ارشيف من :أخبار عالمية

"الانتقاد" تنشر مشروع ورقة نقاش للمؤتمر الاستثنائي لهيئة التنسيق الوطنية السورية في المهجر الذي يعقد في باريس السبت 14 نيسان

"الانتقاد" تنشر مشروع ورقة نقاش للمؤتمر الاستثنائي لهيئة التنسيق الوطنية السورية في المهجر الذي يعقد في باريس السبت 14 نيسان
باريس - نضال حمادة

تعقد هيئة التنسيق الوطنية السورية المعارضة السبت 14 نيسان مؤتمرا في المهجر في ضاحية (مونروي) القريبة من العاصمة الفرنسية باريس وسوف يتخذ المؤتمر قرارات عديدة حسب معلومات حصل عليها موقع "الانتقاد" من مصادر في الهيئة، كما إنه سوف تجري مناقشة مشروع ورقة من المقرر ان تعتمد كميثاق عمل للهيئة في المستقبل، وتنشر "الانتقاد" نص الورقة التي سوف تتم مناقشتها خلال هذا المؤتمر.
"الانتقاد" تنشر مشروع ورقة نقاش للمؤتمر الاستثنائي لهيئة التنسيق الوطنية السورية في المهجر الذي يعقد في باريس السبت 14 نيسان
أولاً: إن المواطنة هي أداة لبناء مواطن صالح قادر على العيش بسلام وبروح من التآخي مع غيره من البشر على أساس المساواة التامة ومن دون أي شكل من أشكال التمييز, والإرتقاء بإنسانية الإنسان. وتشكل المواطنة، بهذا المعنى، أساسا صُلبا ليس فقط لبناء الدول والمجتمعات الحديثة أشخاصا وجماعات، وإنما أيضاً لإدارة العلاقات الدولية المعاصرة وفقا لقواعد العدل والانصاف وبعيداً عن توازنات القوى وطموحات الهيمنة.

ثانياً: لمفهوم المواطنة أبعاد متعددة تتكامل وتترابط في تناسق تام: بُعْد سياسي قانوني يتطلب تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين، استنادا إلى عقد اجتماعي يوازن بين مصالح الفرد والمجتمع؛ وبُعْد اقتصادي اجتماعي يستهدف إشباع الحاجات المادية الأساسية للبشر ويحرص على توفير الحدّ اللازم منها على نحو يحفظ لهم آدميتهم؛ وبُعْد ثقافي حضاري يضمن حق التعليم العام والمجاني ويعنى بالجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهُويات الثقافية والحضارية ويرفض محاولات التنميط والاستيعاب والاستبعاد والتهميش.

ثالثا: لبناء مجتمعات المواطنة السليمة، يتعين ضمان تمتع الأفراد والجماعات بحدّ أدنى من الحقوق المدنية والسياسية, والحقوق الاقتصادية والاجتماعية, والحقوق الثقافية والحضارية, وفْقا لما هو منصوص عليه في المواثيق والمعاهدات الدولية.

فعلى الصعيد السياسي القانونيّ:

لا تستقيم المواطنة بغياب انتظام العلاقة بين الحكام والمحكومين وفق عقد اجتماعي يحدد حقوق الطرفين وواحباتهما. وفي سياق تلك العلاقة التعاقدية، يتعين أن يستمد الحاكم شرعيته من إرادة المواطنين, معبراً عنها بحرية لا تحدّها عوائق أو قيود, وأن يكون مسؤولاً عن حماية أمنهم وسلامتهم وتحسين أحوالهم المعيشية والخدمية وإدارة شؤونهم وفقا لما تقضي به قواعد العدل والإنصاف. وقد نصت الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدولية على جملة من الحقوق السياسية والمدنية لا يستقيم مفهوم المواطنة بدون توفير الحدّ الأدنى منها، أهمها: 1- الحق في الحياة والحرية والسلامة البدنية، وعدم التعرض للاسترقاق أو الاستعباد أو التعذيب، أو لعقوبات ومعاملات قاسية أو وحشية تحط من الكرامة الإنسانية، أو للقبض أو النفي التعسفي. 2- الحق في التقاضي أمام محاكم نزيهة ومستقلة، وفي التمتع بحرمة المسكن وخصوصيته، والمراسلات والحياة الشخصية والأسرية، وعدم المساس بالشرف أو السمعة. 3-الحق في الحصول على جنسية، والتنقل بحرية، واختيار محل الإقامة، وكذلك اللجوء هربا من الاضطهاد. 4- الحق في التملك وحرية التفكير والضمير والدين، وممارسة الشعائر، والانضمام إلى أحزاب سياسية وجماعات مدنية سلمية، والمشاركة في إدارة شؤون البلاد وتقلد الوظائف العامة.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة (21) من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان نصّت في فقرتها الثالثة على "أن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة. ويعبّر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قاعدة المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت".

وعلى الصعيد الاقتصادي الاجتماعي:

لا تستقيم المواطنة من دون توافر حدّ أدنى من العدالة الاجتماعية؛ وهو ما يقضي بضرورة تصحيح أي خلل في توزيع الثروة والسلطة والتأكد من أن إطلاق المنافسة بين الأفراد والجماعات، وفقا لآليات السوق، لن يؤدي إلى اهتزاز في موازين العدالة أو يفضي إلى تهميش فئات اجتماعية معينة واغترابها كالأقليات الدينية والطائفية، أو الفقراء ومحدودي الدخل، أو المرأة، أو كبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة. وقد نصت الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدولية على جملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا يستقيم مفهوم المواطنة من دون توفير حدها الأدنى، منها: 1- حق كل مواطن في العمل، والحماية من البطالة، والحصول على أجر يكفل له ولأسرته حياة كريمة من دون تمييز. 2- حقه في الراحة والتمتع بأوقات فراغ وإجازة مدفوعة الأجر. 3- حقه في الانضمام إلى نقابات مهنية تدافع عن مصالحه، والحصول على ضمان اجتماعي، والتمتع بمستوى معيشة يوفر له مسكنا وملبسا وتغذية وتعليما ورعاية صحية ملائمة. 4- حقه في التأمين ضد البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وفقدان وسائل العيش لظروف قاهرة أو خارجة عن الإرادة. 5- حقه في مشاركة حرة في حياة المجتمع، وفي الاستمتاع بالفنون، والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه، وفي حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني.

وعلى الصعيد الثقافي الحضاري:

لا تستقيم المواطنة من دون حماية الخصوصيات الثقافية والحضارية للأفراد والجماعات, ما يتطلب اتخاذ الإجراءات اللازمة, خاصة في الدول التي تقطنها شعوب متعددة الأعراق والأديان والطوائف, للمحافظة على التوازن بين الهويات والانتماءات الثقافية والدينية القائمة, والحيلولة دون تحكم جماعة أو طائفة بعينها في سائر الجماعات والطوئف، أو السعي لفرض الوصاية عليها، مستغلة في ذلك أغلبيتها العددية أو ثقلها السياسي أو مكانتها الاقتصادية. فمن حق كل جماعة قومية أو دينية وكل طائفة أن تعبر عن هويتها وذاتها الثقافية، وأن تمارس شعائرها وطقوسها الدينية في حرية تامة. إن حقوق الشعوب تقع في صلب مجتمع المواطنة الحديث، وهذه الحقوق لا تتجزأ ولا تقزم بل يجري تأكيدها في دستور البلاد، بحيث تلغى كل القرارات والقوانين المتعارضة معها، ويجري التأكيد عليها في الممارسات والمؤسسات ضمن حدود القانون والنظام العام وبما يحفظ حقوق الجميع ويمكّنهم من ممارسة حق الاختلاف في إطار الحرص على الوحدة.

رابعاً: لم يتمكن الشعب السوري حتى الآن، للأسف الشديد, من التمتع بالحد الأدنى من حقوق الأفراد والجماعات اللازمة لبناء مجتمعات مواطنة سليمة, سواء على الصعيد السياسي القانوني أو على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي أو على الصعيد الثقافي الحضاري، لأسباب عدّة أهمها: أطماع الخارج, واستبداد الداخل, وازدهار ثقافة التطرف والعنف وعدم التسامح.

فقد أدت الأطماع الخارجية إلى انتهاك حقوق أوطان وشعوب, وفي تصعيد التوتر والعنف الاجتماعي ونهب ثروات البلاد الطبيعية وتدمير تراثها الثقافي، بل في تعميق الصراعات الطائفية إلى درجة باتت تهدد بحرب أهلية وربما إقليمية، كما تسبب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في قتل آلاف المدنيين وجرحهم، وتشريدهم وحصارهم وتجويع الملايين. أما استبداد الداخل فيعد مسؤولا عن الانتهاكات الخطيرة للحقوق السياسية والمدنية للأفراد والجماعات وعرقلة قيام مؤسسات قضائية مستقلة, أو هيئات نيابية تمثيلية حقيقية فاعلة، أو مجتمعات مدنية قوية، أو أحزاب ونقابات قادرة على تفريخ كوادر سياسية ونقابية مؤهلة للقيادة، فضلا عن شيوع منظومة الفساد وممارسة الاضطهاد والاعتقالات التعسفية والتعذيب. وتعاضدت أطماع الخارج مع استبداد الداخل ليصبا معاً في نهر من التطرف فاضت مياهه بجماعات وجدت في ممارسة العنف والإرهاب ضالتها ووسيلتها الوحيدة للتغيير, وراحت تشيع في المجتمع ثقافات وممارسات تمييزية أقل ما يقال عنها إنها تنسف فكرة المواطنة من أساسها.

خامساً: لتفعيل المواطنة في المجتمع والدولة تبدو الحاجة ماسة إلى خطة عمل رباعية الأبعاد:


بُعدها الأول: التأكيد على سيادة الوطن واستقلاله ورفض كل احتلال أجنبي. فحقوق الأوطان والشعوب هي أم الحقوق كلها, ويصعب على الإنسان أن يتمتع بحقوقه الفردية أو الجماعية في وطن محتل أو خاضع أو مقيد الإرادة. وخضوع الأوطان للاحتلال الأجنبي أو للقهر أو للتبعية بأشكالها المختلفة يحرم الشعوب من حقوق أساسية نصت عليها المواثيق الدولية, أهمها: الحق في تقرير المصير ومكافحة الاحتلال والاستعمار بكل الوسائل المتاحة, وحق الشعوب في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بحرية من دون وصاية من أحد، وفي السيطرة على مواردها وثرواتها الطبيعية... الخ.

بعدها الثاني: كبح جماح الاستبداد. فالاستبداد والمواطنة لا يلتقيان. ويصعب على الشعوب تغيير واقعها وتحويل وضعها الحالي كرعايا إلى مواطنين من دون إطلاق عملية تحول سياسي شامل. وما يعنينا هنا هو جوهر النظام السياسي وفعاليته في أداء وظائفه وليس شكله. لا يتصور نجاح أي عملية لإصلاح سياسي حقيقي من دون توافر ثلاثة أنواع من الآليات: ألية للمشاركة السياسية تضمن تداولاً سلميًا للسلطة؛ وآلية للرقابة والمساءلة على الصعيدين السياسي والقانوني؛ وآلية لممارسة الحريات وإشباع الحاجة للحصول على المعلومات في جو من الشفافية.

بعدها الثالث: مكافحة الفقر والتهميش. فمن دون إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين تتحول المشاركة السياسية إلى شعارات بلا مضمون، ويسهل تحول بؤر الفقر والفئات الاجتماعية المهمّشة إلى معامل لتفريخ التطرف والإرهاب وشيوع الجهل والخرافات. ولأن حدة الاستقطاب بين الأغنياء والفقراء اتسعت لدرجة خطيرة في السنوات الأخيرة، على الصعيدين المحلي والإقليمي، في وقت تبدو فيه السياسات الرسمية عاجزة عن مواجهة هذا الخلل، فمن الضروري أن تتحرك مؤسسات المجتمع المدني، لبناء شبكة علاقات بين الدياسبورا والداخل عبر المنظمات غير الحكومية والأطر والطاقات والخبرات السورية لسدّ العجز القائم، من خلال حلول مبتكرة كإنشاء صناديق الزكاة والتكافل الاجتماعي والمؤسسات التعاونية بأشكالها وصورها المختلفة. ومن الضروري والمفيد أن تولي هذه المؤسسات عناية خاصة لمعالجة مشكلات الفقر والجهل والمرض المنتشرة داخل الجماعات المهمشة بالذات، التي عادة ما تتحول إلى قنابل اجتماعية موقوتة، خصوصا في أوساط ضحايا الصف الأول الذين قدّموا الغالي والنفيس لانتصار ثورة الكرامة والحرية. من جرحى وأسر شهداء ومبعدين، ومن تم ضرب ورشات وأماكن عملهم. كذلك ضحايا الدكتاتورية من مختلف الجماعات المستضعفة والمهن الضعيفة التي تحتاج إلى عناية أو رعاية خاصة، كالنساء والأطفال والأمهات والمرأة وكبار السن والشيوخ من الرجال والنساء وذوي العاهات والاحتياجات الخاصة.

بعدها الرابع: نشر منهج التفكير العقلاني وثقافة التسامح. فانتشار الأمية, وشيوع الخرافات والتفكير غير العقلاني والإنغلاق الناجم عن إدمان التسلط وتدمير المواطنة لا يساعد على ترسيخ مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان. ولا جدال في أن شعبنا اليوم في أمسّ الحاجة إلى ثورة تعليمية وإلى سياسات إعلامية جادة ورصينة للقضاء على الأمية ونشر منهج التفكير العقلاني وثقافة التسامح وقبول الآخر المختلف، كي يستطيع ترسيخ مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان.

إن تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية وطرح الرؤى المستقبلية في نظرة تجمع بين العقلانية في التخطيط وسعة الأفق في التوفيق بين مكونات المجتمع السوري وانتسابها لعملية التغيير تحتاج لتأصيل خطاب جديد وعلاقات جديدة تجعل من الديمقراطية منهج التعامل والتفاعل بين أفراد المجتمع في المدرسة والجمعية والحزب والنادي. التوقف عن اعتبار تمثيل الناس هبة سياسية فوقية، رفض فكرة إنكار وجود الآخر، نسبية الحقيقة وحتمية الشراكة الواسعة لبناء وطن قوي. تداخل مفهوم وحقوق المكونات الأساس للمجتمع. ولا يمكن الحديث عن مساواة مواطنية دون رفض أي قداسة لأي طرف في أي عمل أو نضال أو نص مؤسس للدولة ومؤسساتها. فالدولة المدنية هي ابنة الحقوق المدنية ونقيض التلون الإيديولوجي أو العقائدي للمؤسسات الجامعة لكل السوريين. من هنا ضرورة تجسيد مفهومها في العقول وفي القلوب، وليس فقط في الإعلام والبرامج. لأن ثقافة الدولة المدنية وقوة المجتمع المدني تشكلان الجسر الأمين لعبور الفترة الانتقالية إلى دولة قانون دستورية ديمقراطية.
2012-04-14