ارشيف من :أخبار لبنانية

مفاوضات اسطنبول: خطوة ناجحة على طريق مسدود

مفاوضات اسطنبول: خطوة ناجحة على طريق مسدود
حبيب فياض - "السفير"

عام على جمود المفاوضات بين إيران والغرب. جولة التفاوض المرتقبة في اسطنبول ستكون مختلفة عن سابقاتها. احتقان غير مسبوق يحكم الجانبين. الهروب إلى الأمام سيد الموقف بينهما. طهران بلغت بالتخصيب عتبة العشرين في المئة. الغرب بلغ بالعقوبات حدّ القطيعة النفطية والمالية. الأزمة في هذا الخضم تراوح بين حدي التصعيد المباح والانفجار المؤجل. المفاوضات هذه المرة، بين إيران والدول الست، ستحمل مقترحات جديدة ومتبادلة. النتيجة قد تبدو خطوة ناجحة ولكنها، في النهاية، ستظل مجرد خطوة على طريق مسدود.

جديد المفاوضات المقبلة سيخلق مبررات لاستمرارها من دون أن يحمل ضمانات نجاحها. الجميع يلتقي ضمناً عند ضرورة إيجاد فرصة لجولات تفاوضية جديدة. أميركا ستتراجع عن المطالبة بوقف التخصيب. ستكتفي بمطالبة إيران التزام عدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي. التراجع هذا، سيفسح في المجال أمام اتفاق أوّلي، لكنه سيسقط لاحقاً، في فخ التفاصيل وآليات التنفيذ . إيران سترحب باعتراف غربي بحقها في التخصيب متدني النسبة، لكنها سترفض التخلي عن التخصيب بنسبة عشرين في المئة. ستقترح الحصول على يورانيوم مخصب من الخارج، لكنها لن ترضى أن يكون بديلاً من اليورانيوم الذي تخصّبه على أراضيها. ستفتح أبواب منشآتها النووية أمام مفتشي الوكالة الدولية، غير أنها لن تسمح لهم بدخول مواقعها العسكرية. ستصادق على البروتوكول الإضافي في اتفاقية الحد من انتشار التسلح النووي، من دون أن تقبل بالحد من منشآتها النووية.

استدراكاً لفشل محتمل، تحاول طهران استباق المفاوضات بتجويف خيار العقوبات التدريجية، من خلال تأكيد قدرتها على الاستغناء عن عائدات النفط ثلاث سنوات. في حين يبدو أن المعسكر الغربي مستعد لاستخدام كل أوراقه في حرب العقوبات النفطية والمالية. هي مفاوضات مفتعلة. وهي مطلوبة لا لأنها الحل، بل لأنها المتاح الوحيد، بديلاً من الحرب التي لم يحن أوانها. علماً أن أزمة إيران والغرب لم تنحصر يوماً في المسألة النووية التي باتت تختصر كل الملفات العالقة بين الجانبين.الأزمة هذه، في الأصل، ناشئة عن عدم ثقة متبادلة وتعارض بين مشروعين هما في المرحلة المقبلة أقرب إلى الصدام من أي وقت مضى.

التوتر التركي - الإيراني عامل إضافي يعزز فرضية فشل المفاوضات. اسطنبول لم تعد مساحة حياديّة بعدما لم تعد أنقرة في الوسط بين إيران وخصومها. الأزمة السورية أوصدت الأبواب بين البلدين إلى منتصف طريق يلتقيان عنده. تركيا استنفدت كل قدراتها لدفع إيران إلى التراجع عن دعمها لدمشق. الانحشار التركي في زاوية الأزمة السورية دفع أنقرة إلى التقلب بين التملق والابتزاز. ففي بداية لقائه الأخير، مع مرشد الثورة الإيرانية وبحضور زوجته وابنته، شبّه أردوغانُ السيدَ خامنئي بالنبي. الخبر على ذمة النائب في مجلس الشورى زهرة اللهيان، التي كانت ممن حضروا اللقاء في مدينة مشهد. لم تفلح مساعي أردوغان بإقناع طهران وقف دعمها للنظام السوري، فانقلب، بعد عودته الى أنقرة، ليتهم هذه الأخيرة بعدم الصدق في التزاماتها النووية. الموقف هذا مؤشر على تصعيد خطير، خاصة أنها المرة الأولى التي تتعرض فيها طهران لانتقاد تركيّ على خلفية ملفها النووي.

مؤشرات عديدة تنبئ بتردٍ غير مسبوق في العلاقات بين طهران وأنقرة: المقترح الإيراني بنقل جولة التفاوض الثانية من اسطنبول إلى بغداد، منظومة الرادار الأطلسية في تركيا، زيارة اردوغان الخائبة إلى طهران، التلميح التركي بإمكان التدخل عسكرياً في سوريا، كل هذا قدّ يـُخرج الخصومة الكامنة بينهما إلى حيّز العلن وخارج حدود الأزمة السورية.

عشرة أعوام من التفاوض بين إيران والغرب لم تؤد إلى نتيجة. عام من اللاتفاوض مصحوب بذروة من الخصام بين الجانبين لن يؤدي، في النهاية، إلا إلى النتيجة نفسها. لم تعط إيران الغرب ما يريده وهي في حالة حصار وضعف. فكيف تعطيه ما يريد وهي في ذروة القوة والتمدد؟



2012-04-13