ارشيف من :ترجمات ودراسات

واشنطن تقودنا نحو عالم خارج عن القانون

واشنطن تقودنا نحو عالم خارج عن القانون
د. بول كريغ روبرنز
موقع موندياليزاسيون كندا الإلكتروني
15 نيسان/ أبريل 2012

تزعم حكومة الولايات المتحدة أنها تعيش في ظل القانون واحترام حقوق الإنسان، وأنها تمنح الحرية والديموقراطية لمواطنيها. هذا الزعم يتناقض بشكل كامل مع الحقيقة والواقع.

وبشكل ممل يوجه رسميو الحكومة الأميركية انتقادات إلى الحكومات الأخرى ويتهمونها بأنها غير ديموقراطية وبأنها تنتهك حقوق الإنسان. والواقع أن أي بلد آخر في العالم باستثناء "إسرائيل" لا يقصف ولا يطلق الصواريخ ولا يرسل الطائرات بلا طيار إلى بلدان ذات سيادة بهدف قتل السكان المدنيين. سجون التعذيب في أبو غريب وغوانتانمو والبرامج السرية في نقل أسرى وكالة الاستخبارات الأميركية إلى سجون هي بدورها سرية... هي في جملة إسهامات نظام بوش/ أوباما في خدمة حقوق الإنسان.

واشنطن تنتهك حقوق مواطنيها. واشنطن علقت الحقوق والحريات المدنية مع كونها مضمونة من قبل الدستور. وأعلنت عزمها على إلقاء المواطنين الأميركيين في السجون لآجال غير محددة من دون أية محاكمة. وقد صرح أوباما بأنه يستطيع أن يأمر سراً بقتل مواطنين أميركيين يعتبرهم خطراً على الولايات المتحدة.

ولم يرد الكونغرس على هذه التصريحات غير العادية بإطلاق إجراء لعزل أوباما. ولم تتصدّ لها المحكمة العليا ولا جماعات حقوق الإنسان والجمعيات المدافعة عن العدالة. وينقل غلين غرينوالد أن وزارة الأمن القومي تتحرش بالصحافيين الذين يرفضون التحول إلى "إعلاميين ساقطين"، ولقد رأينا أشرطة فيديو عن القمع الوحشي الذي تمارسه قوات الشرطة بحق المتظاهرين السلميين الناشطين في حركة: "احتلوا وول ستريت". كريس فلويد من جهته تكلم عن نزوة التعذيب التي تخيم على الولايات المتحدة.

والآن تلجأ واشنطن إلى كل الوسائل من أجل إجبار بلدان العالم على التخلص من الاتفاقيات الدولية ومن القانون الدولي. فجميع البلدان التي تتعامل تجارياً مع إيران أو تشتري النفط الإيراني، باستثناء تلك التي حصلت على سماح من واشنطن، ستفرض عليها عقوبات أميركية ولن تتمكن بضائعها من الوصول إلى السوق الأميركية، وأن أنظمتها المصرفية لن تتمكن من الاستفادة من المصارف الأخرى في عمليات تحويل الأموال على المستوى الدولي. بكلام آخر، إن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لا تطبّق على إيران وحدها، بل أيضاً على البلدان التي تتحدى واشنطن وتشتري النفط الإيراني لتلبية احتياجاتها في مجال الطاقة.

وتقول صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" إن واشنطن قد منحت سماحاً لليابان وعشرة بلدان أوروبية باستمرار شراء النفط الإيراني. وهي تطلب من بلدان أخرى أن تدمر اقتصاداتها الخاصة لكي تتمكن واشنطن من الثأر من إيران كمطلب ملح منذ اللحظة التي أسقط فيها الإيرانيون، قبل أكثر من ثلاثين عاماً، تلك الدمية التي نصبها الأميركيون في شخص الشاه. كان ذلك أكثر مما يمكن أن تتحمله واشنطن. أجل، سمحت الولايات المتحدة لليابان بالاستمرار في استيراد ما بين 78 و85 بالمئة من احتياجاتها النفطية العادية من إيران.

عمليات السماح تلك هي، أياً يكن أمرها، تعسفية تماماً. لكن أي سماح لم يمنح للصين والهند وتركيا وكوريا الجنوبية. الهند والصين هما أكبر بلدين مستوردين للنفط الإيراني. تركيا وكوريا الجنوبية هي بين البلدان العشرة الأولى التي تستورد النفط من إيران.

قبل النظر في النتائج غير المعروفة الحدود التي يمكن أن تنجم عن التعطش الأميركي للثأر من إيران، لنتساءل عن مشكلة الولايات المتحدة مع إيران.

بصراحة، لا تمتلك الولايات المتحدة أية حجة وجيهة في هذا المجال. وهي تعيدنا الآن مرة أخرى إلى أكذوبة " أسلحة الدمار الشامل". فعلى العكس من "إسرائيل"، وقعت إيران على اتفاقية حظر الانتشار النووي. وكل بلد يوقع هذه الاتفاقية له الحق بالحصول على الطاقة النووية. لكن واشنطن تؤكد أن إيران تنتهك الاتفاقية وتعمل على برنامج نووي عسكري. وليس هنالك أي دليل على صحة الاتهامات الأميركية. هنالك في أميركا 16 وكالة استخبارات وكلها تجمع على أن إيران لا تعمل على، على الأقل، منذ العام 2003، على أي برنامج يهدف إلى إنتاج أسلحة نووية. وفوق ذلك، مفتشو وكالة الطاقة الذرية متواجدون في إيران بشكل دائم ويؤكدون عدم وجود أي تحويل فيها للأعتدة الخاصة ببرنامجها السلمي إلى أعتدة يمكن أن تدخل في برنامج عسكري.

وفي كل مرة يتم فيها تذكير واشنطن بهذه الوقائع، تجد طريقة لطرح المسألة بطريقة أخرى. تقول مثلاً بأن حقوق إيران في إطار شروط اتفاقية حظر الانتشار النووي غير صالحة، وبأنه لا حق لها في برنامج نووي سلمي لأن ذلك يمكنها في المستقبل من صنع أسلحة نووية. إن القوة المهيمنة الأولى على المسرح العالمي قد قررت من طرف واحد أن احتمال أن تقرر إيران يوماً ما صنع سلاح نووي هو أمر شديد الخطورة. الأفضل، على ما تريده واشنطن، أن ترتفع أسعار النفط، وأن يضطرب الاقتصاد العالمي، وأن ينتهك القانون الدولي، وأن يخيم على العالم شبح حرب كبرى، وكل ذلك من أجل ألا تقوم حكومة إيرانية مستقبلاً بصنع سلاح نووي. تلك هي المقاربة الاستبدادية في النظر إلى قانون جيريمي بنتام الذي تخلص منه النظام الشرعي الإنكلوسكسوني.

من الصعب جداً توصيف موقف واشنطن بأنه موقف صادر عن تفكير رشيد. فوق ذلك، لم يحدث أن شرحت واشنطن الخطر الذي قد ينجم عن امتلاك إيران لسلاح نووي. لماذا يكون هذا الخطر أكبر من خطر السلاح النووي السوفياتي سابقاً، أو الأميركي أو الروسي أو الصيني أو الإسرائيلي والباكستاني والهندي والكوري الشمالي؟ إيران هي بلد صغير نسبياً، وهي لا تمتلك شأن واشنطن طموحات للهيمنة. وبخلاف واشنطن، ليست إيران في حرب مع نصف دزينة من البلدان. لماذا تقوم واشنطن بتدمير سمعة الولايات المتحدة كبلد يحترم القانون وتعرض العالم لحرب كبرى ولانهيار اقتصادي لا لشيء إلا لأن تطورات مستقبلية قد تحدث وخصوصاً أن احتمالات حدوثها غير ملموسة.

لا وجود لإجابات صحيحة عن هذه التساؤلات. وبدلاً من امتلاك أدلة على المزاعم بشأن إيران، لجأت كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" إلى شيطنة هذا البلد. وتم إقرار الكذب كحقيقة عبر الزعم بأن الرئيس الإيراني الحالي يريد محو "إسرائيل" من على وجه الأرض.

ونجح الكذب في تحقيق الأغراض المرجوة على مستوى البروباغندا، في حين أن العديد من الخبراء في مجال اللغات قد أثبتوا أن ما نسبته آلة البروباغندا الأميركية ـ الإسرائيلية إلى الرئيس الإيراني هو مغالطة كبيرة في ترجمة أقواله الحقيقية. ومرة أخرى، لا أهمية للوقائع في نظر واشنطن وصحافييها الساقطين. الأهمية كلها للأجندة. وكل أشكال الكذب مباحة من أجل المضي قدماً بهذه الأجندة.

العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران من شأنها أن تلحق بها أذى أكبر من ذاك الذي قد تحدثه بإيران.

ما الذي ستفعله واشنطن فيما لو رفضت الهند والصين وتركيا وكوريا الجنوبية أن تنصاع لتهديداتها؟

هنالك تقارير صدرت حديثاً وأكدت أن الصين والهند غير مستعدتين لإلحاق الضرر باقتصاديهما وبتنميتهما من أجل دعم واشنطن في عمليتها الثأرية ضد إيران. كوريا الجنوبية التي تلاحظ الصعود السريع للصين والمناعة التي تمتلكها كوريا الشمالية إزاء أي هجوم أميركي، يمكنها أن تتساءل بشكل مشروع إلى متى ستظل ألعوبة بيد الولايات المتحدة. أما تركيا التي نجحت حكومتها المدنية والإسلامية بعض الشيء في الاستقلال عن الجيش التركي الذي توجهه الولايات المتحدة، فإنها تلاحظ شيئاً فشيئاً أن واشنطن وحلف الناتو قد ألزماها بدور الخادم. والظاهر أن تركيا تراجع الفوائد التي يمكنها أن تجنيها من القيام بدور الألعوبة بيد واشنطن.

ما ينبغي أن تقرره كل من كوريا الجنوبية وتركيا هو الاختيار بين أن يكونا بلدين مستقلين أو بلدين تبتلعهما امبراطورية واشنطن.

إن نجاح الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران يتوقف على موقف كل من الصين والهند. ما الذي يمكن أن تفعله واشنطن إذا لم يرضخ لها هذان البلدان؟ ما الذي سيحدث فيما لو عمدت واشنطن في غمرة هذياناتها الهائلة إلى فرض عقوبات على هذين البلدين؟

عندها ستظل رفوف مخازن وول ـ مارت فارغة من السلع وسيأتي كبار الموزعين الأميركيين إلى البيت الأبيض ليقرعوا أبوابه بعنف شديد.

شركة آبل والعديد من كبريات الشركات الأميركية الأخرى التي تنتج من الصين ما تزود به السوق الأميركية من سلع، ستتعرض لخسارة ما تجنيه من أرباح. ومع حلفائها في وول ـ ستريت، ستقوم هذه الشركات البالغة القوة بالهجوم على مجنون البيت الأبيض بقوة أكبر من تلك التي قد يهاجمه بها الجيش الأحمر. كما سيتوقف الفائض التجاري الصيني عن تغطية ديون المصرف المركزي الأميركي. أما العمليات المصرفية الأميركية التي انتقلت إلى الهند وشركات بطاقات الاقتراض وخدمات المنفعة العامة في الولايات المتحدة فإنها ستتوقف عن العمل.

وعندها ستصبح الولايات المتحدة حقلاً للفوضى. تلك هي المكافآت التي ستحصل عليها امبراطورية العولمة التي ولدت من رحم هذه الامبراطورية.

معتوه البيت الأبيض والمشمّرون عن أذرعتهم للحرب من المحافظين الجدد والإسرائيليين الذين يلحون عليه من أجل إشعال المزيد من الحروب لا يفهمون أن الولايات المتحدة لم تعد بلداً مستقلاً. الولايات المتحدة باتت ملكاً لشركات الأوف شور وللبلدان الأجنبية التي أقامت فيها تلك الشركات مشروعاتها الانتاجية التي ترسل سلعها إلى السوق الأميركية. وعندما تفرض عقوبات على الهند والصين وكوريا الجنوبية، فإن ذلك يعني أنها ستصيب شركات أميركية. وعندما تفرض عقوبات على تركيا، فإنها ستصيب بلداً حليفاً لحلف الناتو.

هل تدرك الصين والهند وكوريا الجنوبية وتركيا أن الورقة الرابحة هي في يدها؟ هل تدرك هذه البلدان أن بإمكانها أن تهز العصا لأميركا وأن تدفعها نحو الانهيار، أم أنها شأن أوروبا وبقية العالم أسيرة الاعتقاد بأن من العبث الصمود في وجه القوة الأميركية؟

هل تقوم الصين والهند بممارسة نفوذهما على الولايات المتحدة أم أنهما ستعتمدان الاعتدال وتتخذان موقفاً يحفظ ماء وجه واشنطن من دون التوقف عن شراء النفط الإيراني؟

الإجابة هي التالية: ما هي التنازلات التي ستقدمها الولايات المتحدة سراً عبر الخروج مثلاً من بحر الصين الجنوبي لكي توافق كل من الهند والصين على الاعتراف بهيمنة الولايات المتحدة على بقية العالم؟

من دون تقديم تنازلات إلى كل من الصين والهند، ستغرق الولايات المتحدة في بحر التجاهل وستفقد قوتها. لأن بلداً لا ينتج سلعاً صناعية واستهلاكية ولا يقدر على أكثر من طباعة الأوراق النقدية وصكوك الاستدانة ليس بلداً قوياً. إنه ليس غير ناظر صغير في ملعب مدرسة لا يمكنه غير التبختر حتى اللحظة التي يقول له فيه أحد الصبيان: "الإمبراطور عارٍ من الملابس".
2012-04-18