ارشيف من :أخبار لبنانية

الجزيرة وشقيقتها... متى نقاطع الظهور على شاشاتهم؟

 الجزيرة وشقيقتها... متى نقاطع الظهور على شاشاتهم؟

 "الوطن" السورية

نشرت صحيفة «سبيليش زايتونغ» الألمانية في مطلع العام الجاري دراسة مطولة عنوانها (لماذا تأخرت الثورات العربية 222 عاماً عن الثورة الفرنسية) للصحفي والباحث في شؤون الشرق الأوسط يورغن تودنهوفر (ولد عام 1940 درس القانون وهو خبير في الشؤون الدفاعية وكاتب سياسي وعضو في حزب الاتحاد المسيحي الألماني الديمقراطي وعضو في البرلمان الألماني خمس فترات انتخابية وهو مطلع ومتخصص في شؤون الشرق الأوسط وزار سورية عده مرات خلال الأحداث كما أنه زار جميع الدول التي شهدت احتجاجات في المنطقة). كانت غاية تودنهوفر هي نقل حقيقة ما يجري في الدول التي شهدت احتجاجات محاولاً قدر الإمكان التحقق من صحة ما ينقله الإعلام على أرض الواقع منعاً لحدوث أي تضارب في نقل الحدث من هنا خصص تودنهوفر جزءاً من المحاضرة للحديث عن دور الإعلام السيئ في هذه الأحداث معتبراً أن دور قناة الجزيرة مرتبط بشبكة من وسائل الإعلام والصحف الغربية بغرض صب الزيت على النار حيث يتلخص دورها في تضخيم أحداث الثورات والتهويل في حجمها الحقيقي. كما اعتبر أن قطر لم تصبح أكبر مصدِّر للسلاح إلى المناطق التي تشهد هذه الأحداث فحسب وإنما أصبحت المحرك لهذه الأحداث بوساطة قناة الجزيرة التي تحولت من وسيلة إعلام إلى أداة للضرب والتحريك مؤكداً أنه كان شاهدًا على أكثر من حالة تضليل لهذه القناة في سورية ومصر وليبيا.

انطلاقاً من هذا الموقف لأحد كبار المحللين السياسيين الغربيين يراودنا السؤال التالي:

إذا كان العاقلون في الغرب يدركون ماهية قناة الجزيرة ويتكلمون بذلك فلماذا نصر أن نعطي قناة الجزيرة الرأي الآخر ألا يجدر بنا أن نتركها لرأي واحد فقط ؟

في الأسابيع الأولى للأحداث في سورية بدا الأمر لكل المتتبعين أن الحرب ستكون في جزء كبير منها حرباً إعلامية وأن معركة الصورة ستكون أهم بكثير من معركة الرصاص، وفي سورية إن كنّا نتقن تماماً معركة الرصاص وتحديداً عندما يتعلق الأمر بمصير الوطن الذي نحبه فإن معركة الصورة بدت جديدة علينا، وخصوصاً مع دخول امبراطوريات إعلامية في خضم المعركة تمتلك مقداراً كبيراً من المصداقية أولاً، والنفوذ السياسي والمالي ثانياً. مع ذلك ورغم ضعف المساحة التي كانت ممنوحة للعب فيها كإعلاميين في سورية فقد أنجز إعلامنا الوطني بكل أصنافه الشيء الكثير على الرغم من أن هناك من يوجه الكثير من الملاحظات حول أداء هذا الإعلام إلا أن جلّ هذه الملاحظات يبدو فيها نوع من التجني والتسرع في إطلاق الأحكام ولكل من يبدو مندهشاً من هذا الكلام أقول:

في أي معركة عليك أن تتابع ما الذي يزعج عدوك وردة فعله تجاهه واليوم عندما نعلم أن وسائلنا الإعلامية بالكامل معاقبة من قبل من يدّعون أنهم دعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فاعلموا أنهم لم يعاقبوها من فراغ ولكنها أوجعتهم فاختاروا معاقبتها، تماماً كما اختاروا أن يعاقبوا الشعب السوري بالكامل لأنه اختار الوقوف مع الوطن وليعلم الكثيرون أن المعركة الآن هي لمعاقبة الشعب السوري أ كثر منها لمعاقبة القيادة السورية.

لقد لعب الإعلام المعادي دورين أساسيين:

الأول: دوره في قلب الحقائق وخلق الأحداث وتضخيمها.

الثاني: دوره في الإساءة للرموز الوطنية.

لكن في المطلق لا يمكن لنا أبداً أن نصف الإعلام الآخر مغرضاً بالكامل فهناك الكثير من القنوات حاولت ونقلت فعلاً الكثير من الحقائق حتى لو تضمنت هذه الحقائق أحياناً انتقاداً لتصرفات بعض العناصر الأمنية فهذا الأمر لم يكن يزعج أحداً وتحديداً أن السيد الرئيس اعترف بوجود هذه الأخطاء، أما البعض الآخر فهو حاول الهروب من حقيقة الوضع بالقول إنه لم يُسمح له أبداً بالدخول علماً أن الأمر لم يكن كذلك حيث إن هناك قنوات كثيرة كانت موجودة على الأرض منها الإقليمي والعربي والأجنبي وبالتالي فإن هذه القنوات اعتمدت مصدراً واحداً للمعلومة وهما قناتا الجزيرة والعربية، أي إنهم قد يبررون ما يبثون بالقول إن المصدر مثلاً هو قناة الجزيرة وهذا ما كانت تفعله معظم القنوات الأجنبية وهكذا تكامل دور قناة الجزيرة في صناعة الحدث المزيف مع دور من يقف وراءها من المستعربين في صناعة المبادرات التي كانت في ظاهرها الحرص على الشعب السوري أما باطنها فهو تفتيت سورية كدولة متكاملة. ولأن الجزيرة اكتسبت هذه المصداقية فقد كان من الصعب تماماً تبديل وجهة النظر الخاصة بذلك وخاصةً أن القناة كانت تُعد في مراحل كثيرة مُهادنِة للحكم في سورية وبالتالي كان يجب علينا أولاً وأخيراً أن ننتبه أن معركتنا هي مع قناة الجزيرة فقناة العربية ليست بتلك القوة وبالأخص أنها تتبع لآل سعود وهي مثلها مثل صحف آل سعود التي تقوم بتبييض صفحة الأمراء عبر الكَتَبة كأولئك الذين هللوا منذ أيام بالخطوة الإصلاحية الجريئة التي قام بها آل سعود بالسماح لرعيتهم العازبين بالدخول لمراكز التسوق منفردين ولكن في أيام محدودة وعندما لا يكون هناك عائلات!؟

كانت الجزيرة تريد في الأساس خلق حالة وكيان وجودي لشيء اسمه معارضة سورية بحيث يتم التسويق لها وكأنها الأمل الأخير في إنقاذ سورية قبل انفجار الوضع ولأن القناة مثلها مثل غيرها كانت تعتقد أن لا شعبية للنظام في سورية وأنه بمجرد خروج أول مظاهرة في سورية ضد النظام فإن المظاهرات ستعمها من أقصاها إلى أقصاها، فسعت لتصوير الوضع في سورية وكأنه مواجهة بين سلطه قائمة ومعارضة تمتلك الشارع. في تلك الفترة تصدى العديد من الأساتذة والمحللين ليشرحوا حقيقة ما يجري من أحداث في سوريه لإيصال الحقيقة للمواطن العربي. أجاد الكثير منهم في مجابهة الطرف الآخر ولكن المشكلة لا تكمن أبداً في قدرتهم على الشرح والإقناع لأنهم بالنهاية أصحاب حق، ولكن المشكلة تكمن في الطرف الآخر الذي لا يريد الاستماع لما يقوله من يدافع عن حقيقة الواقع في سورية أولاً وثانياً لأن الأمر يتعلق برغبة المحطة ألا تكون حيادية في نقل وجهتي النظر.

من هنا بدأت الدعوات لمقاطعة هذه القناة والكف عن الظهور عليها ولكن في كل مرة كنا نجابه بمعارضة هائلة بالقول: إن من واجبنا الرد على هذه الادعاءات علماً أن الأمر لم يكن أبداً بحاجة للفطنة لنعلم أن الظهور كان ضرره أكبر من فائدته من مبدأ تبييض الخبر ومن هنا بات المواطن يتساءل هل هو ظهور من أجل الدفاع عن السلطة أم أنه ظهور لمجرد الظهور علماً أن البعض منهم كان يتنقل يوم الجمعة بين أكثر من محطة وهذا في علم الصورة يضر صاحبه ويضر الفكرة التي يدافع عنها أو ما يمكننا أن نسميه (حرق الشخصية بالظهور المتكرر)، هذا بغض النظر أن بعض المتحدثين غير المتخصصين تحديداً ربما لا يمكنه إقناع عائلته بتحليلاته فما بالكم إن كان الأمر يتعلق بمخاطبة الملايين في خضم هذه الفوضى العربية التي تجتاح منطقتنا.

ولأن الشعب السوري سابق لنخبه بآلاف الأميال (كم هي مقيتة كلمة مثقف أو نخبة وتحديداً بعد ما شاهدناه في سورية من استغلال لهذه الكلمة حتى أصبح الممثلون نخبة ومثقفين في حين الشباب المجاهد على صفحات التواصل الاجتماعي وعلى أرض الواقع هم- ناشطين- ولهذا حديث طويل سنتركه لوقته)، فقد قرر مقاطعة هذه القناة تماماً وبالفعل بدأ جهاد الشباب على صفحات التواصل الاجتماعي يعطي ثماره إن كان من خلال الدعوة لمقاطعة القناة أو من خلال تنظيم وقفات احتجاجية أمام مكتبها في دمشق. بدا واضحاً أن أغلب الشعب السوري بات يتجاهل هذه القناة تماماً التي كانت قد أوقفت كامل برامجها منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بحسني مبارك (والذي يسمونه عبثاً ثورة) للتفرغ تماماً لبث الفتن حول ليبيا وسورية متجاهلة المذبحة المفتوحة بحق الشعب البحريني فوجد القائمون عليها أن الموضوع دخل فيه نوع من الرتابة والملل وأن المطلوب الانتقال من مرحلة خلق الأحداث وتضخيمها إلى مرحلة تشويه الرموز والإساءة لهم وبالتالي كان القرار بإعادة برنامجهم الحواري الذي يفاخرون به وخاصة أن مقدم البرنامج هو سوري الجنسية، معتقدةً أن هذا البرنامج ذا الشعبية الكبيرة قد يعود ويجذب السوريين لمتابعة القناة وبالتالي ما فشلوا به عن طريق نشرات الأخبار ربما يحققونه عن طريق هذا البرنامج واستعادة ما أمكن من جمهورهم السوري الذي فقدوه.

عاد البرنامج إلى حلقاته الأسبوعية لينتقل معه المواطن السوري (والذي أعود وأصر أنه سابق لنخبه بآلاف الأميال) من مرحلة المطالبة بمقاطعة الظهور على القناة إلى مرحلة الانزعاج الحقيقي من السوريين الذين يظهرون على شاشتها. لكن مشكلتنا أننا حتى الآن ما زلنا نتجاهل نبض الشباب ولا نصغي لما يريدون وللأسف وقعنا في نفس المطب: فلماذا قبل السوريون المشاركة بهذا البرنامج؟

أليس هناك من موجبات تحتِّم علينا الكف عن الظهور بهذا البرنامج الذي تحوّل لمنبرٍ للشتَّامين لا أكثر ولا أقل من هنا نستطيع أن نوجز موجبات المقاطعة كالتالي:

أولاً: لا يمكننا أن نبرر الظهور هذه المرة بالقول إن هناك أخباراً كاذبة نريد توضيحها فالقناة لا تبث أخباراً في هذا البرنامج بل هي تبث أفكاراً مسمومة غايتها الأساسية تشويه صورة الرموز الوطنية بوجود موالين لها، وسياسة تشويه الرموز ليست بجديدة أبداً في منطقتنا فلقد استخدمتها الولايات المتحدة مع المقاومة الوطنية في لبنان وهذا ما أكده جيفري فيلتمان في شهادته أمام الكونغرس الأميركي في حزيران 2010 أن واشنطن موّلت جهات لبنانية بمبلغ 500 مليون دولار من أجل تشويه صورة حزب اللـه في بيئته. إن من يقرأ الصحف البريطانية والفرنسية في الأسبوع المنصرم يعرف تماماً ماذا يعني هذا التشويه حيث إنهم استمروا في نقل قصص وروايات ومقالات هي من نسج الخيال ومن الواضح أن لمحرري الجزيرة بصمات فيها، والهدف منها الإساءة لشخص السيد الرئيس وعائلته وهذا الأسلوب متّبع وبشكل دائم فهم مثلاً أول ما يتحدثون به هو ثروات الزعماء العرب طبعاً دون الحديث عن ثروات مشايخ النفط وكذلك عن الميول الجنسية ورغبات الحكام بقصد الإساءة علماً أن ملك آل سعود وحده تزوج 18 مرة ولا نعرف إن كان القصد من هذه الزيجات هو ستر أولئك الماجدات فقط.
ثانياً: يتعلق بطبيعة البرنامج إذ إن البرنامج معروف عنه أنه لا يمكنك أن توص
ل فيه أي فكرة لأن الهدف من البرنامج بالأساس هو زيادة الانشقاق وتوسيع الهوّة وبالتالي ألم يفهم أولئك السوريون الذين شاركوا بهذا البرنامج أن تخصيص البرنامج للحديث عن سورية فقط أمر يحمل الكثير في طياته إذ لم تحدث بتاريخ البرنامج (حسب متابعتي على الأقل ما قبل اندلاع فوضى العالم العربي) أن تكرر موضوع الحلقة أكثر من مرة فكيف عندما يتم التكرار لأكثر من ٥ مرات وفي نفس الوقت الذي كان البرنامج يبث فيه حلقات متتالية للحديث عن الشأن السوري كانت ليبيا تحترق واليمن تنزلق والبحرين تُدكُّ ومع ذلك كانت سورية هي المحور الأسبوعي في هذا البرنامج.

ثالثاً: هي فكرة الحوار مع معارض، هنا لا أريد أن أتحدث عن إمكانيات أي محاور بل أريد التحدث عن ثقافة الحوار بشكل عام فقد نتقبل ظهور شخصٍ ما على قنواتنا الوطنية منفرداً للحديث عن الأزمة وتوعية المواطن السوري فهو قادر على ذلك لأن الشعب السوري بالأساس شعب يهوى السياسة وربما هو ليس بحاجة لكل هذه الألقاب التي يحملها البعض (أو تراءى له أنه يحملها من مفكر إستراتيجي إلى باحث في الشؤون السياسية) للحديث في الشأن السياسي ولكن هل يمتلك القدرة على محاورة معارض؟

لنعترف أو لنكن صادقين مع أنفسنا ونقول لا، ولعدة أسباب أهمها أننا لم نمتلك بعد ثقافة تقبل المعارض فكيف لنا أن نحاوره، كذلك الأمر هناك سبب جوهري يتعلق بهذا المعارض نفسه الذي ليس لديه أي خطوط حمراء فبالمطلق عندما يتحاور شخصان فلكل منهما فكرته وهدف يريد أن يُقنع الآخر به وبالتأكيد هذا الهدف هو ضمن ضوابط وحدود فالمتحدث الذي يمثل الموالاة هو شخص منضبط سقفه الوطن له قضية مركزية وعدوه واحد، أما المعارض فما سقفه؟ وما حدوده؟ إن كانت «إسرائيل» بالنسبة لهم كما هي بالنسبة لفارس سعيد (المتحدث باسم الأمانة العامة لحُماة المصالح الأميركية في المنطقة) صديقة حميمة، إذاً هذا الشخص جاء ليشتم فقط ولم يأتِ ليحاور أو يوصل فكرة. أليس من الأفضل لنا أن نتجاهل الحوار معه!

أخيراً: فقد تحدثنا سابقاً عن تعريف العدو وقلنا إننا إذا ما اعتبرنا أن فلسطين هي قضيتنا المركزية، بالتالي فإن «إسرائيل» هي عدونا الوحيد، لكن هذا لا يعني أبداً أن ننسى قول سيدنا علي رضي اللـه عنه «صديق عدوي هو عدوي» وهذا يعني أن الحاكم القطري والسعودي عندما يهددني بأمني ولقمة عيشي هو عدوي، فإذا اتفقنا أن لا فرق بين حاخام يدعو لقتل العرب وشيوخ الفتن التي أفتت بجواز قتل الشعب السوري نصل لنتيجة أساسية مفادها:
أن لا فرق أبداً بين هذه القناة والتلفزيون الإسرائيلي وبالتالي قبل أن تفكروا بعد اليوم بالظهور في هذه القناة تذكروا تماماً أن لا فرق بين من يحاربني بالرصاص وبين من يحاربني بالكلمة علماً أن الرصاصة قد تقتل فرداً أما الكلمة فقد تقتل الآلاف ولكم العبرة من فتوى ابن تيمية.


2012-04-01