للحكم الإسلامي، ولما يتوجب على المسلم «الصالح» التزامه من تعاليم دينه، في الواجبات كما في الحقوق، والتي يعتبر ميثاق إخوان سوريا خروجاً عليها، وخصوصاً في التعامل مع «الكفار» وفي توليتهم على المسلمين، في إطار فصل الدين عن الدولة، أي إبعاد ما هو روحي عما هو زمني، ذلك ان للإسلاميين المتشددين موقفاً من الدولة في ذاتها، إذ هم يعتبرون ان الدولة الإسلامية هي نتاج «تعاقد بين الناس والله، لمصلحة الأخير»، وان العالم منقسم بين «دار الإسلام» و«دار الحرب»، والناس ثلاثة أنواع: المؤمنون، والذميون، والكفار.
وتوجّه الاسلاميين في السلطة هو إلى حكم «المستبد، المستنير والعادل» الذي «لا يحكم باسم الشعب، بل باسم الله، وحيث الطاعة له عمياء، ولا مجال لديه لا لحرية الرأي ولا للمعارضة أو الانتقاد».
وثمة أمثلة كثيرة على ذلك في عالمنا العربي. وثمة من يعتبر ان التوجه نحو الدولة الدينية، سواء أكانت مسيحية أم إسلامية أو يهودية، هو سباحة بعكس تيار التاريخ الذي يتقدم إلى الأمام ولا يعود إلى الوراء كما يطالب السلفيون. كما ان على هؤلاء ان يعترفوا بأن الإسلام يمر بمرحلة انحطاط، وان صحوته يجب أن تنحو صوب الحداثة والمشاركة في صنع قيم جديدة تفضي إلى عقد اجتماعي وثقافي مع الأديان الأخرى، على غرار ما حصل في أوروبا بإنتاج حضارة هي مزيج من الفكر الكاثوليكي، والفكر البروتستانتي، والفكر اليهودي. على ان يتحول الحضور الإسلامي في الغرب إلى اغناء للفكر الغربي، بدلا من التقوقع في الخصوصية الثقافية والدينية الرافضة للاندماج.
وثمة باحثون إسلاميون يرون ان الإسلام مدعو إلى التكيّف مع العالم المعاصر من دون الرجوع مع السلفيين إلى الماضي لأنه مائت، ولا إلى التمثل بالغرب لأنه مميت، والإقدام على فصل الدين عن الدولة، وإقامة دولة مدنية «يتقدم فيها الروحي على الزمني، والروح على النص، شرط إسباغ طابع إنساني عليهما»، وعلى ما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي، على أن يكون المجتمع الإسلامي قائماً على المحبة «ذلك ان مجتمعاً خالياً من الحب، هو مجتمع تُلغى فيه العلاقات بين الناس، فيصبح مجتمعاً مستحيلاً». وأضاف: «يجب تقديم الروح على النص، لأن القلب هو الذي يخلق ويعطي، وليس العقل الذي يحسب».
وسبق لعبد الرحمن الكواكبي ان دعا إلى ما طرحه إخوان سوريا مطلع القرن الماضي، ما اعتبره الرئيس جمال عبد الناصر، بعد ثورة 1958، «رائداً للقومية العربية وللوحدة العربية».
وكان الكواكبي قال ان تولية رجل الدين المسلم للسلطة تصادر الحكم وتُخضع الأمة لسلطان مستبد، في مقابل سلطة روحية على المجتمع.
يبقى السؤال الكبير: إذا كان المسلمون يطمحون إلى الخروج من حال الانحطاط الذي لم يكن غفوة كما خيل إليهم بل تقهقر وتراجع، فهل هم جاهزون الآن لقفزة إلى الأمام على طريق الديموقرطية رغم ما يحوط تلك العملية من مطبات وأخطاء من جانب السلفيين؟
وهل يتقبل المسلمون الديموقراطية التي طرحها إخوان سوريا في عهدهم؟
وما دام الإسلام كان على الدوام «المحرر» في نظر المؤمنين به، فهل هو جاهز الآن لإكمال الشوط، على كرتي الديموقراطية والحداثة؟
«تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى»
قرآن كريم
كادت الوثيقة السياسية التي أعلنها «الإخوان المسلمون» في سوريا الأحد الماضي، من اسطنبول، تحقق وإن نظرياً وعلى الورق، ما طمح إلى تحقيقه فريق كبير من اللبنانيين، لهم ولوطنهم، من مثل «عقد اجتماعي جديد يؤسس لعلاقة وطنية معاصرة وآمنة بين مكونات المجتمع، عهد يصون لحقوق، وميثاق يبدد المخاوف ويبعث على الطمأنينة والثقة والرضا».
وإذ شرح الإخوان، وسط توجّس من المكونات الأخرى غير الإسلامية في سوريا، وخصوصاً المسيحية منها التي نطق باسمها أخيراً البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي محذراً من أخطار وصول جماعات إسلامية متطرفة إلى السلطة في دمشق على التعايش الإسلامي ـ المسيحي هناك ـ شرحوا في العهد المذكور «رؤيتهم الوطنية» لحلم سوريا، في حال وصولهم إلى السلطة ـ، وأعلنوا التزامهم «دولة مدنية حديثة، ودستورا مدنيا يحمي الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات (...) ويضمن التمثيل العادل لكل مكونات المجتمع، دولة ديموقراطية تعددية، تداولية (...) ذات نظام جمهوري نيابي يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه عبر صناديق الاقتراع، في انتخابات حرة، نزيهة وشفافة». كما دعوا إلى «دولة مواطنة ومساواة (...) يحق فيها لأي مواطن الوصول إلى أعلى المناصب، استناداً إلى قاعدتي الانتخابات والكفاءة، كما يتساوى فيها الرجال والنساء في الكرامة الإنسانية»، مبدين أقصى درجات الانفتاح على «جميع إخواننا في وطننا الحبيب...».
وصادف صدور وثيقة الإخوان من تركيا، انعقاد لقاء تشاوري مسيحي ـ إسلامي في بكركي، في اليوم نفسه، شارك فيه رؤساء الطوائف الرئيسية إلى جانب ممثلي رؤساء الطوائف الأخرى، وقد ظللتهم جميعاً انتفاضات «الربيع العربي»، وخصوصاً أحداث سوريا، فأكدوا «حق الشعوب في خياراتها»، مشاركين القلقين على تداعيات التغيرات في البلدان التي شملها ذلك الربيع وأوصل إسلاميين إلى السلطة، «مما قد يحصل إذا طال الوقت في البحث عن الطريق السليم لإرساء دولة القانون والعدالة والمساواة في تلك المجتمعات»، وهذا كان من أبرز مطالب البطريرك الماروني وقد حمله في سفراته الخارجية بدءاً بفرنسا وطرحه على المسؤولين الكبار في الدول التي زارها.
وفي موازاة وثيقة الإخوان التي قد يصح فيها مثل «اقرأ تفرح، جرّب تحزن»، أشار بيان لقاء بكركي إلى ما يجري في سوريا، وذكر ان المجتمعين «أعربوا عن شجبهم العنف المتمادي، وحزنهم الشديد على الضحايا التي تسقط كل يوم».
والواقع أن إخوان سوريا لم يقدموا إلى الجمهور السوري ومعه الجمهوران العربي والأجنبي، طوال سنة، سوى «الشارع الجهادي» الإسلامي في الدرجة الأولى، الذي يضج بالشعارات المثيرة والمقلقة لغير المسلمين، إضافة إلى السلاح والمسلحين، والتفجيرات في الأحياء السكنية الآمنة والعبوات الناسفة على الطرق، وما يرافقه من دمار وجثث. وكان موقف البطريرك الماروني حيال هذا المشهد: «نحن مع الربيع العربي لكن ليس مع الربيع بالعنف والحرب والدمار، لأنه بهذه يصبح شتاء».
ولا بد لوثيقة الإخوان من ان تستوقف المسيحيين وسائر الطوائف الإسلامية، وخصوصاً الجماعات السلفية التي لا تشارك الإخوان في تصورهم للحكم الإسلامي، ولما يتوجب على المسلم «الصالح» التزامه من تعاليم دينه، في الواجبات كما في الحقوق، والتي يعتبر ميثاق إخوان سوريا خروجاً عليها، وخصوصاً في التعامل مع «الكفار» وفي توليتهم على المسلمين، في إطار فصل الدين عن الدولة، أي إبعاد ما هو روحي عما هو زمني، ذلك ان للإسلاميين المتشددين موقفاً من الدولة في ذاتها، إذ هم يعتبرون ان الدولة الإسلامية هي نتاج «تعاقد بين الناس والله، لمصلحة الأخير»، وان العالم منقسم بين «دار الإسلام» و«دار الحرب»، والناس ثلاثة أنواع: المؤمنون، والذميون، والكفار.
وتوجّه الاسلاميين في السلطة هو إلى حكم «المستبد، المستنير والعادل» الذي «لا يحكم باسم الشعب، بل باسم الله، وحيث الطاعة له عمياء، ولا مجال لديه لا لحرية الرأي ولا للمعارضة أو الانتقاد».
وثمة أمثلة كثيرة على ذلك في عالمنا العربي. وثمة من يعتبر ان التوجه نحو الدولة الدينية، سواء أكانت مسيحية أم إسلامية أو يهودية، هو سباحة بعكس تيار التاريخ الذي يتقدم إلى الأمام ولا يعود إلى الوراء كما يطالب السلفيون. كما ان على هؤلاء ان يعترفوا بأن الإسلام يمر بمرحلة انحطاط، وان صحوته يجب أن تنحو صوب الحداثة والمشاركة في صنع قيم جديدة تفضي إلى عقد اجتماعي وثقافي مع الأديان الأخرى، على غرار ما حصل في أوروبا بإنتاج حضارة هي مزيج من الفكر الكاثوليكي، والفكر البروتستانتي، والفكر اليهودي. على ان يتحول الحضور الإسلامي في الغرب إلى اغناء للفكر الغربي، بدلا من التقوقع في الخصوصية الثقافية والدينية الرافضة للاندماج.
وثمة باحثون إسلاميون يرون ان الإسلام مدعو إلى التكيّف مع العالم المعاصر من دون الرجوع مع السلفيين إلى الماضي لأنه مائت، ولا إلى التمثل بالغرب لأنه مميت، والإقدام على فصل الدين عن الدولة، وإقامة دولة مدنية «يتقدم فيها الروحي على الزمني، والروح على النص، شرط إسباغ طابع إنساني عليهما»، وعلى ما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي، على أن يكون المجتمع الإسلامي قائماً على المحبة «ذلك ان مجتمعاً خالياً من الحب، هو مجتمع تُلغى فيه العلاقات بين الناس، فيصبح مجتمعاً مستحيلاً». وأضاف: «يجب تقديم الروح على النص، لأن القلب هو الذي يخلق ويعطي، وليس العقل الذي يحسب».
وسبق لعبد الرحمن الكواكبي ان دعا إلى ما طرحه إخوان سوريا مطلع القرن الماضي، ما اعتبره الرئيس جمال عبد الناصر، بعد ثورة 1958، «رائداً للقومية العربية وللوحدة العربية».
وكان الكواكبي قال ان تولية رجل الدين المسلم للسلطة تصادر الحكم وتُخضع الأمة لسلطان مستبد، في مقابل سلطة روحية على المجتمع.
يبقى السؤال الكبير: إذا كان المسلمون يطمحون إلى الخروج من حال الانحطاط الذي لم يكن غفوة كما خيل إليهم بل تقهقر وتراجع، فهل هم جاهزون الآن لقفزة إلى الأمام على طريق الديموقرطية رغم ما يحوط تلك العملية من مطبات وأخطاء من جانب السلفيين؟
وهل يتقبل المسلمون الديموقراطية التي طرحها إخوان سوريا في عهدهم؟
وما دام الإسلام كان على الدوام «المحرر» في نظر المؤمنين به، فهل هو جاهز الآن لإكمال الشوط، على كرتي الديموقراطية والحداثة؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018