ارشيف من :أخبار عالمية
«البحرين»... البند الغائب عن القمة العربية!
في «لسان العرب» تعريف لكلمة «جمع» بالآتي: «جمع الشيء عن تفرقة... وجمعت الشيء إذا جئت به من ههنا وههنا. وتجمع القوم: اجتمعوا أيضاً من ههنا وههنا».
«جامعة الدول العربية» استقرّت في توازناتها السياسية على أن تستبعد ملف البحرين عن تداولات «القمة العربية». وملف البحرين، ملف عام ونيّف من الاحتجاجات والقتلى والمصابين والمعتقلين. ملف «إصلاح» حكوميّ لم ينجح في نزع فتيل أزمة ليست سوى الفصل الأحدث من سلسلة أزمات عاشتها البلاد في العقود الأخيرة نتيجة مسافة واضحة بين شريحة واسعة من الشعب البحريني، والأسرة الحاكمة بتحالفاتها الإقليمية والدولية.
رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قال أمس لوزير خارجية البحرين خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة إن بلاده واثقة من قدرة المنامة على «حل المشاكل داخل البيت البحريني». واكد الوزير البحريني من جهته خلال اللقاء الذي جاء على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب في بغداد، ان «البحرين ماضية بطريق الاصلاحات بما يحقق اهداف الشعب البحريني ويعزز الامن والاستقرار».
فمن هي بالضبط الأطراف التي «تجمعها» القمة العربية في بغداد؟ وما هو موقع هذه المؤسسة من «رياح التغيير» الهادرة في الأجواء العربية قاطبة؟ عمّا تنم التوازنات السياسية التي وقفت كما الحارس على باب الملهى الليلي يختار من يدخله ومن لا يصل عتبته؟ كلها أسئلة معلقة على مفارقة لافتة، تلخّص الكثير من ملامح «عودة العرب إلى بغداد»: نظام البحرين حاضر، وقضيتها غائبة؛ نظام سوريا مستبعد وقضيتها متصدرة...
الجامعة والمعارضة
في المقابل، يقول القيادي في جمعية «الوفاق» البحرينية المعارضة خليل المرزوق لـ«السفير»: «لا زلنا نعتقد أن الجامعة العربية لم تصل إلى مستوى الربيع العربي بعد، أو بتعبير آخر إلى مستوى يؤهلها معالجة قضايا الشعوب». ويضيف «لا زالت السيطرة على الجامعة قائمة من قبل الأنظمة التي لم تتطوّر إلى فضاءات تمثيل الشعوب، وفي إطار النخب الحاكمة. ولذلك يبقى من الممكن لهذه الأطراف أن تدخل في متاهات الصدامات فيما بينها على المصالح، بدلا من أن تقدم المبادرة الايجابية لحل قضايا الشعوب. لذلك ليس مستغرباً أن تهمل قضايا مهمة في المنطقة».
ويلفت المرزوق إلى أن استبعاد القمة للملف البحريني يأتي في استمرارية موقف الجامعة العربية السابق من البحرين، مشيراً إلى أن «الأمين العام للجامعة نبيل العربي، عندما أحرج في أنه لم يتطرق إلى الشأن البحريني، جاء في زيارة إلى المنامة ولم يلتق أي مكوّن من المعارضة. بهذه الطريقة أغلق باب الجامعة العربية أمام شريحة كبيرة من الشعب البحريني».
المعارض السوري هيثم مناع يقول لـ«السفير» إن «ما أسميه انتفاضة شعب البحرين ويسميه البعض مؤامرة تم التعامل معه بشكل مقلوب من المعادلة السورية». ويوضح انه «على الرغم من أن المعارضة البحرينية وطنية وبرلمانية وتعددية، إلا أنها تتهم بأنها معارضة مذهبية طائفية، وعلى الرغم من أن وجودها داخل البحرين قويّ وليست شكلية، تتهم بالاستعانة بالخارج. وعلى الرغم من أن أحداً من البحرين لم يطالب بتدخل خارجي، جاءت قوات خارجية إلى البلاد» في إشارة إلى قوات «درع الجزيرة» الخليجية التي تقودها السعودية.
أما في الحالة السورية «فبالإمكان القول إن المعارضة الوطنية مهمشة ومحاصرة إعلامياً ومالياً وسياسياً، في حين ان المعارضة التي تخلت عن استقلاليتها فهي مغرقة مالياً ومعوّمة إعلامياً، وتعرض علينا دبلوماسياً كأنها امر واقع، فيما هي حقيقة لا أمر ولا واقع»، بحسب قول منّاع.
ومن الإشارات إلى الدور الذي كان من الممكن للجامعة العربية أن تلعبه، تأثير الضغوط الخارجية على تعامل النظام البحريني مع المعارضة. ويقول المرزوق رداً على سؤال عما إذا كانت هناك أي مبادرة سياسية جارية لحل الأزمة في البحرين إن «الديوان الملكي أجرى اتصالات مع المعارضة قبل أكثر من شهر، لكن لم ينتج عنها شيء. فالضغط الدولي كان كبيراً على السلطات قبل الذكرى السنوية لـ14 فبراير (شباط)، وعندما توقف الضغط، سحبت المبادرة».
الجامعة وأنظمة الخليج
ويسلط المرزوق الضوء على أن أفق التغيير العربي يصطدم بكونه لم يشمل بعد أنظمة محورية في إمساكها بخيوط استراتيجية سياسياً واقتصادياً في المنطقة، وعلى رأسها أنظمة الخليج. لكنه يشير أيضاً إلى أنه «حتى دول الربيع العربي التي جاءت بتمثيل جديد للشعوب، تبقى محدودة في رؤية مصالحها مع الأنظمة الغنية الخليجية، مقدمة بذلك مصالحها على ما وعدت به شعوبها. والنتيجة تبدو وكأن الإنسان العربي في البحرين غير الإنسان العربي في أي مكان آخر».
والإثنين الماضي، اعلن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ان القمة العربية ستناقش الازمة السورية، الا انها لن تتطرق الى احداث البحرين. وبرّر زيباري القرار المثير للجدال بأنه «في سوريا الوضع مختلف، لأن الموضوع السوري أكثر إلحاحاً... وله تشعبات دولية واقليمية، وهناك اختلافات كثيرة اخرى» عن الوضع في البحرين.
«واضح أن ما تم هو عملية توافق على المصالح حول القمة العربية. فلم يتم استبعاد قضية البحرين فحسب من التداول، بل تم منع الشعب العراقي من القيام بأي احتجاجات تضامن مع الشعب البحريني، في إطار ترضية دول مجلس التعاون الخليجي»، يقول رئيس «جمعية شباب البحرين لحقوق الإنسان» محمد المسقطي لـ«السفير». ويضيف إن «سياسة التمييز ضد ما يحصل في البحرين من انتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان، توضح أن اعضاء الجامعة العربية لا يرغبون في أن يكون لهم دور حقيقي في البحرين، ولا يريدون للجامعة أن يكون لها دورها في مجال حقوق الإنسان، بل مجرد التجمع حول مصالح خاصة».
المرزوق يوضح أنه «على الرغم من أن المقايضة التي تمت في سبيل عقد القمة في العراق، قامت على استبعاد الملف البحريني من التداول الفعلي، إلا أننا لا نجد التمثيل الخليجي على مستوى رفيع»، ويتابع قائلاً «نستطيع الاعتبار أن رئاسة الجامعة العربية كانت خليجية خلال الفترة الماضية، لأن قطر لها حساباتها الخاصة بالتأكيد، لكنها تتحرك ضمن المنظومة الخليجية، في ظل تحالف عام وخاصة في ملفات حقوق الإنسان».
وفي معرض توضيحه لموقع البحرين بين دول الخليج، يقول هيثم منّاع إن «علاقاتي بالقوى الوطنية البحرينية بدأت في العام 1973، وكنت أسمّي البحرين زهرة الخليج. فهي التي أعطت خيرة الأفكار الديموقراطية مبكراً، كما في حالة العريضة الدستورية. وفي مجال مشاريع الدولة الدستورية بشكل عام استبقت القوى البحرينية مثيلاتها في الأقطار العربية. وبالتالي أعتبر أن الطليعة البحرينية تتخذ موقعاً طليعياً على المستوى العربي بمجمله وليس فقط على المستوى الخليجي»، مشيراً بذلك إلى عقود طويلة من النضال الوطني الديموقراطي البحريني الذي لطالما شكّل مظلة لمساحة واسعة من التنظيمات القومية واليسارية والعلمانية والإسلامية.
ويضيف هيثم منّاع «لا أتمنى للجامعة العربية أن تقع فريسة أي طرف، لتعكس على الأقل التعدّد العربي الحالي. لأننا كسوريين ليست لدينا خيارات كثيرة والخيار العربي مقبول من القطاعات الأوسع في المجتمع السوري»، مشيراً إلى إعادة تشكيل اللجان الوزارية في الجامعة العربية، على الرغم من أن زيباري كان قد أعلن أن قطر ستبقى على رأس اللجنة المكلفة الشأن السوري.
«فاقد الشيء لا يعطيه»، بهذه العبارة يردّ المرزوق على سؤال حول قراءته للدور الخليجي في المقارنة بين الملفين السوري والبحريني. ويتساءل «كيف لأحد أن يدافع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان خارج إطار دولته، وهو يمارس قمع هذه الحقوق حتى ولو تفاوتت الأشكال؟»، مضيفاً «اعتبر ذلك ازدواجية بل انفصاماً، والأحرى التساؤل: كيف أحقق الديموقراطية في البيت الخليجي؟». كما يشير المرزوق إلى الدور الخليجي في اليمن بالقول: «اكتفوا بالمبادرة على أن يخرج فقط علي عبد الله صالح ويبقى النظام، ويختطفوا الثورة».
«الإخوان» والتغيير الخليجي
وبالحديث على «التغيير الآتي» في الخليج، لا بد من التطرق إلى موقع لافت تتخذه جماعة «الإخوان المسلمين» في الحراك الخليجي المعارض والفعلي رغم بطئه الظاهر. فالسجال بين دولة الإمارات و«الإخوان»، واستضافة الكويت لعدد من الفعاليات «الإخوانية -الليبرالية»، إضافة إلى الخلاف الايديولوجي والسياسي بين «الإخوان» والأنظمة الخليجية في الداخل الخليجي كما في الدائرة العربية العامة، كلها نقاط تطرح استفهاماً حول مستقبل معركة سياسية إسلامية - إسلامية قد تكون هي الأعتى في المساحة الخليجية والعربية.
ويرى المرزوق أن «الإخوان المسلمين حققوا انتصارات سياسية في كل مكان، من مصر إلى تونس، وإذا صح القول بأن النظرة الإخوانية للأمور قريبة من الأتراك، فيعني كل ذلك أنهم يشعرون بسند قوي لهم». ويضيف «من حق أي فصيل أو توجه سياسي أن يطرح رؤيته للتغييرات الديموقراطية في كل مكان. ولسنا ضد الإخوان او تيار السلف، طالما هي تحركات حقيقية للدخول إلى الديموقراطية، وبناء مساحة حريات حقيقية». ويؤكد المرزوق أن «رياح التغيير هبّت ولن تنتهي إلا باقتلاع الأنظمة القمعية المستبدة، فمن يريد أن يتراجع ويتقاسم السلطة مع الشعوب كأحد مكوناتها فسيكون له ذلك، ومن يريد أن يعاند الشعوب ويرى نفسه أقوى من التغيير فسيفوته القطار».
في المقابل، يقول هيثم منّاع إن «النتائج الانتخابية للإخوان في مصر وتونس، وكما كان حال النتائج النيابية في قطاع غزة في العام 2006، أفقدت الحركات الإخوانية توازنها، فشعرت أنها انتصرت في كل مكان فيما بقيت في الحقيقة مهمشة وهزيلة في عدد كبير من البلاد»، ويضيف «كما قلنا سابقاً لأصدقائنا السوريين في الإخوان عندما ظنوا أن انتصار حماس والتحالف مع عبد الحليم خدام حقق لهم فوزاً: من يعوّل على مَن؟ ولذلك أقول اليوم لمن يشعر بالدعم بالوكالة، إن حماس تمكنت من الحصول على دعم شعبي حقيقي في عدد من الأقطار العربية، فليتحلّوا بالبراعة السياسية نفسها للحركة كي يحققوا ما حققته».
«التنوع في حراك التغيير العربي يكشف الذين ليس لهم علاقة بأي ثورة في الأوضاع العربية. من يقول إن «الدم السني واحد» هو بالضرورة مع القمع في البحرين والمقموع في سوريا، وإذا كان المقموع في سوريا غير سنيّ، فهذا يثير تساؤلات في نفسه». بهذه العبارات يصوّر هيثم منّاع دور «زهرة الخليج» في كشف حقيقة الحسابات السلطوية الضيقة، التي ترتدي ثوباً مذهبياً تارة وقومياً طوراً، وتخدم «الثورة العربية المضادة» وإن ظهرت في بعض الأحيان داعمة للثورة في هذا القطر أو ذاك...
مشهد الجامعة العربية على ضوء الغائب البحريني الحاضر، يقوّي حجة القائل بأن «الثورات» العربية التي ايقظت لدى الشعوب العربية إحساساً بالوحدة لم تحققه عناوين السياسة، لن تنجح في مهماتها ما لم تحقق تحوّلها إلى «ثورة عربية» واحدة تعيد رسم خريطة السلطة، لا قُطْرياً فحسب، بل قومياً وإقليمياً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018