ارشيف من :ترجمات ودراسات
الكيان الصهيوني: من فاعل اساسي الى.. محلل سياسي
حسان ابراهيم
يعيد الموقف الذي اطلقه نائب وزير تطوير النقب والجليل في حكومة العدو الصهيوني ايوب قرا خلال مراسم تخليد ذكرى قتلى مستوطنات الشمال والجليل قبل ايام الى الاذهان الموقف الاسرائيلي من الازمة السورية، والآمال المعقودة عليها، رغم اتضاح مساراتها التشاؤمية من ناحية "اسرائيل". يقول قرا ـ العضو في حزب الليكود ـ وهو من الطائفة الدرزية ومن فلسطينيي عام 1948، ان " لسقوط (نظام الرئيس السوري بشار) الأسد، إنعكاسات ممتازة على إسرائيل، وهو سيؤدي الى سقوط حزب الله، وبذلك، ربما، سيكون هناك هدوء وسلام في مستوطنات الشمال".
وأضاف قرا، الذي للمناسبة يرفض توصيفه بانه عربي، أن " سقوط الأسد وحزب الله، سيعزل إيران، مما سيدفعها الى اعادة النظر ببرنامجها النووي".
ورغم ان كلام قرا، كشخصية سياسية غير هامة وشبه هامشية في المشهد السياسي الاسرائيلي، وبطبيعة الحال حيال القرار الذي يمكن او لا يمكن لتل أبيب ان تتخذه لمواجهة التحديات والتهديدات التي تكثفت حيالها في المرحلة الاخيرة، الا انه آخر التصريحات الاسرائيلية حول الازمة في سوريا، والموقف الاسرائيلي منها.. بمعنى انه مناسبة لاعادة تسليط الضوء على الموقف وتقدير تقديراته الواقعية. علما ان تصريح قرا يأتي بعد أيام من تصريحات اطلقها قائد المنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي "يائير غولان" حول تقديرات المؤسسة الامنية في "إسرائيل"، بان الاسد باق في الحكم، حتى ما بعد عام 2013، وبعد أقل من اسبوعين على مقابلة وزير الحرب ايهود باراك، صاحب نظرية "الاسابيع"، التي تراجع عنها بشكل غير مباشر، ليتحدث عن عدم وجود جداول زمنية لسقوط النظام في سوريا.
| ـ تحولت "اسرائيل"، اخيرا، من فاعل ومؤثر مباشر، الى متلقي تداعيات احداث لا غير |
لكن ما الذي يمكن ان يستشف من تصريح قرا، او بمناسبة تصريحه، باعتباره صدى للتقديرات الاسرائيلية المتداولة لدى اصحاب القرار في تل ابيب، وايضا انعكاسا للرواية المعتمدة من قبلها في العلن، حيال الازمة في سوريا ومآلاتها:
اولا: تبتعد تل ابيب، عن اصرارها السابق، بان النظام في سوريا، آيل الى السقوط. لكن في نفس الوقت، لا تتراجع تراجعا واضحا ولا لبس فيه، عن هذا التقدير، على خلفية تداعيات التراجع العلني الواضح، سلبا على المعركة التي ما زالت قائمة في سوريا، بين النظام واعدائه، وهي بطبيعة الحال، جزء ومركب اساسي من مركبات المحور المعادي للنظام.. في الواقع، لا تتحدث "اسرائيل"، علنا، عن تراجع في موقفها وتقديراتها، بل تتحدث عن تأجيل استحقاق سقوط النظام في سوريا، حتى وإن اضطرت لترحيله سنوات قادمة.. كما ورد في كلام "غولان" وباراك وغيره من المحللين الاسرائيليين في الاونة الاخيرة.. وبين الاقرار بخطأ التقدير، وان الاسد لن يسقط شيء، وبين القول بانه سيسقط ولكن بعد سنوات شيء اخر.. رغم انهما، في من ناحية واقعية، شيء واحد في النتيجة النهائية.
| ـ المثل العبري المتداول الى حد الافراط في هذه المرحلة، وتحديدا لدى بعض
الكتاب الاسرائيليين الساخرين من واقع تل أبيب المتردي: "الكلاب التي
تنبح.. لا تعض" |
ثالثا: تؤكد المواقف الاسرائيلية الاخيرة، ما كان شبه مؤكد في الاشهر السابقة، والمقدر منذ بدء الازمة في سوريا. بان تل ابيب لم تعد اللاعب الاحتياطي، او الابتدائي في كثير من الاحيان، حيال الساحات المراد تغيير مشهدها في العالم العربي. لم تعد تل ابيب لاعبا يعول عليه، لقلب موازين القوى، عسكريا، في حال فشلت المحاولات الاخرى، السياسية او العسكرية الداخلية او الفتنية او الاحتراب الداخلي.. الامر الذي يشير، بل ويؤكد، على تراجع المكانة الاسرائيلية لدى حلفائها وعرابيها، والذين عوّلوا عليها طويلا في اكثر من محطة وتحد في العقود الاخيرة، بأنها هي الملاذ الاخير لتغيير مشاهد الساحات الاقليمية، في الدقيقة التسعين. وهذه هي بالتأكيد، امتداد للتغيير في الدور الاسرائيلي، الذي بدأ في اعقاب فشلها المدوي، عام 2006، ضد المقاومة في لبنان.
رابعا: تحولت "اسرائيل"، اخيرا، من فاعل ومؤثر مباشر، الى متلقي تداعيات احداث لا غير. وبدلا من ان تكون صاحبة الدور التخويفي او الردعي ضد اعداء الغرب ومصالحه، خلال مراحل الضغط والابتزاز للانظمة والقوى التي ثبتت على مواقفها ومصالح شعوبها، باتت تل ابيب تتلقى ما يمكن للغرب، المنحصر القدرة في المرحلة الاخيرة، من استحصاله من نجاحات يمكن ان يحققها ضد هذه القوى، بما يشمل الساحات العربية، وصولا الى الساحة الايرانية.. المشهد مقلوب.. واقصى ما يمكن لتل أبيب ان تقوم به من دور، هو تحريض الغرب على اعدائها، لكن، للمفارقة، في زمن التراجع الغربي، والاميركي تحديدا، في المنطقة والعالم.
خامسا: يبقى الموقف الاسرائيلي، كما هو واضح، موقفا توصيفيا للمشهد السوري، والاقليمي بشكل عام. لكن من دون قدرة على التغيير بأيد اسرائيلية مباشرة. والتوصيف، كما هو معلوم، لا يغير كثيرا من ميزان القوى، بل يحول اسرائيل وسياسييها وعسكرييها، كما يتضح من مواقفهم في المرحلة الاخيرة، الى محللين سياسيين للواقع والوقائع الميدانية والسياسية، دون ان يكونوا عاملين وفاعلين فيه بشكل حاسم. بل ويمكن لمن يراقب المشهد الاعلامي الاسرائيلي، بما يشمل تصريحات ومواقف المسؤولين الاسرائيليين، ان يوصف بدوره "اسرائيل" بانها تحولت الى وعاء يحوي عددا كبيرا من المحللين والخبراء في شؤون الثورات ومآلاتها، والمعاني الاستراتيجية والتكتيكية لسقوط هذا النظام او ذاك، او لهذا الاحتراب الداخلي او ذاك.. وكما هو المثل العبري المتداول الى حد الافراط في هذه المرحلة، وتحديدا لدى بعض الكتاب الاسرائيليين الساخرين من واقع تل أبيب المتردي: "الكلاب التي تنبح.. لا تعض".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018