ارشيف من :أخبار لبنانية
جنبلاط: ضجيج في الحديقة الخلفيّة
فراس الشوفي ــ صحيفة "الاخبار"
لم يعد النائب وليد جنبلاط قائد فيلق 14 آذار. أفقدته «التوبات» المتتالية بريقه. رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي رهن للابتزاز الانتخابي قبل عام من انتخابات 2013.
بيك «الشوف وإقليم الخروب معاً» وليد جنبلاط لم يتكرّم على أحد حين أعلن خوضه المعركة المقبلة بلائحة غير مكتملة (الأخبار العدد 1676). ففي ظلّ علاقة ملتبسة مع السعودية وتيار المستقبل، ستكون إعادة تشكيل اللقاء الديموقراطي على هواه مسألة شاقّة. وإن كان البيك يغازل المستقبل بقدر غزله للجماعة الإسلامية، فإن هامش المناورة في حديقته الخلفية يضيق.
في الدائرة الكبيرة نسبياً، لا يستطيع أيّ طرف حسم المعركة وحده فيها. بين الشوف والإقليم بلغ عدد الناخبين 182989، اقترع منهم 91642 في انتخابات 2009. جنبلاط يحكم قبضته جيداً على 85% من أصوات الدروز، تحالفه مع المستقبل يحصد ما نسبته 75% من الأصوات السنية، وحلفه المسيحي مع القوات اللبنانية يضمن 48% من الأصوات (عبدو سعد، الانتخابات النيابية لعام 2009. قراءة ونتائج).
ماذا يحدث في الإقليم؟ النشاط الانتخابي بدأ باكراً. على الأقل في ساحتي جنبلاط والجماعة الإسلامية. عين الجماعة على مقعد النائب المستقبلي محمد الحجار، وهي تعمل ليل نهار للاستفادة من ضمور الحالة «المستقبلية» بعد توقف الضخ المالي. ومع غياب دور مؤثر لدار الفتوى عبر ممثلها المفتي محمد علي الجوزو، بات عدد كبير من أئمة المساجد يدورون في فلك الجماعة، أهمهم المشايخ أحمد سيف الدين، يونس الشمعة، فارس الحاج شحادة، عبد الحليم الحاج شحادة... والقائمة تطول. وعلى ما أكد أكثر من مصدر، فإن إشارات جنبلاط الإيجابية تجاه الجماعة تتعدى الكلام والتنسيق السياسي الى حدود الدعم اللوجستي في الإعداد للانتخابات، وفي عملية استيعاب اللاجئين السوريين الموجودين في قرى الإقليم في عهدة الجماعة. أكثر من ذلك، جنبلاط أعطى توجيهاته للبلديات التي يمون عليها لتسهيل عمل الجماعة، وعلى رأس هولاء رئيس بلدية مزبود محمد حبنجر، الذي «ركّبه» في رئاسة اتحاد البلديات على حساب رئيس بلدية شحيم المستقبلي محمد منصور.
التنسيق اللوجستي العالي، والتحالف الأكيد مع جنبلاط، يؤكدهما مسؤول الجماعة في الإقليم الشيخ أحمد عثمان. ويشير الشيخ إلى أن موضوع ترشيح الجماعة أحد كوادرها أمر وارد في أي لحظة. على أن الترشيح لم يحسم حتى الساعة، بانتظار وضوح المشهد العام من صيدا إلى الشمال إلى بيروت. فاليوم، بنظر الجماعة، لا يمكن أن تقبل ما قبلت به على مضض في انتخابات 2009، حفاظاً على التحالف مع المستقبل في تسوية اضطرارية. المتغيّرات والظروف الإقليمية والعربية لا بدّ أن تدخل في الحسبان.
وفي حركة نواب جنبلاط استنفار كبير، النائبان علاء الدين ترو ونعمة طعمة لا يهمدان. يتنقلان في بيوت الإقليم على نحو شبه يومي. الثنائي دخل مأتم خليل عبد النور ابن بلدة جون قبل أسبوعين «ينتع» وراءه خمسين شخصاً، وكذا يفعل في الأفراح. الجنبلاطيون خير من يستثمر الثقل الخدماتي، ففي سبلين وحدها 3500 موظّف من أبناء الإقليم. آخر إبداعات ترو كان دفع تعويضات لأربع قرى رئيسية هي شحيم، برجا، مزبود وكترمايا تحت عنوان ترميم منجز (دفع صندوق المهجرين أكثر من ألفي تعويض بلغت قيمة الواحد منها 4 ملايين ليرة لبنانية، على أن المبلغ المخصّص لكل تعويض هو 5 ملايين ليرة)، فيما لا يزال ملف تعويضات العودة المسيحية إلى الشوف عالقاً.
لقد نجح جنبلاط في ترسيخ «ذهنية اللاعودة» في عقل مسيحيي الشوف والإقليم. بعد المصالحة «التاريخية» مع البطريرك الماروني السابق مار نصر الله بطرس صفير، صارت العودة مسموحاً بها إلى أي قرية في أي وقت، لكن ما جدوى العودة إذا كانت المنطقة غير قابلة للحياة، لا سياحة ولا زراعة ولا تعويضات فيها. «بالشوف، شو في بالشوف؟»، يردّدها المسيحيون المهجّرون إلى «الشرقية». في انتخابات عام 2009، كانت نسبة الاقتراع المسيحي في الشوف 46.1%، وهي النسبة الأدنى مقارنة بباقي أقضية جبل لبنان، التي اقترع المسيحيون فيها بمعدل 62%. لا يزال هؤلاء يتحسرون على ابن عين زحلتا النائب نعيم مغبغب، الذي قتل في بيت الدين قبل 50 عاماً. كان «حافظ» الوجود المسيحي.
الهدوء والانتظار يلفّان حركة تيار المستقبل. الأمين العام للتيار أحمد الحريري يتابع الإقليم عن كثب عبر منسقه محمد كجك. والتيار، كعادته، ينتظر الأشهر الأخيرة قبل الانتخابات، معتمداً على الصرف المالي الهائل. المفاوضات مع جنبلاط لم تبدأ بعد بحجّة خلافه المنظّم مع حزب الله. جنبلاط لا يجرؤ الآن على إعلان مواقف منتقدة أو مناكفة للحزب لأن «صوت رصاص 7 أيار لا يزال في أذنيه». هذه المعادلة قد لا تصمد إلى المرحلة الأخيرة ما قبل الانتخابات النيابية، لن يكون الهجوم على النظام السوري وحده كافياً. وما يتوقّعه مسؤولو الحزب هو أن ينتقل البيك الى مواقف هجومية علنية تماهياً مع المزاج السنّي العام.
الابتزاز المستقبلي لجنبلاط لا ينبع من قدرة التيار على منع أصوات الإقليم عنه، بل من موقف سياسي عام يصوّب على بقائه في الحكومة مع حزب الله، وإبقاء الأبواب السعودية نصف موصدة، وبالتالي تعليق الدعم السعودي المالي من جهة، ومن جهة أخرى التهويل بتغييرات جديّة على ساحتي البقاع الغربي وبيروت. وإن لم يكن بمقدور المستقبل تسمية المقعدين الدرزيين على لائحة الشوف (مقعد جنبلاط ومقعد مروان حمادة)، فإن الابتزاز لا يوفّر المقعد الماروني الثالث والمقعد الكاثوليكي. البحث عن بديل لمقعد النائب الماروني إيلي عون جارٍ، بينما تردّد اسم رئيس بلدية جون الياس حنا كمرشح للمستقبل على المقعد الكاثوليكي عوضاً عن نعمة طعمة.
لا تغيب الحركة السلفية عن ساحة الإقليم أيضاً، استقبال البيك للشيخ أحمد الأسير قبل شهرين عبّد الطريق للّاعب الجديد. حركة الأسير ما زالت طريّة العود، بعض المناصرين في شحيم، وآخرون في خلّة وردة الواقعة بين المغيرية ومزبود.
على ضفة 8 آذار، لا مؤشرات جدية على خوض معركة سنية تحقّق على الأقل إثبات الوجود. النائب السابق زاهر الخطيب يزور الإقليم مرّة كل شهر من دون تقديم خدمات تذكر. وجديد 8 آذار على الساحة السنية احتمال ترشيح الوزير السابق وئام وهاب شخصية سنية من عانوت هو طبيب القلب الدكتور لؤي الغور.
التيار الوطني الحر، هو الآخر، لن تمر المعركة عنده مرور الكرام على ما يؤكّد غسان عطا الله، منسق الشوف في التيار. النشاط البرتقالي ظهر إلى العلن.
هل تعوّل 8 آذار على الخلاف المستقلبي الجنبلاطي، أم التنافس بين المستقبل والجماعة؟ لا تظهر الحماسة في انتظار ثغرة كهذه، فما يجمع الجماعة والمستقبل ووليد جنبلاط هو العداء المطلق للنظام السوري وهمّ استعادة الأكثرية النيابية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018