ارشيف من :ترجمات ودراسات

اسرائيل محبطة: نتائج المفاوضات مع ايران كارثية.. ونقيض ما تريده تل أبيب

اسرائيل محبطة: نتائج المفاوضات مع ايران كارثية.. ونقيض ما تريده تل أبيب

حسان ابراهيم
كان يمكن للاعلام الاسرائيلي، ان يطالب تل أبيب، بوضع نصب تذكاري في احد أهم ساحاتها، تخليدا للنجاح المبهر الذي توصل اليه رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ضد المشروع النووي الايراني، لو ان سير المفاوضات مع ايران لم يأت كما هو حاليا. جرى في الاسابيع الاخيرة، وقبل بدء الحديث عن جولة مفاوضات جديدة بين ايران والدول الخمس زائد واحد، في مدينة اسطنبول التركية، تمجيد الفعل الاسرائيلي والنجاعة الفائقة التي عمل عليها نتنياهو ضد ايران، الامر الذي اثمر نتائج لم تكن تل ابيب لتتوقعها ضد ايران ومشروعها النووي. الا ان الواقع، بعد بدء المفاوضات، بل وقبلها ايضا، بات يميل نحو القاء اللوم على نتنياهو نفسه، حيال ما آلت الامور، خاصة ان منسوب التفاؤل بالتوصل الى اتفاق بين ايران والغرب، بات اكثر معقولية من ذي قبل، وتوجد مؤشرات صادرة من كلا الجانبين، على امكان التوصل اليه.
مع ذلك، في زمن عدم اليقين الكلي من النتائج التي يمكن ان تتوصل اليها ايران والغرب، حيال برنامج طهران النووي، توجد في القراءة الاسرائيلية الحالية، مساران متعارضان، من الجدير الوقوف عندهما، لارتباطهما باستشراف نتائج الجولة المقبلة من المفاوضات المزمع اجراؤها في بغداد، في شهر ايار/ مايو المقبل.
من ناحية، وللمفارقة، يوجد في الرواية الاسرائيلية لمسار المفاوضات، وايضا لنتائجها، اتجاهان يبدوان متعارضين في الشكل: الاول، كما اشارت صحيفة "معاريف" نقلا عن مصادر سياسية اسرائيلية رفيعة المستوى، يتمثل في خيبة امل عميقة من نتائج المفاوضات، والتشديد على انها مضيعة للوقت، وبحسب تعبير بنيامين نتنياهو، ما حصل حتى الان هو اعطاء هدية لايران بان سُمح لها طوال خمسة اسابيع، للتخصيب بمستويات مرتفعة، ومن دون اي رقيب.
الاتجاه الثاني يرى، وإن كان محدود التداول، بان "اسرائيل" استطاعت بالفعل ان تحشر الجميع، في اتجاه وضع المسألة الايرانية على رأس سلم اولويات المجتمع الدولي، وما المحادثات التي جرت اخيرا في اسطنبول، سوى بداية مسار، لن ينتهي الا بعد التأكيد من ان ايران لن تتجه نحو صناعة القنبلة النووية، وهو بحد ذاته، بحسب هذا الاتجاه، انجاز كبير لاسرائيل.
لكن كلا الحالتين، تشيران، بصورة مباشرة (كما هو الاتجاه الاول)، او بصورة غير مباشرة (كما هو حال الاتجاه الثاني)، الى تلمس اسرائيلي لمسار ايجابي في المفاوضات، من ناحية ايران والغرب، حتى الان، ينتظر ان يتضح اكثر في الجولة الثانية من المفاوضات، المزمع اجراؤها في بغداد بعد خمسة اسابيع. الامر الذي يعد، من ناحية صانع القرار في تل ابيب، خيبة امل، سواء عبر عنها او لم يعبر عنها، رغم ان نتنياهو نفسه، اشار الى هذه الخيبة، في تصريحاته الاخيرة.
وفي اطار مسار المفاوضات، لا بد ان الاسرائيلي توقف، امام جملة من الاشارات الدالة على ان الجهد الاسرائيلي قد ادى الى نتائج، لم تكن "اسرائيل" تريدها.. ومنها:
كان يفترض بالمفاوضات ان تبدأ، انطلاقا من الاقتراح الاسرائيلي، بناء على شروط مسبقة يضعها الغرب امام المفاوض الايراني، وفي مقدمتها، وقف كل انواع التخصيب في ايران الى ان تنتهي المفاوضات، واخراج اليورانيوم المخصب بمستوى عشرين بالمائة من ايران الى خارجها، وايضا سحب كل اجهزة الطرد المركزي الاكثر تطورا الى الخارج، اضافة الى ايقاف العمل واستخدام منشأة فوردو، بالقرب من مدينة قم المقدسة، التي يسميها وزير حرب العدو، ايهود باراك، بالمكان الاكثر حصانة للمشروع النووي الايراني.
بحسب المسعى الاسرائيلي، كان يفترض بايران ان ترفض هذه الشروط، المسبقة، وان تتعثر المفاوضات قبل ان تبدأ، وبالتالي تتجه الدول الغربية، قسرا، الى فرض مزيد من العقوبات، تكون هذه المرة موجعة لطهران، وتدفعها الى خيار من اثنين: اما ان ترضخ للشروط الغربية، وبالتالي تنتهي المفاوضات ايجابا من ناحية اسرائيل قبل ان تبدأ، واما ان تبدأ مسيرة العقوبات الاكثر قسوة، ومن بينها، بطبيعة الحال، امكان المواجهة العسكرية، الاكثر تفضيلا بالنسبة لـ"اسرائيل"، شريطة ان تكون الولايات المتحدة في مقدمة المبادرين الى هذه المواجهة.. وهذا السيناريو، من ناحية تل ابيب، يتجاوز المسألة النووية، ليتركز على الجمهورية الاسلامية ككيان هو مصدر التهديد الاساسي للكيان العبري، ولا يبدو ان المسارين قائمين، او هما في اتجاه التحقق.
في الاشارات الدالة ايضا، يبدو ان الغرب قد اتجه، بقبوله الجلوس على طاولة المفاوضات مع الايرانيين بغير شروط مسبقة، الى التسليم بما لدى ايران حاليا من مستويات تخصيب، والى التسليم بان ما وصلت اليه طهران، هو النقطة التي يجب التحدث عما بعدها، باتجاه الاستحصال على ضمانات، بان لا يتجاوزها الايرانيون.. وهو اخر ما كانت تفكر فيه "اسرائيل"، او تتوقعه، في اللحظة التي قررت فيها شن حملة التحريض والتهويل الاخيرة، من عمل عسكري قد تقدم عليه ضد ايران.
مع ذلك، تجدر الاشارة الى ان ارادة "الايجابية" من قبل الغرب، لا تعود الى تراجع مبني على خيارات، اكثر من كونه تراجعا مبني على قصور عن ايجاد خيارات بديلة، سوى مهادنة الايرانيين والتسوية معهم.. الزمن من ناحية الغرب، وفي المقدمة الاميركيين، هو زمن فقدان الخيارات الفعلية ضد ايران، الامر الذي اوجب التراجع امام ايران.
رغم ذلك، تجب الاشارة الى ان مقاربة الملف النووي الايراني، من ناحية الغرب، جاء قسرا. بعنى ان الغرب ما كان ليقدم على بدء المقاربة، مع او ضد ايران، لولا الجهود الاسرائيلية التي بذلت في الاشهر الاخيرة، والتي دفعت الغرب دفعا، نحو مواجهة ايران، خشية من ان تقدم تل ابيب على ما من شأنه ان يجر كل الاطراف، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، الى مواجهة عسكرية لا تريدها ولا تقوى عليها في هذه المرحلة..
لكن ما الذي يدفع الغرب، والولايات المتحدة، الى بدء مفاوضات مع ايران، طالما ان لا مصلحة لهذه الجهات في اصل التفاوض مع الايرانيين، في واقع، هو مثالي لجهة طهران؟ سؤال قد يجب الاجابة عليه في سلة من المسببات، لكن اهمها وفي مقدمتها، هو ان الغرب استشرف بالفعل خطرا من المقاربة الاسرائيلية التهديدية، وكانت الخشية تستند اساسا على مقدار الخطر الكامن في الخطوة الاسرائيلية العدائية المفترضة ضد ايران. وبعبارة اكثر ايضاحا، لا تستند الخشية الغربية اساسا على معقولية ان تقدم "اسرائيل" على الخطوة، فهو يدركون ان المنطق والمصلحة والنتائج، كلها تشير الى ان "اسرائيل" غير قادرة ولا تريد توجيه ضربة عسكرية لايران.. لكن رغم ضآلة معقولية تحقق الضربة، الى ان المعقولية المنخفضة كانت تشير الى تداعيات خطيرة جدا وغير محمولة في حال تحقق هذه المعقولية المنخفضة، وبالتالي اندفع الغرب دفعا نحو معالجة الملف.
بكلمات اخرى، كان لدى الغرب تقدير، مرتفع جدا، بان "اسرائيل" لن تقدم على مغامرة عسكرية ضد ايران، لكن في حال اقدمت على ذلك، لسبب من الاسباب، ومن بينها الجنون، فان الخطر سيكون كبيرا جدا وغير محمول. اي ان الغرب والولايات المتحدة، تحرك بناء على منسوب الخطر، وليس على معقولية تحققه، علما ان الفارق شاسع ما بين المطلبين.
في هذه الحالة، كان لزاما على الغرب ان يتقيد ضد ايران، من خلال المفاوضات، بالطرق والاساليب والوسائل، المتاحة امامه في هذه المرحلة، ومن بينها القيود المفروضة عليه، وفي طليعتها القصور عن المباشرة العسكرية، التي ارادتها تل ابيب، في الاساس، من خلال تهديدها وتحريضها الابتدائيين ضد ايران.
ما يعزز الاحباط الاسرائيلي، المعرب عنه من قبل نتنياهو، هو تأكيد الرئيس الاميركي باراك اوباما، انه في حال فشل المفاوضات، بعد اشهر، فهناك مزيد من العقوبات، من دون ان يتحدث عن مباشرة عسكرية ضد ايران. وهو ما لا تريده تل ابيب قطعا.
لكن هل يعني ذلك ان "اسرائيل" سقط في يدها، وبالتالي لم تعد تملك خيارات بديلة؟ وهل يعني التفاؤل المعرب عنه في جولة المفاوضات الاولى، انه سينسحب على الجولات اللاحقة؟ وفي النهاية هل يعني كل ذلك امكان التوصل الى اتفاق ما بين الغرب وايران؟ .. هي اسئلة تطرح في زمن بدء الفعل وعدم تبلور مقدماته، ومنها مقدمات اساسية ما زالت مفقودة.. رغم امكان التأكيد على ان "اسرائيل" قد سقط بيدها وفشلت في الوصول الى النتائج التي كانت تتوخاها، كيفما اتفق ان كانت مسارات التفاوض.. لقد نجحت "اسرائيل" في دفع المسألة الايرانية الى مقدمة الاهتمام الغربي، لكنها اخطأت التوقيت، كان عليها ان تقوم بهذه الخطوة في زمن الاقتدار الغربي، وليس في زمن تراجعه.. وهو خطأ استراتيجي، لا يمكن تقويمه.
2012-04-17