ارشيف من :ترجمات ودراسات

المنافسة الإستراتيجية الأمريكية ـ الإيرانية: حرب باردة بالوكالة في الشرق ومصر والأردن(*)

المنافسة الإستراتيجية الأمريكية ـ الإيرانية: حرب باردة بالوكالة في الشرق ومصر والأردن(*)

تتناول الترجمة التالية انعكاسات التنافس الاستراتيجي الأميركي ـ الايراني في المنطقة، حيث يتحدث مُعد الدراسة الخبير الأمريكي آرام نيرغوزيان بالتعاون مع الخبير الاستراتيجي انطوني كوردسمان، عن معايير ما أسماها بـ"المواجهة بالوكالة" بين الولايات المتحدة وإيران في ظل الاضطرابات الحادة التي تشهدها المنطقة. وهذه الترجمة عبارة عن الملخص التنفيذي لدراسة هامة جداً تقع في 148 صفحة، طرح فيها الخبير مجموعة من التوجيهات والتوصيات للإدارة الأميركية حول الخيارات المتاحة لديها إزاء التعامل مع الملفات في المناطق التالية: سوريا، لبنان، الكيان الصهيوني، الفلسطينيين، ومصر والأردن، وذلك من أجل ضمان قطاف ثمار الثورات على حساب المصالح الايرانية الإقليمية.

مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية:

حرب باردة بالوكالة في الشرق ومصر والأردن
إن الجهود التي تبذلها إيران لتوسيع دائرة نفوذها في الشرق ومصر والأردن هي المعيار الأساسي في منافستها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وقد انقضى نحو عشرين عاماً على الغزو "الإسرائيلي" للبنان سنة 1982، وخمسة أعوام على الحرب التي اندلعت بين "إسرائيل" وحزب الله سنة 2006، ولا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها يتصارعون مع مستجدات نفوذ إيران المتعاظم في المنطقة واعتمادها الحرب بالوكالة والحرب اللامتكافئة. أقامت إيران علاقات قوية مع سوريا ومع جهات من غير الدول في المنطقة، منها حزب الله اللبناني وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس من خلال ما يسمّيه القادة الإيرانيون والسوريون "محور المقاومة". ولا تزال إيران تستغلّ التوترات العربية ـ "الإسرائيلية" بطرق تجعلها حاجزاً منيعاً يحول دون التوصل إلى سلام عربي ـ "إسرائيلي" دائم، بينما يتعين على الولايات المتحدة التعامل مع عداوة العرب لشراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل.
وفي الوقت عينه، تواجه إيران والولايات المتحدة على حدّ سواء درجة من عدم الاستقرار السياسي لا يُعرف لها مثيل في الشرق وباقي أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما يؤثر في كل ناحية في منافستهما الإقليمية. ولا يسع المرء في الوقت الحالي التنبّؤ بحصيلة النزاع في أي منطقة. حتى إنه لا يمكن التكهن بوقْع التغيرات على النظم على المدى القصير، ولا معرفة كيفية تأثير تلك التغيرات في العوامل الأساسية التي تؤجج التوترات الإقليمية. لكن من الخطورة بمكان تجاهل إبدال حكم فاشل بحكم فاشل آخر وإمكانية استمرار الانعدام السياسي أو الاضطرابات عدة سنين.

سوريا
إذا كانت سوريا تحدياً لصنّاع السياسة الأميركيين منذ عقود، فإن الجولة الحالية من عدم الاستقرار غير مسبوقة ولا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع في سوريا بالدقة الكافية ليتسنّى للولايات المتحدة صياغة استراتيجية دائمة على المدى القصير. بناءً على ذلك، ما لم تصبح المعارضة أكثر تماسكاً ويصبح كيانها واضحاً، وما لم تنشقّ أعداد إضافية من القوات السورية، ينبغي للولايات المتحدة تدبّر الخيارات التالية:
1. يرجَّح أن يؤدي الاستخدام المتزايد للعنف من جانب المعارضة إلى ردود عسكرية وأمنية أشرس من جانب النظام بادعائه قمع تمرّد مدعوم من الخارج لا ناشطين ديمقراطيين سلميين. لكن لم يبدر عن الولايات المتحدة ردّ واضح على هذا التفاقم المتزايد لانعدام الاستقرار السياسي في سوريا. وإتاحة الدعم المادي لقوى المعارضة سيكون مبرراً على الأرجح لتصعيد الإجراءات القمعية وللملمة صفوف القوى التي تدافع عن النظام. كما إن دعماً أميركياً أو غربياً في السرّ وفي العلن يمكنه إثارة ردّ سلبي من جانب روسيا والصين ودول أعضاء أخرى في مجلس الأمن لعدم رغبتها في تكرار الخطوات التي اتُّخذت في ليبيا.
2. لا يسع الولايات المتحدة تجاهل تطاير شرارات الصراع في المنطقة إذا تفاقم الفلتان الأمني في سوريا وهو ما يفرض تبنّي استراتيجية لاحتواء انعدام الاستقرار في سوريا. وسيكون للأحداث التي ستقع أو لا تقع في سوريا تبعات عميقة غير منظورة على التوازن الطائفي الدقيق في لبنان، وعلى أمن إسرائيل على امتداد خاصرتيها الشمالية والشرقية، وعلى الاستقرار في الأردن الذي يشهد اضطرابات داخلية متفاقمة، وعلى الوضع الضاغط على امتداد الخاصرة الشمالية لتركيا فيما تحاول أنقرة احتواء جماعات كردية سورية وعراقية تزداد جرأة. إن انهياراً في سوريا ـ تحت السيطرة أو خارجاً عنها ـ ربما يبشّر بقطع الحبل السُّرّي لإيران في الشرق، لكنه قد يبشّر أيضاً بتعريض حلفاء الولايات المتحدة الحديثين والاستراتيجيين لموجات من الاضطرابات على مدى سنين عديدة قادمة. لذلك، يتعين على الولايات المتحدة العمل مع هذه الدول على تخفيف هذه الضغوط إذا ما ازداد الوضع في سوريا تدهوراً.

3. إذا كان للولايات المتحدة أسباب لمساندة قوى المعارضة الديمقراطية أو الأكثر تمثيلاً للقوى الشعبية في سوريا، فهذا الدعم قد لا يُترجَم إلى استقرار أكثر في سوريا وإلى أن يسود السلام بينها وبين جاراتها سواء على المدى القصير أو الطويل. وليس هناك تجربة واقعية سابقة تؤكد أن سوريا بعد رحيل الأسد ستبرم سلاماً مع إسرائيل، أو تتنازل عن مطالبتها بهضبة الجولان، أو تقطع دعمها عن العناصر الفلسطينية التي تنشط داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو خارجها.
4. إن الفيتو الروسي ـ الصيني المزدوج رسالة لا يمكن للولايات المتحدة تجاهلها؛ وإذا كانت تأمل بحشد دعم أوسع في المجتمع الدولي، يتعين عليها مراعاة مصالح وأولويات القوى الرائدة والناشئة الأخرى. ويتعين عليها التعاون الوثيق مع حلفائها لطمأنة ما يسمى دول البْرِيك (BRIC أو دول البرازيل وروسيا والهند والصين) بأن سوريا لن تكون ليبيا أخرى، وأن التدخل العسكري في صميم الصراع العربي ـ الإسرائيلي غير وارد إطلاقاً.
5. اقترح بعض المحللين دقّ إسفين بين المؤسسة الأمنية والطائفة العلوية من جهة وبين النظام الأسدي. ومع أن هذه المقاربة منطقية من حيث المبدأ، ربما ينبغي للولايات المتحدة الاعتراف بأن إمكانية القيام بذلك ضعيفة. ذلك أن مرور الوقت وشلالات الدم زادت صعوبة تصوّر عدم القيام بعمليات ثأرية تستهدف الطائفة العلوية إذا ما سقط الأسد. ومع أن العديد من العلويين لا يحبّون بشار أو لا يساندونه، فإن إمكانية خسارتهم حظوتهم السياسية واستقلالهم الاقتصادي عائق أساسي يحول دون انشقاقهم. وحتى لو افترضنا سيناريو تتحلّى فيه المعارضة المنتصرة بالشهامة، لا يوجد ما يشير إلى أن قاعدة بشار، والأقليات الأخرى التي تساند نظامه، تراهن على إمكانية حصول ذلك.

6. إذا كانت الأحداث الجارية في سوريا تُبرز تحديات للولايات المتحدة والغرب، فهي تُبرز تعقيدات للسياسة الخارجية الإيرانية أيضاً، ولكيفية تنافس الولايات المتحدة وإيران في سوريا استطراداً في المستقبل. لا ريب أن إيران ستواصل مساندة جهود نظام بشار لسحق التمرّد الشعبي، لكنها تقوم بذلك مع التسليم بأن عودة الأمور إلى سابق عهدها في سوريا أمل يتلاشى وليس هناك نتائج مؤكدة. لذلك نجد موقف إيران مرتبكاً في الشرق ويمكن بسهولة أن يؤدي إلى إحراز تقدم، أو إشعال مواجهة مع الولايات المتحدة والغرب في سوريا، وكذلك في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية.
7. لا تحظى فكرة التدخل المباشر في سوريا حتى هذه الساعة بسوى دعم محدود من جانب الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي. لكنْ هناك أسباب تبرر قيادة الولايات المتحدة تلك الجهود بشكل مباشر (أو غير مباشر). فانسحاب القوات الأميركية من العراق أثار الكثير من التساؤلات عن دور الولايات المتحدة ونفوذها في المستقبل، وخصوصاً في سياق المنافسة الاستراتيجية مع إيران. وانعدام الاستقرار في سوريا يتيح فرصة لواشنطن لإضعاف موقف إيران في المنطقة، وإضعاف أو تغيير قيادة أحد حلفائها الإقليميين الرئيسيين، وربما تحجيم الدور الذي تلعبه إيران في الصراع العربي ـ "الإسرائيلي" من خلال حزب الله.
8. سوريا ليست ليبيا، فعدد السكان في سوريا يزيد على ثلاثة أمثال عدد السكان في ليبيا، والكثافة السكانية في سوريا تناهز ثلاثين ضعف الكثافة السكانية في ليبيا، علماً بأن الجيش السوري أضخم حجماً وأوفر قدرة بكثير من الجيش الليبي. كما تتمتع سوريا بدعم سياسي ومالي وعسكري قوي من إيران ومن روسيا. وهذه العوامل تعقّد حسابات التدخل العسكري في سوريا، سواء من ناحية المقاومة العسكرية التي يمكن أن يبديها النظام أو إمكانية إلحاق خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. كما إن قوى المعارضة في سوريا لا تسيطر على مناطق حيوية لبقاء النظام، والظاهر أن أغلب هجماتها، ولو كانت منسقة، ذات عمق تكتيكي أو استراتيجي محدود ولمّا تشكّل تحدياً خطيراً للوحدات الموالية للنظام.

9. سيصار في أحسن الأحوال إلى إبدال النظام الأسدي بقيادة ديمقراطية يهيمن عليها السنّة ومؤيدة للسياسات الخارجية الأميركية والخليجية لا سيما السعودية، مثل خفض مستوى العلاقات مع إيران وما يستتبع ذلك من تأثيرات في القنوات التي تمدّ إيرانُ من خلالها حزبَ الله بالأسلحة والدعم. وفي أسوأ الأحوال، تبقى سوريا عديمة الاستقرار وغارقة في حرب طائفية طاحنة، وهو صراع يمكنه إدخال دول الجوار، لا سيما المملكة العربية السعودية وإيران، في دورة محاربة إقليمية بالوكالة. لكنّ الشيء المؤكد هو أن الدور الإقليمي السوري سيعتريه الوهن الشديد، أياً يكن السيناريو، بعد سنة من الاضطرابات.
لكنّ التريّث يصبح بلا معنى إذا بلغت الإجراءات القمعية في سوريا حدّاً يجعل تدخلاً عسكرياً إنسانياً في أي صورة ضرورةً مطلقة. إنه خيار وضعت له الولايات المتحدة خطة، لكنّ المخاطر كبيرة، وربما يستغرق تطبيقها عدة أسابيع، وربما يُعتبر تدخل حليف "إسرائيل" الأوثق إجراءً يخدم مصلحة "إسرائيل"، وهو تلازم يمكنه تجريد المعارضة السورية من المصداقية. وحتى لو توافر دعم تركي وعربي، لن تتجلّى مفاعيل أي تدخل بقيادة الولايات المتحدة في مجال الإغاثة الإنسانية بقدر تجلّيها في مجال الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة والدول الخليجية في التنافس مع إيران وسوريا وفي إحلال الاستقرار في منطقة يمكن أن تظل عديمة الاستقرار عدة سنين. كما إنه لا مفرّ من أخذ درجة الاستقطاب السنّي ـ الشيعي في المنطقة والكراهية المتبادلة بين دول الخليج الجنوبية وإيران في الحسبان عند معاينة المكاسب والخسائر التي قد تترتب على تدخل أميركي واسع النطاق في الشرق.

لبنان
إذا بقي لبنان في حالة استقرار نسبي طوال مرحلة الاضطرابات هذه، فهو يبقى عرضة لمخاطر حقيقية تهدد استقرارَه وفرصَ إدارة السياسات الأمنية في الشرق وهو أمر لا ينبغي للولايات المتحدة تجاهله.
1. إذا كان الغرق في مساعٍ إيديولوجية في لبنان أمراً سهلاً، ينبغي أن يبقى تركيز السياسة الأميركية منصبّاً على سياسة مبنية على حقيقة أن لبنان سيظلّ المشكلة العويصة في السياسة الخارجية الأميركية. وهذا يقتضي سياسة براغماتية تسعى لخفض تأثير لبنان الجيوسياسي واحتواء المخاطر الناشئة عن حزب الله وعن القوى الأخرى المناوئة للمصالح الأميركية في الشرق. ويتعين على الولايات المتحدة الاستفادة من حقيقة أن علاقة إيران محصورة بحزب الله بينما العلاقات الأميركية تشمل طيفاً واسعاً من المؤسسات والقوى السياسية اللبنانية.

2. أثار سقوط حكومة فريق 14 آذار برئاسة الحريري في كانون الثاني 2011 مخاوف في واشنطن من انقلاب دستوري يدبّره حزب الله ومن اشتداد شوكة القوى المعادية للولايات المتحدة والمقربة من إيران وسوريا. لكنّ حالة عدم الاستقرار في المنطقة والاضطرابات التي مضى عليها وقت طويل في سوريا أضعفت كثيراً تأثيرات تلك التغييرات التي حدثت في بيروت. وينبغي للولايات المتحدة عدم إضاعة الفرصة السانحة الآن لبناء جسور مع قوى تنظر إلى حزب الله بمزيد من عدم الثقة وإن كانت تقيم روابط قوية مع سوريا ومع النظام الأسدي. ونشير إلى أن رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي لم يكن الخيار الأول لحزب الله لشغل المنصب الذي يشغله حالياً. وفي هذه الأثناء، تبقى حكومته متمسكة بالتزامات لبنان الدولية وتوّاقة إلى تعزيز الروابط بالولايات المتحدة لتدرأ عن لبنان مزيداً من الشحن الطائفي السنّي ـ الشيعي. والولايات المتحدة في غنى عن مزيد من الإخلال باستقرار لبنان ويتعين عليها العمل مع حلفائها الحاليين ومع الحلفاء الجدد المحتملين لاحتواء انعدام الاستقرار اللبناني وإدارته.
3. ينبغي للولايات المتحدة مواصلة تقديم الدعم لقوة اليونيفيل وللجيش اللبناني بحكم تأثيرهما الحقيقي في السياسات الأمنية على امتداد الخط الأزرق. وهذا يعني أولاً القبول بأن أداء بعثة الأمم المتحدة دور متلقي الصدمات في نظر كل من الإسرائيليين واللبنانيين يُسهم في إحلال الاستقرار على امتداد الخاصرة الشمالية لإسرائيل، ويعني أيضاً أن الجيش اللبناني، ولو لم يكن تلك القوة العسكرية اللاطائفية التي أمل بها البعض في الولايات المتحدة، يبقى مكوناً أساسياً في احتواء انعدام الاستقرار في البلاد.

4. في مقابل الدعم الأميركي للجيش اللبناني، مضى على الدعم الإيراني لحزب الله 25 سنة. وبالنظر إلى ضعف الحلفاء السياسيين للولايات المتحدة ومحدودية الخيارات السياسية المتاحة للولايات المتحدة في لبنان، تظلّ الدبلوماسية العسكرية الطويلة المدى مكوّناً حاسماً في المحافظة على نفوذ الولايات المتحدة في لبنان وصون موقعها في السياسات الأمنية في الشرق عموماً. وينبغي للكونغرس الأميركي دراسة إمكانية وقف تعليق إمداد الجيش اللبناني بمساعدة عسكرية فتاكة محدودة سبق وأن طلبها. كما ينبغي لوزارة الخارجية، بموافقة الكونغرس، المضي في تقديم مساعدة تناهز 100 مليون دولار أُقرّت لبرنامج التمويل العسكري الخارجي للبنان للسنة المالية 2011 تلافياً لإمكانية نفاد الأموال التي لم تُستخدم في برامج المساعدة والتعاون الأمني الأميركية قبل نهاية العام 2011.
5. ينبغي للولايات المتحدة دعم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بطريق لا تقوّي التصورات السلبية حيال الولايات المتحدة في الوقت نفسه. وبالنظر إلى عمق الانقسامات في لبنان، لن تسجّل الولايات المتحدة نقاطاً في منافستها مع إيران إذا لم تتمكن المحكمة من تبديد التوصيفات التي تصوّرها بأنها أداة سياسية غربية غرضها الوحيد إضعاف سوريا وإيران في الشرق.

الكيان الصهيوني
يُظهر هذا التقرير أن "إسرائيل" حلبة أساسية للمنافسة الأميركية ـ الإيرانية، ودورة انعدام الاستقرار الأخيرة ستبقى عاملاً أساسياً في بلورة العلاقات الثنائية بين البلدين وروابطهما الأمنية.
1. "إسرائيل" محاطة اليوم بحزام عديم الاستقرار، لكنّ المضامين البعيدة المدى تظل غير مؤكدة. ستواصل الولايات المتحدة تقديم ضمانات سياسية وأمنية "لإسرائيل" تعزيزاً لشراكتهما الاستراتيجية. كما سيواصل البلدان تنسيق جهودهما لتقليص النفوذ الإيراني في الشرق ولجمه.
2. أبرزت دورة الاضطرابات الإقليمية الحالية حاجة الولايات المتحدة إلى إنضاج المفاوضات "الإسرائيلية" ـ الفلسطينية المتعلقة بحل الدولتين. وبالنظر إلى المشاعر السائدة في العالم العربي، وتفضيل الولايات المتحدة التوصل إلى سلام دائم وحاجتها إليه، ورهان الفلسطينيين على الأمم المتحدة في إقامة دولتهم، يتعين على "إسرائيل" والفلسطينيين الإمساك بزمام المبادرة. لكن لا تزال الثقة المتبادلة معدومة بين "إسرائيل" والفلسطينيين، ولا يوجد ما يؤكد نجاح أي عملية سلمية. لكنّ عدم بذل جهود إضافية يعني تعزيز الجهود التي تبذلها إيران لإفشال جهود السلام، وإضعاف الدور الأميركي في تغيير العالم العربي، وزيادة جنوح الفلسطينيين إلى التطرّف في وقت ينبغي أن تكون الغلبة فيه لأصحاب المنطق العقلاني.

الفلسطينيون
إن دور الفلسطينيين وموقعهم في سياسة أمريكا وتنافسها مع إيران جزء لا يتجزّأ من خلاف الدولتين المتعلق بإسرائيل.
1. إن تعليق المساعدات المخصصة للفلسطينيين لا يفيد بشيء في تعزيز موقف الولايات المتحدة في الشرق عموماً وفي الصراع العربي ـ "الإسرائيلي" خصوصاً. وإذا كان الرهان على الأمم المتحدة في إقامة دولة فلسطينية أزعج البعض في واشنطن، تبقى حقيقة أن قوة أي تحالف على قدر قوة مجموع مكوناته، والرهان الفلسطيني أعطى رئاسة محمود عباس، وهو حليف أساسي في المنطقة، دفعة هو في أمسّ الحاجة إليها. ولوم السلطة الفلسطينية على رهانها سيصبّ فقط في خانة الفصائل الفلسطينية الموالية لسوريا وإيران ويشوّه صورة الولايات المتحدة في الشرق. لذلك، ينبغي للولايات المتحدة مواصلة تعهّد علاقتها بالسلطة الفلسطينية والوفاء بالتزاماتها المادية تجاهها.
2. الولايات المتحدة، كما "إسرائيل"، في حاجة إلى القيام بعمل جبّار لإعادة السلطة الفلسطينية إلى مائدة المفاوضات ومناقشة حلّ الدولتين. وإذا كان رهان السلطة الفلسطينية على الأمم المتحدة عزز إلى حدّ بعيد موقف الرئيس عباس، فإن تأثير ذلك سيتلاشى بمرور الوقت ما لم يسخّره الطرفان في خدمة المفاوضات. ويتعين على اللجنة الرباعية بقيادة الولايات المتحدة دفع عجلة جهود السلام، وإلاّ فسوف يضعف الموقف الفلسطيني إلى حدّ تعزيز موقف الفلسطينيين المناوئين للغرب وتقوية دور المفسد الذي تلعبه إيران في الصراع العربي ـ "الإسرائيلي".
3. ثبت أن العامل الإسلامي ـ الفلسطيني الخارج عن السيطرة، أداة حاسمة لبسط النفوذ الإيراني في الشرق كوسيلة للتأثير في الصراع العربي ـ "الإسرائيلي". كما إن التعويل على جماعات مثل حماس وسيلة مهمة أيضاً لحشد الدعم السنّي الذي تنشده إيران بشدة في المنطقة. ومع أن قطيعة علنية سافرة بين سوريا وحماس نكسة لإيران، لا تزال طهران تنمّي علاقاتها بالجماعات الإسلامية الفلسطينية، كما إنها لا تزال ترفض إلى الآن زيادة عزلة حماس لانتقادها النظام الأسدي، إلى حدّ أنها دعت رئيس الوزراء إسماعيل هنيّة إلى زيارة طهران في مطلع شباط 2012 من أجل التشاور.
4. ينبغي للولايات المتحدة استغلال الشرخ في علاقات سوريا بحماس. وإذا كان تحاور الولايات المتحدة مع حركة الإخوان المسلمين المصرية سهلاً نسبياً، فإن مدّ اليد إلى جماعة إسلامية تعتبرها الحكومة الأميركية جماعة إرهابية أصعب بكثير. وفي هذه الأثناء، لسنا نعرف كيف وإلى متى ستواصل إيران سياسة دعم هذه الجماعات بالنظر إلى الدعم الإيراني المطلق للنظام الأسدي المدعوم من أقلية في سوريا. لكن المؤكد هو أن إيران، بخلاف الولايات المتحدة، أبدت مرونة كافية للتأقلم على الأقل مع التحولات التي تشهدها الساحة السياسية الفلسطينية.

مصر والأردن
أخيراً، السياسة الأميركية تجاه مصر والأردن مدفوعة بعدد من العوامل المشتركة التي لها تأثير في تحديد مدى انكشاف هاتين الدولتين الحليفتين الرئيستين للولايات المتحدة أمام التأثير والتدخل الإيراني.
1. إن خروج الرئيس مبارك من السلطة يعني أن مصر ستمرّ في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار فيما تتأقلم مع دور الجيش في المجال السياسي وخارجه، ومع دور الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية الأخرى والحركات السياسية والإصلاحية التي تعمل على صياغة المشهد المصري بعد تنحي مبارك. ويتعين على الإدارة الأميركية وعلى الكونغرس الأميركي التحلي بالمرونة في سياق السعي للمحافظة على الروابط مع مصر "الجديدة"، وهي خطوة حساسة في طريق ضمان الاستقرار في الشرق وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عموماً.
2. المساعدات العسكرية التي تقدمها أمريكا والمعونات المالية التي تقدمها دول الخليج حاسمة في إرساء الاستقرار بمصر بعد مبارك. ويتعين على أمريكا تعزيز علاقاتها العسكرية بمصر مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التعامل مع حاجاتها الاقتصادية أيضاً. وإذا كان التمويل الخليجي يساعد على ضخ الاستثمارات وعلى رفع المؤشرات الاقتصادية الصُّغرية، وحدها الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى يمكنها تقديم الدعم الاجتماعي الاقتصادي الذي يقوّي الحوكمة والمساءلة الحكومية على المدى الطويل.

3. يرجح أن تتزايد الشكوك حيال الروابط الثنائية مع إسرائيل مع توصل الجيش المصري إلى تفاهمات مع القوى السياسية الإسلامية في البلاد. لكنّ التهديد بقطع المساعدة العسكرية ليس أكثر فاعلية من التخفيضات المقترحة للمساعدات التي تُمنح للبنان وللفلسطينيين. وعلى أقل تقدير، يمكن أن تكون تبعات هذا الإجراء أشدّ إضراراً بالاستقرار الإقليمي والأمن "الإسرائيلي". ومع ذلك، يتعين أن توازن الولايات المتحدة بين المساعدة العسكرية والتزام مصر بمعاهدة السلام التي وقعتها مع "إسرائيل" وببذل مزيد من الجهود لتثبيت الأمن الآخذ في التدهور في شبه جزيرة سيناء.
4. إذا كانت مصر ستواجه تحديات في السنين القادمة بعد رحيل مبارك، فإن الفرصة سانحة الآن لكي تستعيد الكثير من الصدقية والمهابة التي فقدتها خلال العقود الثلاثة الماضية. وإذا كان ذلك يعني أن مصر ستكون أقل مراعاة لأولويات الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية و"الإسرائيلية"، فالواضح أن تعاظم أهمية الدور الذي تلعبه مصر في السياسات العربية سيكون على حساب دور إيران الشيعية.
5. إن تصاعد التوترات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين الأقباط بمصر مشكلة خطيرة. وعلى الأرجح أن يكون لاستمرار تدهور العلاقات بين الطائفتين وقْع سلبي على نحو متزايد على الاستقرار الداخلي. ومع أن الأقباط يشكلون 10 في المئة من عدد  السكان في مصر، يظل هؤلاء المسيحيون البالغ عددهم عشرة ملايين أقوى طائفة مسيحية في الشرق. ومع اشتداد التوترات الطائفية في سوريا، وتبادل التهم الطائفية المستمرّ في لبنان، واستنزاف المسيحيين في العراق والأراضي الفلسطينية، يتعين على الولايات المتحدة ومصر فعل المزيد لمنع السياسات الطائفية والمحلية من التحول إلى مصدر آخر لعدم الاستقرار في منطقة غارقة في الاضطرابات.

6. الأردن كما مصر له أهمية كبرى بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، ويتعين عليهم بذل كل جهد ممكن لتجنيبه اضطرابات مطوّلة أو حتى محدودة. وهنا أيضاً، الولايات المتحدة في حاجة إلى مواصلة تقديم برامج الدعم الأمني والاقتصادي للمملكة الهاشمية بالتوازي مع دعم إصلاحات ديمقراطية سلمية أيضاً. كما ينبغي لها مواصلة دعم الجهود الخليجية الرامية إلى ضمّ الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي كواحد من الإجراءات الهادفة إلى الحدّ من انعدام الاستقرار الإقليمي وتعزيز أمن المملكة.

(*) سلسلة ترجمات (208)
ـــــــــــــــــــــــ
بطاقة التعريف بالترجمة
العنوان
: حرب باردة بالوكالة في الشرق ومصر والأردن
المؤلفون: آرام نيرغوزيان
جهة الإصدار:  مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ـ CSIS
تاريخ الإصدار: 12 آذار 2012
عدد الصفحات:  07 صفحات
جهة إصدار الترجمة:  مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ إصدار الترجمة: 15 آذار 2012

2012-03-31