ارشيف من :أخبار لبنانية

صلاحيّات الرئاسة على المحكّ

صلاحيّات الرئاسة على المحكّ
إبراهيم كنعان (رئيس لجنة المال والموازنة النيابية) - صحيفة الاخبار

رشح عن قصر بعبدا رفض رئيس الجمهورية ميشال سليمان إصدار مشروع قانون بمرسوم. في ما يأتي، رأي قانوني في الأسباب الموجبة لاستخدام هذه الصلاحية


يُنقل عن «مصادر رئاسية» أن استخدام رئيس الجمهورية للصلاحيات المذكورة في المادة 58 من الدستور تؤثر على علاقته بالقوى السياسية المعارضة، أو بتلك التي تتعاطف مع المعارضة داخل الحكومة، مما يحمله على اعتبار أن قراراً كهذا «بدو توافق». ويلفت البعض، لتبرير عدم اللجوء الى هذه المادة، إلى أن هذا النص لم يُستخدَم إطلاقاً في عهدي الرئيسين، إميل لحود وإلياس الهراوي.

تعابير وردت في مقال في «الأخبار» (3 نيسان 2012)، لمناسبة مرور مهلة الأربعين يوماً اللازمة لوضع مشروع القانون المعجل الرامي إلى فتح اعتمادات إضافية في موازنة العام 2011 بقيمة 8900 مليار ليرة موضع التنفيذ، واستوقفتني لأفكر بصوت عال مع اللبنانيين: ماذا تبقّى لرئيس الجمهورية من صلاحيات في ضوء الطائف؟ وهل يتمتع بسلطة استنسابية في ممارسة الصلاحيات التي احتفظ الدستور له بها؟ وهل تخضع ممارسة الصلاحيات للبازار السياسي فتدرس من زاوية سياسية؟ وهل يستأذن من اؤتمن على احترام الدستور وتطبيق القوانين القوى السياسية عندما يمارس صلاحياته؟ ومن يلعب دور الحكم بين المجلس النيابي والحكومة عند اختلافهما؟

من رئيس تتجسد السلطة الإجرائية فيه بموجب دستور ما قبل الطائف إلى مجرد رمز يجسد وحدة الوطن في دستور الطائف، جُرد رئيس الجمهورية من الصلاحيات كافة، وها هو اليوم، بالنأي بالنفس عن ممارسة الصلاحية شبه الوحيدة التي بقيت له كما يشاع، يكون قد تخلى عن المشاركة بالسلطة، وأرسى عرفاً في التخلي عن الصلاحيات الدستورية، قد يجرد أي رئيس للجمهورية من ممارسة أي صلاحية ما لم يحظَ بموافقة جميع الأفرقاء، أي عملياً عدم ممارسة أي صلاحية لتعذر التوافق.

إنّ تولي الرئيس سدة الرئاسة مرتبط بانتمائه إلى طائفة معينة، والصلاحيات المنوطة به شكل من اشكال «الحقوق الميثاقية» للطائفة كشريك في السلطة، لذلك لا يمكنه أن يفرط بصلاحياته أو يتنازل عنها أو يقيّدها بشروط غير منصوص عنها بالدستور (التوافق)، لأنه يكون بذلك كمن يفرط بحقوق ميثاقية، مما يسقط مبرر المطالبة بتعزيز صلاحيات الرئيس عندما يمتنع، لأسباب غير مقنعة، عن ممارسة ما تبقى له من صلاحيات.

وبالعودة إلى المادة 58 التي كانت في دستور ما قبل الطائف المادة الأساسية لممارسة السلطة الإجرائية مبادرتها على صعيد التشريع، فقد أدى تطبيقها، لا سيما في الستينيات ومطلع السبعينيات، إلى صدور قوانين أساسية ما زال العمل بها سارياً حتى اليوم، وإن كان دستور الطائف قد أحاط تطبيقها ببعض القيود، فلربما للحد من الإفراط في اللجوء إليها قبل ذلك.

تبقى هذه المادة السبيل الوحيد المتاح أمام الرئيس، بموافقة السلطة الإجرائية طبعاً، لتسيير مشاريع القوانين التي لا تحتمل التأجيل، فتعطى طابع العجلة، وتوضع موضع التنفيذ عند تأخر المجلس في بتها، ولا سيما في حالات عدم توافق الكتل النيابية على تسييرها فتلجأ المعارضة منها إلى تعطيل النصاب بقصد شل العمل الحكومي كما هي الحال حالياً مع فريق الاقلية الذي ربط تسيير مشروع قانون لفتح اعتمادات إضافية ضرورية لتسيير عجلة الدولة بتسوية مخالفات دستورية وتجاوزات مالية.

فالاختلاف في المجلس النيابي هو الشرط الضروري والكافي للجوء إلى المادة 58، وليس التوافق هو شرط تطبيقها، لأنه في حال التوافق تنعدم الحاجة إليها أصلاً. وإن كان المقصود بالتوافق، توافق جميع الكتل الممثلة في الحكومة، فإنه ليس شرطاً واجباً لاتخاذ القرارات، وإلا لتعطل العمل الحكومي. فالفقرة الخامسة من المادة 65 تنص على اتخاذ القرارات بالتصويت في حال تعذر التوافق.

وعلى القائلين بأن هذا النص الدستوري لم يستخدم في عهدي الرئيسين الهراوي ولحود، للدلالة على استحالة استخدامه، نجيب:

ــــ إن النصوص الدستورية والقانونية لا تسقط بمرور الزمن أو بعدم الممارسة. فقد يكون عدم الممارسة ناجماً عن عدم توفر شروط تطبيق النص، أو بسبب عدم توفر الحاجة إلى تطبيقه. أما في حال مست الحاجة إلى تطبيقه، وتوفرت شروطه، يصبح عدم التطبيق تعطيلاً للدستور.

ــــ إن لم تكن الغاية من إعطاء مشروع قانون فتح اعتماد الـ8900 مليار ليرة صفة العجلة هي وضعه موضع التنفيذ سنداً لأحكام المادة 58 عند توفر شروط تطبيقها، فلِمَ أعطيت هذه الصفة إذن؟ أليس في تضمين مرسوم الإحالة طابع العجلة التزاماً معنوياً، على الأقل، من الرئيس ومجلس الوزراء بتطبيق أحكام المادة 58 عند توفر شروط تطبيقها؟

هناك قاعدة قانونية تقضي بأن «النصوص بإعمالِها لا بإهمالِها»، وإلا فلِمَ يوضع النص إن لم يكن بقصد تطبيقه؟ أليست القواعد الدستورية والقانونية ضوابط لتنظيم حياة الجماعة؟ وهل يجوز ربط تطبيق أي من هذه القواعد والضوابط على فرد ما من الجماعة بموافقته ورضاه؟

وعن علاقة الرئيس بالقوى السياسية المعارضة يصح التساؤل عن أي من العلاقتين التاليتين هي التي تتقدم على الأخرى: علاقته بالقوى السياسية المعارضة، أم علاقته بالدستور والقانون اللذين أقسم على احترامهما؟ وإذا تعارض التزامه بأحكام الدستور مع متطلبات القوى السياسية المعارضة أو الموالية، فأي خيار يعتمد؟ ألا تعتبر مراعاة الرئيس لموقف المعارضة مثلاً انحيازاً ضد الدستور، وضد الحكومة بالتالي؟ أليس التزامه بأحكام الدستور هو الحياد الفعلي بين الحكومة والمعارضة؟

أليس في موقف المعارضة المتمثل بربط إقرار مشروع قانون الـ8900 مليار ليرة بقوننة التجاوز في الإنفاق الحاصل خلال السنوات 2006 - 2010، افتئات على الدستور والقانون والنظام الديموقراطي؟ لذلك اعطى المشرّع الرئيس الصلاحية المنصوص عنها في المادة 58 لتحرير الدولة من أي ارتهان أو ابتزاز من أي فريق أتى.

إن اعتماد الـ8900 مليار ليرة من الأهمية بمكان لأنه يوفر للحكومة الأمور التالية:

ــــ قدرة على الإنفاق تعادل، مع الاعتمادات المحتسبة على أساس القاعدة الاثنتي عشرية، موازنة سنة كاملة، الأمر الذي يتيح لها تنفيذ ما التزمت بتحقيقه في بيانها الوزاري.

ــــ تجنب المخالفة المتمادية في اللجوء إلى سلفات الخزينة التي يتجاوز أجل تسديدها السنة، ويقتضي الحصول على موافقة المجلس النيابي على إعطائها.
وقد أولى الدستور موضوع موازنة الدولة أهمية قصوى فأفرد لها المواد من 83 لغاية 86 ضمناً، وجعل من ردها من قبل المجلس النيابي أحد الأسباب الأربعة التي تبرر حل هذا المجلس. إذ نص البند الرابع من المادة 65، التي تحدد صلاحيات مجلس الوزراء، على أن من صلاحيات مجلس الوزراء: «حل مجلس النواب بطلب من رئيس الجمهورية إذا امتنع مجلس النواب، لأسباب غير قاهرة، عن الاجتماع طوال عقد عادي أو طوال عقدين استثنائيين لا تقل مدة كل منهما عن الشهر، أو في حال رده الموازنة برمتها بقصد شل يد الحكومة عن العمل».

فهل ينتظر الرئيس مشروعاً أكثر أهمية وحيوية لتطبيق أحكام المادة 58؟

نتمنى أن يكون ما نسب «لأوساط رئاسية» مجرد شائعة حفاظاً على الدستور وعلى ما تبقى من صلاحيات الرئاسة.

2012-04-07