ارشيف من :أخبار لبنانية
بكركي "المجروحة في الصميم".. تريد اعتذاراً من جعجع
عماد مرمل -"السفير"
بمعزل عن التفاوت في لهجة البطريرك الماروني بشارة الراعي، من حين الى آخر، فإن اعتراضاته على مسار «الربيع العربي»، وعلى طريقة التغيير ومضمونه في سوريا، تبقى من ثوابت الكنيسة المارونية حتى إشعار آخر، وإن يكن سيد بكركي يجتهد في أسلوب التعبير عنها، تبعاً للزمان والمكان، وآخر «تعبيراته» كانت من اسطنبول، ولازمتها المتكررة «..ولكن».
في المقابل، يستمر رافضو خطاب البطريرك الماروني على الساحة المسيحية في خياراتهم المضادة، متسلحين بقراءة مغايرة تماما لما يجري في الجوار والمنطقة، كتلك التي عكسها مجددا رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في ذكرى حلّ «القوات»، مستعينا هذه المرة بفرقة من «مظليي» الربيع العربي الذين هبطوا في «البيال»، ليرووا تجاربهم ويطمئنوا المسيحيين في لبنان الى أن الشرق الأوسط الجديد لا يشكل تهديدا لهم وبالتالي يجب أن يكونوا جزءا منه.
ولئن كانت «القوات» قد نجحت في أن تلوّن احتفالها بشباب متعدد الجنسيات، بدا وكأنه باقة من «أزهار» الربيع العربي، إلا أنها قفزت في الوقت ذاته فوق الجانب الآخر وربما الأوسع من الصورة، متجاهلة «أكوام الشوك» في ليبيا حيث تتقاتل القبائل، وفي مصر التي رفض سلفيوها الوقوف دقيقة صمت واحدة على روح بابا الأقباط الأنبا شنودة، وفي تونس التي تشدها بعض التيارات الى الخلف، وصولا الى سوريا حيث بلغ عدد المسيحيين المهجرين من حمص ومحيطها أكثر من 168 ألف شخص.
ولعل اللافت للانتباه في خطاب جعجع إصراره على المضي بعيدا في الرهان على إسقاط النظام السوري، مستندا الى ما يعتبر انها «حتمية التاريخ»، من دون ان يتوقف بما فيه الكفاية عند «دروس التاريخ» التي أثبتت أن الأطراف الداخلية المندفعة والمستعجلة غالبا ما تدفع ثمن المقايضات أو المعادلات الدولية، وبالتالي فإن أوساطا سياسية سألت عن الحكمة في أن يواصل بعض اللاعبين اللبنانيين رفع سقف المواجهة مع دمشق، في حين ان «اللاعبين الكبار» يميلون الى «تهدئة اللعب» في هذه المرحلة، أقله بانتظار اتضاح مصير مهمة كوفي أنان التي تجاوزت مطلب تنحي الرئيس بشار الأسد، لمصلحة الدعوة الى إطلاق الحوار بين النظام والمعارضة.
والفارق بين الواقعية والمغامرة، «هو بالضبط الفارق بين الراعي وجعجع في هذه المرحلة»، كما تؤكد أوساط مسيحية مقربة من بكركي وترتبط بعلاقة جيدة مع السفارة البابوية في بيروت، والتي يتضح من مناخها أن الفاتيكان لا يغطي وحسب البطريرك الماروني في مواقفه مما يحصل في العالم العربي، وخصوصا سوريا، «بل هو يحتضنه كذلك انطلاقا من «أبوة» الكنيسة الكبرى للكنيسة الصغرى بما تمثله على صعيد لبنان والمنطقة».
ووفق أجواء السفير البابوي، «لا صحة لما روّجه بعض مسيحيي 14 آذار حول وجود تباين بين الكرسي الفاتيكاني وبكركي في النظرة الى الأزمة السورية وتطورات العالم العربي، بل ان كليهما يلتقي على وجوب تثبيت الوجود المسيحي في الشرق الأوسط ورفض العنف واستخدام السلاح وإراقة الدم، حتى لا تتكرر تجربة التهجير الواسع للمسيحيين من العراق».
واستنادا الى العارفين بخصوصية العلاقة بين الفاتيكان وبكركي، «ما كان الراعي ليذهب أصلا الى هذا الحد المتقدم في التعبير عن هواجسه لو لم يكن يحظى أساسا بدعم البابا الذي لا يستطيع، من ناحيته، إلا أن يحافظ على مكانة البطريرك الحالي، سواء أحبه أم لا، تماما كما حصل مع البطريرك السابق نصر الله صفير الذي ظل يتفيأ بمظلة الفاتيكان حتى مغادرته سدة المسؤولية، برغم بعض الملاحظات عليه في المرحلة الأخيرة من عهده، فكيف إذا كانت العلاقة الراهنة بين «الدولة الروحية» والراعي تبدو أكثر انسجاما، أقله لغاية الآن».
ويتردد أن الراعي الذي سيقوم بجولة على المكسيك وكندا وبعض الولايات الأميركية في الفترة الممتدة من 20 نيسان حتى أواخر أيار، قد يزور في طريق عودته الفاتيكان، للقاء كبار المسؤولين والتداول معهم في مجريات الأحداث التي يشهدها الشرق الأوسط وتأثيراتها على أوضاع المسيحيين فيه.
وفي إطار الخارج أيضا، أفادت معلومات متوافرة بحوزة أوساط وثيقة الصلة ببكركي أن قيادات لبنانية زارت الدوحة مؤخرا، لمست امتعاضا واضحا لدى مسؤولين قطريين من مواقف البطريرك الماروني حيال العديد من الملفات الحساسة، وفي طليعتها الملف السوري، ما أوحى بأن الزيارة التي قام بها الراعي مؤخرا الى الدوحة «لم تؤد غايتها القطرية».
أما داخليا، فإن علاقة بكركي مع جعجع تستمر مقطوعة، فيما يؤكد مقربون من الراعي أنه مجروح في الصميم، بسبب الطريقة التي اعتمدها رئيس «القوات» في مخاطبته وانتقاده، لافتين الانتباه الى ان البطريرك يعتبر انه كان بإمكان جعجع ان يأتي إليه ويلتقي به في غرفة مغلقة، ليستمع كل منهما الى وجهة نظر الآخر باحترام متبادل، ولكن «الحكيم» خانته «الحكمة» عندما احتاج اليها، فاختار ان يهاجم الراعي عبر الاعلام، الامر الذي جعل حتى الاكليروس المعروف بتعاطفه معه، يبتعد عنه.
ويوحي المقربون من بكركي بأن الراعي ليس بوارد معاودة التواصل مع جعجع حاليا، ما لم يبادر الاخير الى الاعتذار منه، بشكل أو بآخر، لا سيما أن البطريرك هو رأس الكنيسة المارونية ورأس كل ماروني ينتمي الى هذه الكنيسة، وبالتالي فمن غير المسموح أن تمر الاساءة له مرور الكرام.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018